الرئيسية / أضواء على / خالد زيادة لـ”المدن”: زحف الفقراء إلى المدينة ليس بريئاً

خالد زيادة لـ”المدن”: زحف الفقراء إلى المدينة ليس بريئاً

 

حاوره: محمد حجيري|السبت08/12/2018

Almodon.com

أتيت إلى بيروت من طرابلس، وفي ذهني أنها هي المدينة حين كانت بيروت مجرد بلدة صغيرة

أصدر الباحث والكاتب خالد زيادة كتابه الجديد بعنوان “المدينة العربية والحداثة”(شركة رياض الريس)، ويتناول التطورات التي لحقت بالمدن العربية، وخصوصًا المتوسطية، في الحقبة العثمانية، والتي بدأت تظهر ملامحها بوضوح مع المؤثرات الغربية وكانت أسطنبول على سبيل المثال، أول المدن التي ظهرت فيها هذه المؤثرات منذ بداية القرن الثامن عشر، وظهرت التغيرات التي أصابت المدن العربية مع بداية القرن التاسع عشر… والمدن القديمة توارت وتغيرت معالمها وتلاشت، وتزايد عدد سكانها اضعاف مضاعفة بفعل الحداثة. وأدى التحديث الى قيام مدينة جديدة الى جوار القديمة التي هجرها سكانها، وهُجر الوسط التجاري الحديث، ونشأت على أطرافها الضواحي الكبيرة المزدحمة التي لا أثر فيها للتراث العمراني وتغير عن أزمات الحداثة.
ويمكن اعتبار كتاب خالد زيادة، كتاب الأسئلة والمقترحات حول المفاهيم والمناهج والمدينة، في ضوء التبدلات الديموغرافية والعمرانية والاقتصادية والهجرات التي تحصل (يوقع الكتاب الجمعة 14 الجاري في معرض الكتاب)… وأجرت “المدن” معه هذا الحوار.

– جاء في مقدمة كتابك: “لو أنني أنجزت هذا الكتاب في وقت جمعي مادته مطلع ثمانينات القرن الماضي، لجاء مختلفاً تماماً”. كيف كانت وجهة نظرك عن المدينة في ذلك الزمن؟

* في مطلع الثمانينات كنت لا ازال أفكر بعمل يتناول المدينة الإسلامية. كنت أريد أن أقوم بعمل يمثل وجهة نظر جديدة. كان التفكير آنذاك يتجه صوب مدح خصائص المدينة التي نمت وازدهرت في عالم الاسلام. لكني كنت أريد أن أتفحص أعمال الفقهاء. لذا اقتنيت كل ما وقع تحت يدي من الأعمال المتعلقة بالحسبة، وأعتقد أنني حصلت على أغلبها. والواقع أنني أنجزت بعض الفصول المتعلقة برؤيتي تلك في كتاب صغير نشرته تحت عنوان:“الخسيس والنفيس، الرقابة والفساد في المدينة الاسلامية”. إلاّ أنني لم أهمل الموضوع. فقد درّست في مطلع الثمانينات، مادة علم الاجتماع المديني وبدأت أتصل بالمؤلفات المتعلقة بالمادة، وأغلبها يتبع آنذاك مدرسة شيكاغو الأميركية، التي عالجت مسائل النمو المتسارع للمدن الأميركية ومشاكل الهجرة والبطالة والجريمة الخ.

ومنذ ذلك الوقت، أي منذ ما يزيد على عقود ثلاثة من الزمن، حدثت تطورات عديدة: أولها اشتغالي على السجلات الشرعية، وهي سجلات تختص بالفترة العثمانية منذ القرن السابع عشر، ووضعتني أمام معطيات جديدة تتعلق بحياة المدن في تلك المرحلة. هذا أولًا. وجاء ثانيًا اطلاعي على دراسات عديدة تبتعد عن النظرة الاستشراقية للمدينة الاسلامية. وأخص بالذكر أعمال الباحث الفرنسي اندريه ريمون في أبحاثه على سجلات القاهرة، وكذلك دراسته عن المدن العربية في الفترة العثمانية. وثالثًا، وهذا الأهم، هو النمو السريع والعشوائي للمدن العربية خلال العقود الأخيرة التي حتمت التفكير بطريقة مختلفة.

هذه التطورات، إذا جاز التعبير، بدّلت المفاهيم والمصطلحات. لم يعد مصطلح المدينة الاسلامية جديرًا بتفسير التطورات التي تشهدها المدن في القرون الأخيرة. أي المرحلة العثمانية، وخصوصًا المدن المطلة على البحر المتوسط، والتي تفاعلت بقوة مع نمو الرأسمالية في أوروبا. كذلك فإن ما شهدته المدن العربية في العقود الأخيرة يضع مدارس علم الاجتماع الحضري أو المديني موضع التساؤل. وفي الأصل، فإن ما كان ينطبق على المدن الأميركية أو الأوروبية، لم يكن بالضرورة ينطبق على المدن العربية. واليوم تبين لي أن أعمال ماكس فيبروجورج زيمل وإميل دوركهايم، وهي نتاج تطور المجتمعات الرأسمالية في أوروبا، لم تعد قادرة على تفسير التطورات التي عرفتها المدن في العالم طوال مدة تفصلها عن أعمالهم، تزيد على القرن من الزمن. من هنا نحتاج إلى مداخل أخرى لدراسة المدينة.

– تعتبر أن “هذا الكتاب أشبه بمقدمة طويلة، أحاول العودة إلى مفهوم المدينة الإسلامية، حين كانت مدننا مزدهرة…”. هل يمكن أن يستتبع الكتاب بكتب أخرى تأتي في السياق ذاته. ألا تجد أن كل فصل في كتابك كان يمكن أن يكون كتابًا بذاته؟

* هذا الكتاب في حقيقة الأمر هو مقدمة لكتاب كنت أنوي كتابته. ولكن المقدمة تحولت إلى مدخل اجمالي، . حاولت أن أمر على كل القضايا المتعلقة بالمدينة تاريخيًا وحديثًا. أما العودة إلى “مفهوم” المدينة الاسلامية (وليس إلى المدينة الاسلامية) فلكي أناقش هذا المفهوم على ضوء الدراسات ما بعد الاستشراقية. كما إنني قارنت ما بين رؤية الفقهاء والعلماء المسلمين وخصوصًا الماوردي للمدينة، وبين رؤية ماكس فيبر لايضاح عناصر التشابه والاختلاف.

وبحسب عنوان الكتاب، فإنني أردت أن أعرض آثار الحداثة على المدينة العربية. فالكتاب هو عن الحداثة بقدر ما هو عن المدينة. فقد دُرست آثار الحداثة في الشعر والرواية والأدب والفكر، لكن آثارها على المدينة لم تدرس.

وإذا كنت ترى أن كل فصل يمكن أن يتحول إلى كتاب، فهذا صحيح. ولكن هذا الأمر أتركه للباحثين الذين يمكن أن يساعدهم هذا الكتاب الصغير الحجم على اعداد دراساتهم التفصيلية. وما أرجوه فعلاً هو أن تدرس آثار الحداثة على الحياة في المدن كموضوع قائم بذاته.

– عنوان الكتاب “المدينة العربية والحداثة”، ويرد في الكتاب مصطلحي المدينة الإسلامية والمدينة العثمانية، ما الفارق بينها؟ خصوصا أننا حين نقرأ مسار المدن، بيروت مثلاً، نجد أنه حمّال أوجه. فـ”بيروت العثمانية” و”بيروت الفرنسية” و”بيروت العربية” و”بيروت اللبنانية” و”بيروت البيروتية أو الأهلية”، والإسكندرية والقاهرة كذلك تراوحت بين الكوزموبولوتية والمتوسطية…

* مسألة المصطلحات والتعريفات تحتمل الكثير من التأويلات وإعادة النظر. وبالنسبة اليّ: فقد استخدمت مصطلح المدينة الاسلامية في الفصل الأول تحت عنوان: “الاشكاليات والمصطلح”، أي أن المصطلح هو اشكالي بالرغم من ذيوعه وانتشاره. واليوم يستخدم مصطلح “المدينة في عالم الاسلام” كبديل أكثر مصداقية. أما مصطلح المدينة العثمانية فيشير إلى مرحلة الهيمنة العثمانية، أي مرحلة تاريخية وجغرافية أيضًا. أما مصطلح المدينة العربية فهو مصطلح ثقافي بالدرجة الأولى. وقد حاولت في هذا الكتاب أيضاح أن وحدة المدينة العربية كانت في وحدة ثقافتها، وهذا ما تفتقده اليوم.

أما بيروت فهي مثال مناسب للتساؤل عن هوية المدينة، ذلك أن بيروت هي نتيجة للتحديث في الفترة المصرية (1831-1840) والفترة العثمانية (1918-1840). والدولة العثمانية هي التي جعلت منها مركز ولاية عام 1888 نظرًا لأهميتها التي اكتسبتها خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر. وبهذا المعنى فإن بيروت القرن التاسع عشر هي عثمانية، ثم جاء الانتداب ليطبع عاصمة دولة لبنان الكبير بطابعه العمراني، ثم صارت بيروت عاصمة للثقافة العربية.

كل ذلك يدفعنا لإعادة النظر بهويات المدن وتعريفاتها وخصائصها. مع الأخذ بالاعتبار أن المدن تتجه نحو فقدان الهوية.

– في رأيك ما هي معوقات حداثة المدن العربية. هل هي أزمة الحداثة نفسها، أم ترييف المدن أم الاستبداد أم الدين؟

* حاولت القول في سياق الكتاب بأن المشكلة الأساسية في نمو وتطور المدينة العربية في الفترة المعاصرة، حين تلقت تأثير الحداثة الأوروبية. هذا تناقض بين منهجين. فالمدينة العربية في الفترة الكلاسيكية السابقة للحداثة نمت واتسعت وفق منهج تجريبي. وهذا ما تبينه أعمال الفقهاء الخاصة بالعمران. أي أن المدينة تنطلق من بناء أو مباني ثم تتسع انطلاقًا من هذه النقطة. أما المدينة الحديثة التي خضعت لشروط المفهوم الأوروبي، فتنطلق من مخطط عقلاني مسبق لا يأخذ بالاعتبار البيئة والجغرافيا. وهنا تكمن المشكلة الرئيسبة التي تتفرع منها مشكلات فرعية مثل: عدم الالتزام بالمخططات الحديثة واخضاعها لمتطلبات نفعية أو سلطوية. يضاف إلى ذلك أن الحداثة قد اقتحمت دفعة واحدة تحديث الاقتصاد والصناعة (عبر ضرب الحرف التقليدية التي تميز المدن في الفضاء العربي). يضاف إلى ذلك الهجرة الكثيفة من الريف إلى المدينة، وإخضاع المدن لقرارات تعسفية من جانب سلطات تقدم الأولويات الأمنية على التنمية.

– تقول: “يصدر عدم مشاركة السكان الأشد فقرًا في الانتفاضات وفي الثورات، وحتى في الاحتجاجات عن إدراكهم ان الحفاظ على مكتسباتهم وحال اللاشرعية التي يعيشون في ظلها يتطلب منهم عدم الاعتراض على السلطة التي يشاركونها ويتواطأون معها في انتهاك الحقوق والقانون والحيز العام”، بمعنى آخر فاسدون… لكن في الوقائع السورية ثمة من قال إنها ثورة الريفيين. أنا بورجوازية المدن بخاصة دمشق وحلب لم يتحركوا بسبب مصالحم أيضا. ما قولك في ذلك؟


* الكلام عن السكان الفقراء والأشد فقرًا جاء في سياق مناقشة آراء عالم الاجتماع الأميركي من أصل ايراني، آصف بيات. فهو يقول إن المدن تتغير بفعل زحف الفقراء إلى المدينة، ويسمي ذلك “اللاحركات الاجتماعية”. وأردت القول إن هذا الزحف ليس بريئًا، ولا يتم بدون رقابة السلطات. فالسلطات البلدية والحكومية على دراية بكل التفاصيل التي تحدث يوميًا في المدن، ولا تفوتها مخالفة أو تعدي. ولكنها تغض النظر في نوع من التواطؤ بينها وبين هؤلاء الفقراء الذين يحتلون الساحات العامة أو يستفيدون من خدمات الكهرباء والماء وسائر الخدمات بلا مقابل.

ولهذا فإن هؤلاء الفقراء الذين يخالفون القانون يدركون أن ذلك يتم بمعرفة السلطات وبالتعاون معها في أغلب الأحيان. لذا هم أقل من الفئات الاجتماعية الأخرى حماسًا للمشاركة في الحركات الاعتراضية، بما في ذلك الثورة.

أما الثورة، كما رأينا العام 2011 في العديد من البلدان العربية، فلم يكن الفقر هو الدافع إليها، ولم تقم لأسباب طبقية: الفقراء ضد الأغنياء. وإنما قامت لأسباب حملتها الشعارات المختصرة التي ركزت على الحرية والكرامة بالدرجة الأولى، وهي ثورات ضد الاستبداد والتعسف الذي يصيب الفئات الاجتماعية المختلفة وليس الفقراء فقط.

 تستنتج ان الأحزاب الإيديولوجية أسهمت “في تجاوز عداء المدينة القديمة للمدينة الحديثة، وهذا كان متأججاً في المرحلة الاستعمارية”… لنأخذ الموضوع إلى بيروت. تابعت شخصياً بعض القصائد والمسرحيات لشعراء ومخرجين كانوا مقربين من الأحزاب الإيديولوجية، في لغتهم نوع من ريفية معادية وكارهة للمدينة (بيروت) وحياتها وباطونها المسلح… أنت ابن طرابلس المدينة، هل عشت هذه الأجواء في المرحلة الجامعية، هل كرهت بيروت بالمقارنة مع طرابلس؟

* صحيح، في المرحلة الاستعمارية كانت المدينة القديمة هي موطن المعارضة للسلطات الاستعمارية، وكان الأهالي يحشدون الرموز الوطنية مع الرموز التاريخية والدينية أيضًا من أجل المقاومة. ومن هنا اكتسب حي الميدان شهرته في دمشق كما اكتسب الحي الذي يقع فيه الأزهر في القاهرة رمزيته في ثورة 1919، وينطبق الأمر على القصبة في مدينة الجزائر.

إلا أن كل ذلك قد تلاشى مع السلطات “الوطنية” بعد الاستعمار، فكانت ارادة البناء وتجاوز الماضي والتأثر بموجة التحديث التي بلغت مداها في الخمسينات والستينات، إلى درجة أن أهالي المدينة القديمة بدأوا بمغادرتها إلى الشوارع والجادات العريضة. وكان ثمة أيضًا الهدف السياسي، وهو إحلال مصطلح الشعب ومصطلح الجماهير، مكان الأهالي والفئات والطبقات، إلى درجة إلغاء النقابات والجمعيات. والبديل كان الشعب والحزب والزعيم الواحد. من هنا الإهمال للمدينة القديمة وقضمها التدريجي المتعمد وتحاشي كل ما ترمز إليه في الأدبيات الرسمية.

أما موضوع المدينة، وخصوصًا بيروت، في الأدب والمسرح فهو أمر آخر. ويمكنني أن أشير إلى فترة الستينات حين أصبحت بيروت عاصمة للثقافة العربية. وجاء إليها الشعراء والأدباء من البلدان المجاورة ومن مدنها وأريافها. والدهشة عقدت ألسنة وعقول الأدباء والشعراء حين وصولهم وإقامتهم في بيروت. اذكر على سبيل المثال ما كتبته غادة السمان :”لا بحر في بيروت”، وما كتبه محمد الماغوط عن شارع بلس. أما أدونيس فلم يبرأ، بعد خمسين سنة، من بيروت التي كشفت ريفيته وهامشيته المقيمة في نفسه. فما زال يكتب عن بيروت وينتقدها حتى هذا اليوم.

وينطبق الأمر على اللبنانيين القادمين من الأرياف مثل إميلي نصرالله التي بقي الريف في ذاكرتها ولم تغادره. وقد حدث الأمر نفسه مع المصريين الذين قدموا إلى القاهرة من الأرياف البعيدة. فأول ديوان للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي كان: “مدينة بلا قلب” ويقصد القاهرة. لكن في كل هذا الأدب والشعر والتعابير مبالغات، فلم تكن بيروت غريبة وقاسية إلى هذا الحد، ولا يشعر ساكنها بالغربة، خصوصًا أن الذين ذكرتهم كانوا محاطين بالأصدقاء والمعجبين والمشجعين، وباختصار فإن بيروت هي التي صنعتهم.

أما بالنسبة اليّ، فقد أتيت إلى بيروت من طرابلس، وفي ذهني ما يظنه كل أبناء المدينة، وهو أن طرابلس هي المدينة حين كانت بيروت مجرد بلدة صغيرة، وهي مركز الولاية قبل أن تصبح بيروت عاصمة الولاية. والواقع أن بيروت تفوقت على طرابلس ليس في الحجم والمساحة والمرافق، وإنما في الدور. فبيروت التي جئت إليها للدراسة في أول سبعينات القرن الماضي لم تكن عاصمة لبنان فقط بل كانت عاصمة عربية، بل أكاد أقول عاصمة العرب بصحفها ودور نشرها ودورها التربوي الجامعي وحتى السياسي. وقد انخرطت في حياتها الثقافية فعملت منذ كنت في سنتي الجامعية الأولى في مجلة “البلاغ”، ثم جريدة “السفير”. وبحكم عملي كنت ألتقي بالفنانين والشعراء. ولم أشعر فيها بالغربة، ولم أكتب فيها أشعار مديح أو قصائد ذم.

–  يقال أن الأجانب حين جاءوا إلى بعض المدن المشرقية لم يأتوا إليها حباً فيها، ولا رغبة في إثرائها وإعمارها، ولا حباً في التنوع والتعدد، ولا سعياً إلى معرفة الآخر والتعايش معه، وإنما جاء بهم البحر في المقام الأول بسبب الامتيازات التي أعطتها لهم الدولة العثمانية في أيام قوتها، وأساءوا استخدامها في أيام ضعفها، وهي الامتيازات التي مكنتهم من الثراء السريع على حساب أبناء البلد أنفسهم. من جانب آخر أتت جاليات وعشائر محلية إلى المدن بقيت تشعر أنها “غريبة” كما تقول، وسط جمهرة من الغرباء، أجانب ومحليين. كيف تؤسس مدينة مدينية حداثية؟

* من المؤكد أن الأوروبيين الذين جاءوا للإقامة في مدن مثل أزمير وحلب وبيروت والاسكندرية والقاهرة، لم يأتوا لإعمارها. واتفق معك بأن دوافعهم كانت التجارة والكسب. وفي مرحلة لاحقة كانوا جزءًا من الادارات الاستعمارية. إلا أن هناك دوافع أخرى، منها جاذبية العيش في مدن الشرق التي تجمع ما بين الكسب مع لذائذ الحياة. كانوا يقيمون في أحيائهم الخاصة والتي يمارسون فيها تقاليدهم وطقوسهم الغربية، وفي نفس الوقت يستمتعون بمزايا الشرق والتحرر من قيود الحياة الأوروبية الصارمة. فكان بإمكان الأوروبي أن يشعر بالدعة والتفوق بصفته صاحب امتيازات. وفي القرن التاسع عشر كانت السلطات الحاكمة تحابي الأوروبيين باعتبارهم تجار وخبراء وأصحاب ثقافة وتقاليد سعت الفئات الحاكمة إلى الأخذ بها. عاش الأوروبيون في القرن التاسع عشر في مدن مثل الاسكندرية وبيروت كأنهم سادة يسعى أبناء البلاد الذين هم على صلة معهم إلى كسب ودهم والتشبه بهم. وقد عاشوا في سعة لا يمكن أن يعيشوها في بلادهم.

وهذا الأمر ينطبق على فترات من القرن التاسع عشر وصولا إلى منتصف القرن العشرين. أما بالنسبة إلى أبناء البلاد الذين ينزحون من مناطقهم الريفية إلى المدن، فإنهم يعيشون في غربة ثقافية. لأن المدينة الحديثة لم تستوعبهم إلا كفئات من العمال والخدم.

– سأطرح عليك سؤالاً طرحته أنت: “هل ما زالت مدارس علم الاجتماع قادرة على تفسير المدينة في تحولاتها، أم أننا نحتاج إلى إعادة نظر في المفاهيم والمناهج؟”

* لقد ذكرت ذلك، وهو الأمر الذي عبّر عنه عدد من علماء الاجتماع المؤرخين، أمثال آلان تورين، وأنا أميل إلى وجهة نظره، فنحن بحاجة إلى إعادة النظر بالمفاهيم والمناهج. وما نحتاجه بالدرجة الأولى، هو فهم الآثار التي خلّفتها الحداثة (التحديث) في مجتمعاتنا المدينية. وهذا الأمر لن يفعله لنا أحد، فنحن المعنيون بذلك. وكتابي هو محاولة كما ذكرت، أضعها أمام الباحثين المهتمين ليعيدوا النظر بأدواتهم.

اضف رد