الرئيسية / أضواء على / خدام ذاكرة ثلاثة عقود من سوريا ولبنان و”ربيع دمشق” آخر معاركه لمصلحة النظام

خدام ذاكرة ثلاثة عقود من سوريا ولبنان و”ربيع دمشق” آخر معاركه لمصلحة النظام

نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام في صورة من الارشيف.

عند انشقاقه عن النظام السوري عام 2004، أعرب عبد الحليم خدام عن عزمه على كتابة مذكراته. وعامذاك، رحب الأستاذ غسان تويني بنشرها عبر “دار النهار” حال صدورها. أمس، غاب خدام عن 88 عاماً من دون أن يترك مذكرات مدونة، أو أقله منشورة حتى الآن. وعلى أهمية كتابه “التحالف السوري- الإيراني والمنطقة” الصادر عام 2010، كان يمكن ذاكرة مكتوبة لرجل أثار حوله الكثير من الجدل في بلاده كما في لبنان، أن تشكل تأريخاً لثلاثة عقود مهمة عايش فيها رئيسين لسوريا، وكان خلالها مهندساً للوصاية السورية على لبنان.

لا يكتسب “أبو جمال”، وهو اللقب الذي كان يطلق عليه في لبنان، أهميته من كونه شغل منصب نائب الرئيس السوري بشار الأسد نحو خمس سنوات، قبل أن ينشق عنه ويقيم في باريس منذ 2004 . “سرّه” يكمن في أنه كان وزير خارجية سوريا طوال 14 سنة اضطلع فيه في ظل الأسد الاب، بأدوار مهمة في شؤون علاقات بلاده الإقليمية والعالمية، قبل أن يعين نائباً للرئيس ويجرده الأسد الابن ذلك المنصب لاحقاً.

وكان هذا الرجل المولود في مدينة بانياس الساحلة عام 1932 من أسرة سنية، من القلائل الذين ظلوا محل ثقة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، منذ وصوله إلى السلطة في انقلاب عسكري عام 1970 ضد رفاقه في حزب البعث الحاكم في سوريا منذ عام 1963، وحتى وفاته.

شغل خدام منصب محافظ القنيطرة خلال حرب حزيران 1967 بين العرب وإسرائيل، وهو الذي أعلن في بيان عبر إذاعة دمشق سقوط المدينة تحت الاحتلال الإسرائيلي.

وبعد حرب 1967 عين محافظاً لدمشق، ثم وزيراً للاقتصاد والتجارة الخارجية عام 1969. وعينه الأسد الأب في منصب وزير الخارجية مع وصوله إلى السلطة عام 1970 وظل في هذا المنصب حتى عام 1984 عندما عينه حافظ الأسد في منصب نائب الرئيس وأسند وزارة الخارجية إلى فاروق الشرع.

وصفه الكاتب البريطاني الراحل باتريك سيل في أحد مقالاته بأنه “غروميكو السياسة السورية” بسبب مواقفه المتصلبة، وخصوصاً في الصراع العربي-الاسرائيلي، والذي اضطلع فيه بدور مهم خصوصا بعد حرب 1973.

اعتبر خدام مهندساً للسياسية السورية في لبنان منذ دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976 ، علماً أن هذا الملف هو الذي فجر الخلاف بينه وبين الأسد الإبن.

وشارك خدام في الجهود الديبلوماسية لانهاء الحرب الأهلية اللبنانية في الفترة من 1975 إلى 1990 ولعب دوراً مهماً في التحضير للاتفاق الثلاثي عام 1985 واتفاق الطائف عام 1989. وخلال تسلمه ملف العلاقات السورية اللبنانية أقام صداقات وعداوات كبيرة له في لبنان، إلى أن حول حافظ الأسد “ملف لبنان” إلى نجله بشار الذي بدا في ذلك الوقت أنه سيخلفه.

وبعد وفاة حافظ الأسد في 10 حزيران 2000، تسلم خدام مهمات رئيس الجمهورية بحسب الدستور السوري في مرحلة انتقالية وأقر تعديل المادة 83 من الدستور لتلائم ترشيح بشار الأسد للرئاسة.

وفي 11 حزيران، أصدر القانون الرقم 9 بتاريخ 11/6/2000 القاضي بتعديل المادة التي تحدد عمر المرشح لرئاسة الجمهورية بإتمامه الرابعة والثلاثين من عمره، بعدما رقى العقيد بشار الأسد إلى رتبة فريق وعينه قائداً عاما للقوات المسلحة.

أبقاه بشار الأسد في منصبه نائباً للرئيس، وسلمه الملف العراقي. وحذر خدام قبل شن الحرب على العراق من رسم “خريطة جديدة” للمنطقة، قائلاً: “إذا نشبت حرب فان ذلك سيرسم خريطة جديدة للشرق الأوسط، ولكن ليس بالشكل الذي تسعى إليه الولايات المتحدة”.

ولكن مع تسلم بشار السلطة، بدأ نجم خدام بالأفول، بعدما سُحب البساط من تحت أقدام الحرس القديم وعُين مقربون من الاسد الابن في مراكز حساسة.

وكانت آخر المعارك التي خاضها خدام دفاعاً عن النظام الذي انقلب عليه لاحقا، حملة إعلامية وسياسية على “ربيع دمشق”، الأمر الذي مهد لاطلاق يد الجهات الامنية في ملاحقة رموزه مثل العضو السابق في مجلس الشعب السوري رياض سيف، وعدد من المفكرين والمثقفين والكتاب الذين دعوا إلى إصلاحات سياسية والحد من القبضة الأمنية.

وغردت عضو التحالف الوطني السوري المعارض سهير الأتاسي بعد اعلان وفاة خدام: “مات عبد الحليم خدام. ومن منا نحن أبناء وبنات “ربيع دمشق” ينسى تصريحه الذي أعطى الغطاء لبشار الأسد ليشرعن إجهاض الربيع ومنع منتديات الحوار الديموقراطي واعتقال القائمين عليها، بقوله أن المنتديات تهدد أمن واستقرار البلاد، والبلد ليس بحاجة إلى ديموقراطية توصله إلى ما وصلت إليه الجزائر”.

بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عام 2005، خرج الخلاف بين الأسد وخدام إلى العلن وصار ينتقد السياسة الخارجية لاسيما في لبنان علناً، إلى أن أعلن انشقاقه في كانون الأول 2005 واختار باريس منفى له. ومن هناك راح يدعو إلى العمل على التغيير السلمي بإسقاط النظام الديكتاتوري وبناء دولة ديموقراطية حديثة في سوريا تقوم على أساس المواطنة.

وفي اطلالة إعلامية أولى له على قناة “العربية” من باريس، شن هجوماً قوياً على النظام السوري متهماً الأسد بتهديد الحريري بالقتل قبل اغتياله بأشهر.

وفي حينه، أثار تصريحه عاصفة من الاحتجاجات في مجلس الشعب الذي طالب بالإجماع بتقديمه للمحاكمة بتهمة الخيانة.

وفي 17 آب 2008، أصدرت المحكمة العسكرية الجنائية الأولى في دمشق 13 حكماً بالسجن لمدد مختلفة أشدها الأشغال الشاقة المؤبدة مدى الحياة. و ذلك بتهم مختلفة أبرزها “الافتراء الجنائي على القيادة السورية والإدلاء بشهادة كاذبة أمام لجنة التحقيق الدولية بشأن مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، وكتابات وخطب لم تجزها الحكومة السورية”.

كما اتهمته “بالمؤامرة على اغتصاب سلطة سياسية ومدنية وصلاته غير المشروعة مع العدو الصهيوني والنيل من هيبة الدولة ومن الشعور القومي، وأشدها دس الدسائس لدى دولة أجنبية لدفعها العدوان على سورية التي عوقب عليها بالمؤبد”.

ولكن ذلك لم يردع خدام الذي كرر اتهاماته للنظام مراراً، مؤكداً وقوفه وراء اغتيال الحريري.

وفي إطلالات إعلامية عدة له من منفاه، أقر بإخفاقه في إدخال إصلاحات سياسية كما سعى لتصوير نفسه على أنه إصلاحي، مؤكداً أنه استقال لأن سلسلة الإصلاحات الأساسية، التي كانت ستعزز الحرية والديموقراطية، لم تتقدم.

ووصف في حديث تلفزيوني من منفاه الباريسي علاقة سوريا بإيران خلال عهد حافظ الأسد بأنها كانت عبارة عن “تعاون، “أما خلال عهد بشار الأسد فتحولت العلاقة إلى “تبعية” سوريا لإيران. وأضاف أن أسوأ ثغرات حافظ الأسد كانت سماحه لأولاده ولأفراد عائلته بالتحكم بالناس وممارسة الفساد وأنه كان ضعيفاً امامهم. 

ثروته

وفي الحديث نفسه، نفى ما يتردد على نطاق واسع عن أن ثروته تبلغ أربعة مليارات دولار.

في عام 2006 ، أعلن في بلجيكا ما سمي وقتها “جبهة الخلاص الوطني” التي ضمت جماعة “الاخوان المسلمين” السورية وخدام وعدداً من الشخصيات المعارضة بهدف تغيير النظام في وسوريا، ولكن الجبهة سرعان ما تفككت عام 2009 بعد تجميد الجماعة عضويتها.

ومنذ اندلاع الحرب السورية عام 2011 لم يضطلع خدام بدور بارز، إذ أن الأطراف المؤثرة في المعارضة السورية وذات التوجهات الاسلامية رأت فيه أحد رموز الحكم في سوريا ولم تغفر له ماضيه.

monalisa.freiha@annahar.com.lb Twitter: @monalisaf

اضف رد