الرئيسية / home slide / حِزبُ النَّكيشَة

حِزبُ النَّكيشَة

21-02-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

روني ألفا

تعبيرية (أ ف ب).

حزبُ ” النَّكّيشَة ” أكبَرُ حزبٍ في لبنان. عابرٌ للطوائف. أنا أحدُ مناصريه وداعِميه بكلِّ فخرٍ وأدعَمُ مَن يَخوض الإنتخابات النيابيَّة تحتِ لوائِه. أَدعو كلَّ مَن يبحثُ عن قُصاصَةِ خبزٍ أو بقايا بطّاريَّة سيّارَة أن ينضمَّ إليهم على مدخل مكبّ سدّ البوشريّة الجدَيدة.

رائحةُ المكبّ أقلُّ نتانَةً مِمّا يفوحُ من الطبقة السياسيَّة في لبنان. المُحازبونَ النَّكّيشَة يَنهمكونَ كلَّ يوم صباحًا في نَكشِ النفايات المنزلية واستخراجِ كلِّ ما يؤكَلُ أو يُباع. قريبًا ويُعلِنونَ انضمامَهُم إلى الإتحاد العمالي العام كقوةٍ عاملة أساسيَّة في البلاد. ستنضَمُّ إليهم قريبًا شريحةٌ واسِعَةٌ مِنَ الشعب المسكين في كلّ مكبّات الوطن. شِعارُهُم الإنتخابي: “سَننكُشُكُم في كلّ المكبّات”.
العِلمُ في الصِّغَر كالنَّكشِ في المَكَبّ. لبنانيَّون تَعِبوا في دَقِّ رَياحين أولادِهِم فَتخرَّجوا نَكّيشَة. منذُ أيام قدَّمَ أحدُ المواطِنين على طَبَقٍ مِن دَمع ولدَه الرّضيع إلى قوى الأمن الداخلي الذين أزالوا مخالفَةَ مُسترزقٍ فقيرٍ في صيدا صارِخًا: “أطعِموه من فضلِكُم”. لم يكتفِ الزَّعيم بِشرب الفودكا. يشربُ هذه الأيام حليبَ الأطفال أيضًا وسطَ حمايةٍ تكادُ تكونُ إستثنائيَّةً في العالم لأصحابِ الوكالات الحصريَة. أولادُهم الرضَّعُ مُتخمونَ وأولادُ الناس يَنكشونَ في النفايات عن بقايا رأسِ بندورةٍ متخثِّر.

فرحتُ منذ أيّام وأنا في طريق عودتي إلى البيت عند وقوفي أَمامَ الإشارَة الضّوئيَّة. سيّدةٌ تُخرِجُ موزَةً من سيّارَتِها وتعطيها لمتسوِّل.

راقِبوا السوبرماركت. منذُ أَيامٍ أيضًا عربةُ تَسَوُّقٍ فيها ربطةُ خبز وأوقيّةُ زيتون. الطّفلَةُ تشدُّ بثوبِ أُمِّها أمامَ رفِّ أَلواحِ الشوكولا. السّعرُ ألفا ليرَة. تضعُ الأمُّ اللوحَ المُرتَجَى في العربة فتغتبطُ الطفلة. عند نقطةِ المحاسبَة تتركُ الأمُّ لوحَ الشوكولا في العربة وسطَ بُكاءِ الطفلة. أمّي لقد نسيتِ اللوح.. نسيتِ اللوح. تشدُّها الأمُّ وسطَ نَحيبِ الطّفلة. رجوتُ السيِّدَة أن تسمَحَ لي بتقديم الحلوى للصّغيرَة فَرَفَضَت. شعبٌ لبنانيٌّ جائِعٌ ولكن بكرامَة مُتخَمَة.

وسطَ الجوعِ الحقيقي تستوقِفُني يافطاتُ الأحزاب وبكائيّاتُها. يُنفِقونَ عشرات ملايين الدولارات على حملاتٍ يَتنافسونَ على حَجز شعاراتِها على اليونيبول في بيروت وضواحيها. بالطّبع فلسُ الأرملة وإطعامُ اليتيم على رأس أولويّاتِها. العديدُ مِن أصحاب الحَملات هم أنفُسُهُم من سَرقوا فلس الأرملة ومَن أَكَلوا وجبةَ اليتيم. حفلةُ دَجَل بِلا وَجَل والمطلوبُ من الناس أَن تَقترعَ لحاميها حراميها. يَضمنون أصواتَهم لأنهم جَوعَى. في بلدي الجائعُ لا يَثور. وجعٌ في زمبرَكِ المَعِدَة يقول له: ” ليسَ اليوم لأنّي مُقَرَّح “. صارَ اللبنانيُّ مُسَرطَن الإرادَة. إرادَتُهُ تخضَعُ لعلاجٍ كيميائي هو مزيجٌ من البندورةِ المتخثّرة وورقَتَي خَسّ باتت أركانَ أمنِهِ الغذائي. نحن لسنا فقط على مَشارِف نهاية جمهوريَّة. نحن على مشارِف تَناسلِ مأساةِ شَعب.

شعبٌ نَكّيش. هذا ما استَحَلْنا إليه في هذا الزَّمَن المنكوش بالفساد. يستحضرُني الرّكش الذي ثَلَّمَ فيه أجدادُنا الحقولَ الجَدباء. حوّلوها إلى بساتين تثمِرُ خيرًا. الفلّاحُ المَكفي سلطانٌ مَخفي أيام زمان. ماتَ الفلّاحُ في وَطَني. يعيشُ اليوم من يَفلحونَ فينا. أرضُنا جَدباء ونحنُ أجدَب. صَدَّقنا وعدَ إبليسٍ في الجنّة. يعيثُ إبليس فسادًا في الجنّة أما نحنُ فنعيشُ في جَحيمِ وعدِ كمّون. عذرًا. حتّى الكَمّونُ باتَ من الكماليّات. قليلًا مِن الخبزِ المَلتوتِ بالماء إذا توفَّر وكثيرٌ من الجهد لِتعزيزِ مهنةِ النَّكيشَة. نظّموها يا شَباب. هناك الكثير مما هو متوفّر في نفايات الأغنياء الجُدد. كما أسلَفت، حزبُ النَّكيشَة أكبَرُ حزبٍ في لبنان.. عابِرٌ للطوائِف مع الرّجاء أن يَكون عابِر سبيل.