خطاب باسيل للمسيحيين هل يهدد دورهم الكياني؟ جعجع أكثر حرصاً على الطائف والتوازنات…

أراد وزير الخارجية جبران باسيل أن يدخل إلى الجبل مستنفراً قوته ومستدعياً رصيده العوني فانقلب الوضع ضد المصالحة، وجاءت حادثة البساتين التي ارتدت على خطابه في الكحالة، لتؤجج التوتر في الساحة الدرزية، حيث أثبتت الوقائع التي تلتها أن المستهدَف الرئيسي هو وليد جنبلاط، ولتطرح تساؤلات حول وضع المسيحيين وما إذا كان الذي حصل هو انقلاب على المصالحة التاريخية في الجبل. وأراد باسيل أيضاً إظهار قوته وقدرته للشارع المسيحي، على ما قاله في زحلة أخيراً في حضور رئيس الجمهورية ميشال عون، وتوجّه إلى الشارع بالقول إن زمن استباحة حقوق المسيحيين قد ولى، فارتد عليه أيضا بحيث انتهى الأمر بالتوقيع على الموازنة قبل أن تحدث المشكلة مع أطراف آخرين، علماً أن كلام باسيل يتبناه عون بلا مواربة ولا تدوير.

وأياً تكن التسوية التي ستخرج حول حادثة البساتين وعودة مجلس الوزراء إلى الانعقاد، فإن المرحلة المقبلة ستشهد، وفق سياسي مطلع، معارك كثيرة بعناوين مختلفة تليها أزمات سياسية وطائفية، بدءاً باشتداد الحصار على جنبلاط في الجبل لانتزاع قراره، ثم رفع شعارات سابقة عن حقوق المسيحيين كانت افتتحت حول المادة 80 من قانون الموازنة، إضافة الى رسالة عون الى مجلس النواب في شأن تفسير المادة 95 من الدستور، وقبلها ردّ عون قانونين حصل حولهما خلاف طائفي. ومن هذه المعارك التي يعتبرها باسيل، وفق السياسي إياه، مشروعة ورداً على عدم إبطال المادة 80، العمل على اكتساح الشارع المسيحي وتوظيفه في أي انتخابات مقبلة. وتبدو حسابات باسيل واضحة، التصويب على الكتل الطائفية الكبرى لانتزاع مكاسب معينة وتشديد التحالف مع الأقليات باستثناء “حزب الله” غير المتضرر كثيراً من مطالب باسيل وعون، ثم العمل على التعطيل إذا كان ذلك ممكناً وهو أحد الخيارات المطروحة للرد.

يأخذ باسيل من الماضي ما يراه مناسباً لحالته الراهنة، وفق السياسي. في النسخة الجديدة لـ”التيار العوني” الذي يتزعمه باسيل اليوم، يسعى الى تكريس حالة تأسيسية لبنانية عبر الإنعزال. تُستحضر مفردات من الماضي باسم “التيار الوطني الحر” لكن بظروف مغايرة، والهدف اليوم هو السيطرة على القرار أو محاولة الهيمنة وإن كانت استعادة الصلاحيات غير ممكنة، علماً أن هذا الشعار أشعل الحرب الأهلية في البلد وكلّف المسيحيين أثماناً باهظة.

المفارقة، وفق السياسي المطلع، أن باسيل يحمل خطاباً قد تكون تكاليفه باهظة على المسيحيين والبلد، علماً أن باسيل نفسه يعتبره طريقاً للحفاظ على التوازنات الطائفية وان كانت مختلة اليوم عددياً. ومن هذا الخطاب الذي يحتضنه الرئيس عون، تبدو المحاولات مستميتة لاستعادة بعض الصلاحيات، لكنها في الواقع تكبد المزيد من الخسائر، وصولاً إلى المثالثة في البلد، ما يعني أن استعادة بعض مقومات الوزن المفقودة قد يرتد مزيداً من الخلل في التوازنات الطائفية.

انطلاقاً من ذلك، يرى السياسي نفسه ان خطاب “القوات اللبنانية” اليوم برئاسة سمير جعجع الذي كان أحد أطراف الحرب، أكثر اعتدالاً في طرح مطالبه الداخلية، فيما المعركة على صدارة النفوذ، التي يخوضها “التيار الوطني الحر”، تستعيد خطابات أكثر تطرفاً وتذكّر بأيام الحرب وما قبلها. والمشكلة التي ظهرت بوضوح هي أن خطاب باسيل الذي يبدو انه سينسحب على كل الفترة المتبقية من عهد عون، يقوم على الإقصاء انما من خلفية مغايرة للسابق. يستفيد التيار برئاسة باسيل من تحالفه مع “حزب الله” وما يمثله في الشيعية السياسية وفائض القوة الذي يتمتع به، لكن باسيل وبغطاء من عون عندما يفتح معارك على كل الجبهات بعنوان استعادة حقوق المسيحيين ويمد طموحه إلى الأخذ من صلاحيات الشيعية السياسية، سيكتشف أن موقع الغلبة هو للحزب وأن “السماح” الذي تبديه الشيعية السياسية له وما يمثله هو موقت وظرفي، وسيكتشف أيضاً أن ما انتزعه المسلمون بشقيهما السني والشيعي لن يُمنح لـ “التيار الوطني الحر”، واستطراداً لن يُمنح للمسيحيين.

ويكشف السياسي المطلع على حقبات الصراع في البلد، أن الجبل على سبيل المثال شكَّل موقع الصراع الفعلي على القرار، وقد كان جنبلاط ولا يزال يمثل الموقع الضامن للتسوية والمصالحة لما يمثله تاريخياً، فإذا كان الهدف من استعادة الجبل المسيحي باللعب في التوازنات والتحالف مع الأقلية الدرزية، فذلك يعني تفجيراً وانهاء للمصالحة التي يحرص عليها مثلاً جعجع في المعادلة اللبنانية، وهو الذي كان في ما مضى طرفاً، فيقدم نفسه أكثر حرصاً على الاستقرار. أما الطموح لاستعادة القرار بالتلاعب بأسس التشكيلة اللبنانية وتركيبتها، فيدل، وفق السياسي، على قلة دراية السياسيين الجدد، فلا يستخلصون من دروس التجربة اللبنانية المريرة التي تقول إن التغلب الطائفي المذهبي المستدام غير ممكن واقعياً، وان الكسر الطائفي المذهبي في الشارع مستحيل، وهذا يعني أن الانفتاح والوفاق والاعتدال أفضل الطرق للحفاظ على الصيغة وعلى التوازنات وأيضاً على موقع المسيحيين ودورهم في المعادلة اللبنانية وفي الكيان.

الانقسام حول المادة 80 من الموازنة، أحيا الانقسام الطائفي بين المسيحيين والمسلمين. وقد كان واضحاً أن الرئيس عون ومعه باسيل وضعا نفسيهما في مواجهة الطوائف الإسلامية كلها، علماً أن “حزب الله” كان من أشد المطالبين بإقرارها. ولذا يعتبر موقفهما محاولة للتصويب على صلاحيات الشيعية السياسية في مجلس النواب وليس فقط مع رئاسة الحكومة، وهذا يعكس خطورة الإنقسام والتمترس خلف شعار حقوق المسيحيين. وإذا كان باسيل يرفع سقف خطابه ويعرف، وفق السياسي، أن “حزب الله” مثلاً يحتاج الى غطاء مسيحي فيما الحريري يريد البقاء رئيساً للحكومة، إلا أن اللعب بالتوازنات على أساس أن هناك تفاهمات واتفاقات مع الكتلتين الإسلاميتين الكبيرتين سيؤدي في النهاية الى الإطاحة بالمكتسبات الحالية للمسيحيين ويفرض مثالثة تضرب اتفاق الطائف وتطيح كل الصيغة القائمة، وهذا ما يحذر منه السياسي في ما يتعلق بتفسير المادة 95 من الدستور، إذ إن أي حديث عن الغاء الطائفية السياسية في ظل الصراع الحالي وتوازناته لا يؤدي الى دولة مدنية وعلمانية، بل سيزيد الغلبة للطوائف الإسلامية على حساب المسيحيين.

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

Twitter: @ihaidar62

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*