الرئيسية / أبحاث / خصائص سكان لبنان: حقائق لمواجهة الفقر ورسم السياسات(1)

خصائص سكان لبنان: حقائق لمواجهة الفقر ورسم السياسات(1)

أديب نعمة|السبت11/04/2020
Almodon.com

من أجل التعامل مع الأزمة المركبة الاجتماعية – الاقتصادية وكورونا (نذير حلواني)

نشرت إدارة الإحصاء المركزي على موقعها نتائج المسح الميداني (هنا المرفق) الذي شمل عينة من حوالى 40 ألف أسرة في لبنان في الفترة 2018 – 2019. هذه البيانات الممثلة على مستوى القضاء في لبنان تعطي فكرة على درجة متقدمة من الدقة والموضوعية عن الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للسكان المقيمين في لبنان، وتساهم في تبديد بعض المغالطات المتعلقة بالأرقام المتداولة في أكثر من موضوع. كما أنها تشكل الأساس الذي لا غنى عنه لرسم السياسات وتحديد التدخلات في ظل الأزمة المزدوجة الاجتماعية – الاقتصادية – المالية التي بلغت مستوى حاداً جداً، اعتباراً من منتصف 2019، يضاف إليها أزمة انتشار وباء كورونا الراهنة. وتجاهل هذه المعطيات الحديثة والعلمية أمر يدعو إلى الاستغراب، إذ لم نسمع أيا من المسؤولين يستخدمونها في مقترحات التدخل التي يتقدمون بها، ولا يشيرون إليها في تصريحاتهم، وبحسب علمنا فإنهم حتى الساعة لم يطلبوا رسمياً ان توضع النتائج التفصيلية بين أيديهم من أجل التفكير في الخيارات الأمثل لمعالجة الأزمة المزدوجة وآثارها.

إن المقالة الحالية (والمقالة الثانية التي تليها) تهدفان إلى تعريف المواطنين بهذه النتائج، ولفت نظر السياسيين إلى ضرورة استخدامها من تحليل الوضع القائم بعد الأزمة، بالمقارنة مع معطيات حديثة تعود إلى منتصف السنة الماضية. وهو يتعلق بالخصائص الديموغرافية للسكان والأسر.

حجم السكان وتوزعهم
قدر عدد السكان (إجمالي المقيمين) في لبنان بـ 4.8 مليون شخص، منهم حوالى 3.97 مليون لبناني (80%)، و978 ألف (20%) غير لبناني من مختلف الجنسيات. ولا يشمل هذا الرقم المخيمات الفلسطينية، والأشخاص الذين لا يقيمون في منازل بصفتهم أسرة معيشية (مخيمات غير نظامية، مقيمون في ورش العمل…الخ)، وإذا قدرنا نسبة غير المشمولين بالإحصاء لهذا السبب بحوالى 180 – 200 ألف، فإن عدد المقيمين يقترب من 5 ملايين. وهذا تقدير تقريبي، إلا أن مجمل ما سيرد في ما بعد سوف يلتزم بالأرقام الصادرة عن إدارة الإحصاء، وهي مصدر كل الأرقام المذكورة ما لم يرد خلاف ذلك.يتوزع هؤلاء المقيمون الذين يشكلون أسراً معيشية (لبنانيين وغير لبنانيين) على المحافظات على النحو المبين في الشكل أدناه، حيث نسبة 42% يقيمون في جبل لبنان، يليها محافظتا لبنان الشمالي (13%) والجنوبي (12%) وتمثل بيروت 7% من إجمالي المقيمين بعد أن كانت هذه النسبة أكثر من 10% عام 2004. في حين سجلت في القترة نفسها الزيادة الأعلى في محافظة النبطية (من 6% إلى 8%)، يليها محافظتي لبنان الجنوبي وجبل لبنان. وهذا التفاوت الكبير بين حصة محافظة جبل لبنان وحصة المحافظات الأخرى يعود إلى التقسيم الإداري للمحافظات، حيث تم تقسيم ثلاثة من أصل المحافظات التقليدية الخمس هي الشمال والجنوب والبقاع إلى محافظتين لكل منها، في حين ان محافظة جبل لبنان لا تزل محتفظة بحدودها القديمة دون تقسيم، إضافة إلى الكثافة السكانية فيها واحتوائها على عدد كبير من المدن.


نسبة غير اللبنانيين
 هي الأعلى في بيروت (31%) ثم عالية (30%) ثم صيدا (29.5%)، والنسبة الأدنى هي في الهرمل وبشري وراشيا (حوالي 6%) من السكان المقيمين في هذه الأقضية. وتجدر الإشارة إلى ان الإحصاء بيّن وجود 103 أشخاص يعيشون مع الأسرة بصفة عامل منزلي، من أصلهم 102 من النساء، والنسب الأعلى هي في بيروت ثم جبل لبنان، والنسبة الأدنى هي في عكار. أما اللبنانيون الذي يبلغ عددهم أقل من 4 ملايين نسمة، فقد توزعوا حسب مكان القيد في سجل النفوس (المحافظة) على النحو التالي: 24% في جبل لبنان، يليها لبنان الشمالي مع 14%، ثم لبنان الجنوبي والنبطية مع 13% لكل محافظة، ومحافظة البقاع في الترتيب الأخير مع 8%.

عدد السكان حسب الاقضية
بدوره يكشف توزيع السكان حسب الأقضية عن تفاوتات كبيرة. فالقضاء الذي يحوي أكبر عدد من السكان هو قضاء بعبدا وعدد سكانه 554 ألف نسمة، ويقترب منه قضاء المتن مع 511 ألفاً، تليه في الترتيب مدينة بيروت مع 342 ألفاً. في حين أن أقل عدد من السكان هو في قضاء بشري مع 22 ألفاً، يليه قضاء حاصبيا مع 29 ألفاً، ثم الهرمل 30 ألفاً…الخ، (انظر الشكل البياني أدناه).


التفاوت الكبير في عدد السكان مرده إلى استمرار التقسيم الإداري القديم، الذي لا يراعي معايير عمرانية أو اجتماعية محددة. فقضاءي بعبدا والمتن يضمان الضاحيتين الجنوبية والشمالية لبيروت، وفيهما الكثافة المرتفعة للسكان. ويبدو عدد السكان في قضاء صيدا (297 ألفاً) أعلى من عدد سكان طرابلس (244 ألفاً)، لأن طرابلس هنا هي المدينة، في حين أن صيدا هي القضاء الذي يضم المدينة والقرى الأخرى. وفي دراسات أخرى، بما في ذلك ما صدر عن إدارة الإحصاء المركزي، كان يعتمد أحيانا تقسيم إضافي أو معدل، كأن تجمع بيروت وضواحيها معاً، وتفصل أعالي بعبدا والمتن عن الضواحي، وهذا يعطي فكرة أكثر وضوحاً عن توزع السكان من طريقة العرض الحالية.

بعض المناطق أكثر استقطاباً للسكان من أقضية أخرى. ونقصد هنا اللبنانيين تحديدا. وبينت نتائج الإحصاء أن حوالى ثلث السكان (32%) من اللبنانيين يسكنون في غير محافظة قيدهم. ففي جبل لبنان يقيم 95% من المسجلين في المحافظة فيها، في حين أن هذه النسبة هي في أدنى مستوى في بيروت (العاصمة وهذا طبيعي) فحوالى 42% فقط من الذين قيدهم في بيروت مقيمون في بيروت، في حين أن 51% منهم يقيمون في محافظة جبل لبنان. بينت النتائج تفضيلات معينة في حركة السكان الداخلية أيضاً، فالمقيدون في محافظة لبنان الجنوبي مثلا ينتقلون بالأفضلية إلى محافظة جبل لبنان، والمقيدون في محافظة النبطية أيضاً يفضلون جبل لبنان ولبنان الجنوبي بالدرجة الثانية. والمقيدون في عكار ينتقلون إلى محافظة لبنان الشمالي وإلى جبل لبنان، والمقيدون في محافظة لبنان الشمالي ينتقلون إلى جبل لبنان، ومحافظتي البقاع وبعلبك -الهرمل إلى جبل لبنان أيضاً.

هذه الأرقام في كل حال تعطي تقديراً مختلفاً عن الأرقام المتداولة من قبل البلديات أو القوى السياسية إذ يميل كل طرف إلى تضخيم عدد السكان في “منطقته” (نذكر أن الأرقام هنا تشمل اللبنانيين وغير اللبنانيين)، كما يميل إلى إغفال التنوع الكبير في أماكن قيد السكان المقيمين ضمن النطاق الإداري أو البلدي.

خصائص الأسرة
يبلغ إجمالي عدد الأسر المقيمة في لبنان 1.267 مليون أسرة، ومتوسط حجم الأسرة هو 3.8 فرد، وكان 4.3 فرد عام 2004. متوسط حجم الأسرة للبنانيين هو 3.7 فرد، في حين هو 4.6 فرد لغير اللبنانيين. ومتوسط حجم الأسرة التي ترأسها امرأة يبلغ 2.5 فرد في حين هو 4.1 بالنسبة للأسر التي يرأسها رجال، ويعود ذلك إلى التركيب العمري ونسبة الطلاق والترمل التي هي أعلى بين النساء على ما سيتضح بعد قليل.

أما على صعيد التفاوت بين المناطق فإن الأسرة الأقل حجماً في المتوسط في جزين (3.3) والبترون وكسروان وبيروت (3.4) في حين هي الأعلى في عكار (4.8) ثم في المنية – الضنية (4.7). وهذه التفاوتات ليست مجرد اختلاف كمي في الأرقام، بل تحمل أيضاً دلالات اجتماعية، ولها ارتباط مباشر بالسياسات الاجتماعية، وأنظمة الحماية الاجتماعية، والتدخلات الإغاثية الطارئة – كما هو اليوم في ظل كورونا – ولا بد من لحظها في تصميم السياسات والتدخلات.

على سبيل المثال، فإن الممارسة الحالية السائدة في برامج المساعدة الاجتماعية منحازة في تصميمها لصالح الأسر الكبيرة (التي تضم عدداً أكبر من الأطفال)، ونشير إلى أن عدد الأسر التي يبلغ عدد أفرادها 6 أفراد أو أكثر تبلغ 222 ألف أسرة، من ضمنها تلك التي يبلغ عدد أفرادها 7 أفراد وأكثر وتبلغ 98 ألف أسرة. وبحسب المعايير السائدة اليوم، فإن هذه الأسرة مرشحة من حيث المبدأ لتكون مؤهلة للمساعدة الاجتماعية من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية وغيرها (ما عدا تلك التي يعمل فيها رب الأسرة في القطاع العام عموماً). وتبلغ نسبة الأسر التي يبلغ عدد أفرادها 6 أو أكثر 18% من العدد الإجمالي للأسر، إلا أن هذه النسبة تصل إلى 35% من إجمالي الأسر المقيمة في عكار، و24% في بعلبك الهرمل، و23% في المنية – الضنية.

لكن، في حين أن الأسر الكبيرة الحجم تلقى اهتماماً أكبر نسبياً، بحكم الميل إلى التركيز على الأطفال وتوفير المساعدة والرعاية لهم وللأسر التي تضم عدداً كبيراً من الافراد، وبحكم الترابط المثبت بين حجم الأسرة الكبير ونسبة الفقر، فإن الاهتمام بالأسر صغيرة الحجم أقل، مع العلم أن هذه الأسر هي أكثر فقراً من الأسر كبيرة الحجم أو توازيها، كما بينت ذلك دراسات سابقة صدرت عن وزارة الشؤون الاجتماعية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عامي 1998 و2007، حين تبيّن أنها أكثر فقراً بحكم تكوينها الديمغرافي. فهي غالباً ترأسها نساء أرامل كبيرات في السن، وهي الأسر الأكثر فقراً والأكثر هشاشة، لاسيما مع غياب أنظمة تقاعد معممة أو واسعة. كما أن معايير اختيار الأسر المؤهلة للاستفادة من برنامج مساعدة الأكثر فقراً، لا يبدو أنه ينجح في تغطية هذه الفئة من الاسر.

وفي لبنان عام 2019 هناك 129 ألف أسرة مكونة من شخص واحد (أي هي عبارة عن شخص يعيش منفردا) وتشكل النساء 76 ألف من أصلهم مقابل 53 ألف من الذكور، وهناك 141 ألف اسرة في لبنان ترأسها امرأة عمرها يبلغ 60 سنة او أكثر. ولو ذهبنا إلى حالات الطلاق والترمل، فهناك 24 ألف رجل مطلق (او منفصل) مقابل 52 ألف امرأة، ويبلغ عدد الرجال الارامل 33 ألف مقابل 204 ألف امرأة ارملة. وعندما نخصص الفئة العمرية 60 سنة او أكثر، فإن عدد المطلقات النساء 6000 مقابل 5 رجال، يبلغ عدد النساء المترملات 162 ألف ارملة مقابل 35 ألف رجل. وهذه خصائص بالغة الأهمية عند تصميم برامج الحماية والمساعدة الاجتماعية، بما في ذلك في أيامنا هذه.

ماذا بعد..
إن الحاجة إلى التعرف إلى السكان والفئات الاجتماعية وخصائصها، ضرورة قائمة منذ ما قبل الأزمة، من أجل صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية المناسبة. ولم يكن الأمر على هذه الحال سابقا. واليوم الحاجة أشد إلى منهجية علمية وموضوعية في التعامل مع الأزمة المركبة الاجتماعية – الاقتصادية وكورونا، سواء في تصميم برامج المساعدة الاجتماعية الفورية أو الابعد مدى. ولا يمكن ان يتم ذلك بشكل عشوائي، ولا الاكتفاء باستخدام الأدوات المتاحة، من دون لحظ نقاط القوة والضعف فيها.

إن ما ورد من خصائص سكانية، يشكل المستوى الأول من الخصائص والمعايير التي يمكن استخدامها، من أجل التعرف إلى الفئات التي تحتاج إلى المساعدة بالأولوية. وكذلك، القيام بتقدير أولي لحجم الموارد المطلوبة، وتحديد آليات تقديم الدعم المتناسبة معها. إلا أن ما سبق عرضه هو الشريحة الأولى من الخصائص، تليها شريحة ثانية تتعلق بالعمل وخصائصه، وشريحة ثالثة تتعلق بالدخل، ويحتاج تصميم السياسة أو البرنامج المناسب إلى إدماج هذه الشرائح الثلاث، وبناء نظام المعايير المرن على أساس ذلك، من أجل تقليص احتمالات استبعاد أي فئة اجتماعية مستحقة من المساعدة. والعمل العلمي هو أول واجبات أي حكومة مسؤولة.

اضف رد