الرئيسية / home slide / حي الباطنية في القاهرة قبلة العلماء وملاذ سابق للباحثين عن الكيف والشهرة

حي الباطنية في القاهرة قبلة العلماء وملاذ سابق للباحثين عن الكيف والشهرة

حسام عبد البصير
القدس العربي
10102021

القاهرة ـ «القدس العربي»: البعض اعتبرها مدينة أهل العلم، إذ استقبلت منذ فجر تاريخها العديد من طلاب الشريعة وعلوم القرآن من مشارق الأرض ومغاربها. أولئك الذين قصدوا الجامع الأزهر طلباً للنهل من علومه بعد أن تخصصوا في علوم الشريعة، غير انها باتت لاحقاً عاصمة لأهل الكيف الباحثين عن المخدرات بجميع أصنافها وتبوأت طيلة فترة السبعينات والثمانينات سمعة سيئة حيث كانت تباع المخدرات علناً في أزقتها، إذ كانت الطوابير مستمرة على مدار الساعة حتى تم تحريرها في عملية أمنية كبرى ما زال سكانها يتذكرون تفاصيلها.
لا ينسى طلبة العلم أسماء بارزة من العلماء ولدوا في القاهرة أبرزهم المقريزي والدرديري والشيخ محمد عبده والبيطار وغيرهم الكثير عاشوا فيها منذ سنوات بعيدة. الباطنية عرفت كذلك باسم الباطلية أشهر أحياء الدرب الأحمر بقلب القاهرة. اكتسبت سمعتان متناقضتان كونها عنوان أهل العلم كما انها ظلت عقوداً عنواناً لأشهر تجار المخدرات الذين أرخت لسيرتهم ومشوارهم مع «الكيف» السينما المصرية. ورغم أن حي الباطنية من أقدم أحياء القاهرة الفاطمية إذ عمره تجاوز عشرة قرون تسعة منها كانت سمعة الباطنية ناصعة بيضاء قبل أن تكتسب سمعة سيئة خلال 100 عام الأخيره. وحول اسم الباطلية الذي ألف بها المقريزي سائر كتبه ذكر في «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»: «عرفت بطائفة يقال لهم الباطلية، قال ابن عبد الظاهر: وكان المعزّ لما قسم العطاء في الناس جاءت طائفة فسألت عطاء فقيل لها: افرغ ما كان حاضرا، ولم يبق شيء؛ فقالوا: رحنا نحن في الباطل، فسمّوا الباطليّة، وعرفت هذه الحارة بهم. وفي سنة ثلاث وستّين وستّمئة (663 هـ) احترقت حارة الباطليّة عندما كثر الحريق في القاهرة ومصر، وما زالت الباطلية خرابا، والناس تضرب بحريقها المثل لمن يشرب الماء كثيرا فيقولون: كأنّ في باطنه حريق الباطليّة».
الباطنية هو الاسم الذي اطلق على الحي بعد ان عٌمر من جديد وكانت أول دار به هي دار الطواشي بهادر بن عبدالله النبهاني الرومي مقدم المماليك السلطانية والذي تولى وظيفة نظارة الجامع الأزهر أي المشرف على ولاية أموره، وينص المرسوم بأن من مات من مجاوري الجامع الأزهر وليس له وارث شرعي وترك موجودا، أموالا وأملاكا، فأنما تؤول إلى زملائه من مجاوري الأزهر. وكان يخصص لكل شيخ من مشايخ المذاهب الأربعة دار داخل الحي تعرف باسمه ومن هنا تغير اسم الحي من الباطلية إلى الباطنية أي باطنة العلماء.

عبقرية المكان

تبدأ منطقة الباطنية من باب الجامع الأزهر، إذ يعد مدخلها الرئيسي بمثابة متحف مفتوح يضم أول مسجد بني في القاهرة الفاطمية المسجد الأزهر وآخر مسجد بني في عهد المماليك وهو مسجد ابو الذهب، وتشمل المنطقة الخلفية للمسجدين ومجموعة ابو الذهب الأثرية، حتى الغورية غربا، وسور القاهرة القديم شرقا. تعج الباطنية بالعديد من المواقع الأثرية الخلابة التي جعلت من مصر عنواناً عريضاً يتصدر الآثار الإسلامية في العالم إذ تحتوي على أكثر من 16 أثراً كبيرا. ففي شارع محمد عبده خلف الجامع الأزهر وفي ذات الجانب كذلك تقع وكالة قايتباي فضلاً عن حوض قايتباي المخصص لسقاية الدواب، وسبيل وكتاب قايتباي. وفي أول حارة العنبة المتفرعة من الشارع يتواجد منزل زينب خاتون عبدالرحمن بك الهراوي «بيت العود» كما يقع بذات الحارة منزل الست وسيلة ومدرسة العيني المدفون بها ابن حجر العسقلاني والإمام العيني. وفي شارع البيطار (المقريزي سابقا) كذلك الشارع نفسه ـ يوجد سبيل ابي الاقبال ومسجد قبة القصراوي المعروف بمسجد الدعاة، ومسجد سيدي عقبة العريق، أما في شارع الدرديري فتوجد قاعة الدرديري ومسجد الدرديري وسبيل الخربوطلي ومسجد عبدالرحمن كتخدا وزاوية أحمد بن شعبان اللذين تم ضمها إلى حرم الأزهر، بينما تتوزع بقية الأسبلة على المكان، مثل سبيل زين العابدين وأبي الإقبال علاوة على وجود آثار غير مسجلة يبلغ عددها خمسة، أبرزها واجهات البيوت القديمة، ومساجد عريقة كمسجد يحيى بن عقبة، ومسجد النصف مئذنة الفريد من نوعه، ومئذنته عبارة عن نصف مئذنة بالفعل.
من بين آثار الباطنية مسجد ومدرسة العيني التي يعود زمن إقامتها إلى سنة 814 هـ. تقع خلف الجامع الأزهر وتعد تلك المدرسة ضمن مجموعة شديدة الندرة والتميز بين المنازل الإسلامية، حيث تجاور منزل زينب خاتون وبيت الهراوي ومنزل الست وسيلة، وتطل بواجهتها الشمالية على شارع الإمام محمد عبده بحي الأزهر. وقد أنشأ مدرسة العيني، العيني قاضي القضاه بدرالدين محمود بن أحمد بن موسى، ولد بالشام، وقد جاء إلى القاهرة في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي وتولى وظيفة محتسب القاهرة وقاضي القضاه الحنفية لمدة أثني عشر سنة متوالية، وقد توفي عام 1451م ودفن بالقبة الضريحية بالمدرسة

حكاية الخادمة الشريفة

ستقف مشدوها لامحالة حينما تصل لبيت زينب خاتون، هو ليس مجرد أثر عابر بل قطعة فنية تضج بالحياة كأنها ما زالت مسكونة بأرواح من شيدوها، وسينتابك حنين جارف لتلك المرحلة الذهبية من تاريخ المصريين وأنت تشاهد دقة الزخارف وجمالها، وهو ليس مجرد مكان رحب تمكث فيه لفترة وتتركه، فهو بموقعه الفريد في الدرب الأحمر المجاور للباطنية يبدو البيت كأنشودة فنية شيدها مفعمون بالفن والتاريخ. لكن من هي السيدة التي اطلق البيت على اسمها؟ ستفاجئ حينما تعلم أن زينب خاتون كانت إحدى خادمات محمد بك الألفي، أحد أكبر أمراء المماليك ثم أعتقها فتحررت وتزوجت الأمير الشريف حمزة الخربوطلي، فأصبحت أميرة ومن ثم أضيف لأسمها لقب خاتون أي المرأة الشريفة الجليلة وبذلك أصبح أسمها زينب خاتون. أشار المؤرخون إلى هذا البيت الذي يحمل اسم زينب خاتون، ويقع خلف الجامع الأزهر، قد قامت ببنائه الأميرة شقراء هانم حفيدة السلطان الناصر حسن بن قلاوون، أحد سلاطين المماليك عام 1486 وظل هذا المنزل ملكها حتى عام 1517 ومع وصول العثمانيين لمصر، تعاقب الوافدون الجدد على الإقامة بالبيت، وشرعوا في إضافة مزيد من اللمحات الفنية عليه ولاحقاً أشتراه الأمير الشريف حمزة الخربوطلي لزوجته زينب بعد عقد قرانه عليها، وظل يحمل اسمها لأنها كانت آخر من سكن هذا البيت قبل أن يٌلحق بسجلات وزارة الأوقاف المصرية. ومن الآثار الخالدة بالمنطقة بيت الهراوي الذي ضمن مجموعة نادرة من المنازل الإسلامية حيث يجاوره منزل وقف الست وسيلة المطل على منزل زينب خاتون بشارع محمد عبده بالأزهر وقد أنشأه أحمد بن يوسف الصيرفي في سنة 1731م. ويعد الطبيب عبد الرحمن باشا الهراوي، آخر من آلت إليه ملكية هذا المنزل في سنة 1881م. وبعد مرور 115 عاماً صدر قرار وزاري بتحويله إلى مركز إبداع فني تابع لصندوق التنمية الثقافية عام 1996 ومنذ ذلك التاريخ أصبح البيت مزاراً أثرياً وفنياً في نفس الوقت وتقام به العديد من الأنشطة والاحتفالات الثقافية والفنية بشكل دوري. ومن أبرز معالم المنطقة بيت الست وسيلة والذي يقع وسط عدد من الآثار الإسلامية المهمة، من بينها قاعة شاكر ابن الغنام، ومدرسة العيني وسبيل، ووكالة السلطان قايتباي، وكذلك منزل زينب خاتون، ومنزل الهراوي، ويطلق على منزل الست وسيلة «بيت الشعر العربي» إذ يعد ذلك البيت ملتقى الشعراء. وقد تم أنشاء المنزل عام 1074 هجرية 1664 ميلادية، ونسب إلى السيدة وسيلة خاتون بنت عبد الله البيضا، ولقب «ابنة عبدالله البيضا» كان يطلق على من يتم عتقهن من الجواري، وقامت بعتقها عديلة هانم بنت إبراهيم بك الكبير، وآخر من أقام بالمنزل الذي يؤرخ لحقبة تاريخية مهمة إذ يلقي الضوء على الملاك الذين توافدوا على المنزل وتركوا فيه بعض آثارهم الخالدة. وفي منتصف التسعينات أصبح بيت الست وسيلة بيت الشعر العربي الذي يعد احد أهم التجمعات الشعرية، فبين أروقته اجتمع كبار الشعراء وعقدت الندوات والأمسيات ومنذ تلك الحقبة سادت مقولة «من لم يمر ببيت الشعر، لا يعد شاعرا».

ذهب للفقراء

ومن أبرز المواقع الأثرية المطلة على الباطنية مجمع محمد بك ابو الذهب والذي يضم مسجدا ومدرسة وتكية. يقع هذا المسجد تجاه الجامع الأزهر، شرع في تشييده وفقاً لما يذكره المؤرخون الأمير محمد ابو الذهب سنة 1187 هـ – 1703م، وكان ابو الذهب تابعا لعلي بك الكبير أحد أمراء مصر، اشتراه سنة 1175 هجرية، 1761م وقلده الإمارة وقد أشتهر بابي الذهب لأنه عندما ارتدى الخلعة بالقلعة صار ينثر الذهب على الفقراء في طريقه إلى منزله، وعلا نجمه وعظم شأنه في وقت قصير ومالبث أن انفرد بإمارة مصر. وتضم المنطقة كذلك وكالة قايتباي والحوض الذي يحمل اسمها والمخصص لسقاية الدواب، أما سبيل وكتاب قايتباي فقد كان ملاذاً للراغبين في حفظ القرآن الكريم. وتقع الوكالة بشارع محمد عبده خلف الجامع الأزهر قبالة واجهته الجنوبية الغربية ويرجع تاريخ تشييدها لعام (882 هجري /1477م) وقد أشرف على إنشائها السلطان قايتباي المحمودي الأشرفي الظاهر.
بعد عقود من الأهمال تم تطوير منطقة الباطنية لتتحول من أكثر المناطق إهمالاً لأحد أبرز المقاصد السياحية التي تؤرخ لمراحل هامة من الحضارة الإسلامية، إذ تم الانتهاء من مشروع حديقة الأزهرالذي بلغت تكلفته نحو 35 مليون دولار، وتحولت المنطقة لحديقة عامة تبلغ مساحتها الخضراء نحو 75 في المئة بالإضافة إلى مناطق خدمات سياحية متكاملة. وباتت مثالاً حياً على أهمية المبادرة بتجميل ما تبقى من آثار بمنطقة القاهرة الفاطمية لتحويل الحي إلى متحف مفتوح يجسد أكبر محمية آثارية إسلامية في العالم. جدير بالذكر ان منطقة الباطنية كانت تعد من أشد المناطق خطورة بالقاهرة، حيث كان الخارجون على القانون وتجار المخدرات يتخذونها مأوى لأنشطتهم المحرمة حتى صارت ملاذا آمنا وواجهة سياحية يقصدها كثير من ضيوف العاصمة من أجانب وعرب فضلاً عن أهلها. ويوجد بالحديقة ستة أماكن متفرقة مخصصة للأطفال تضم ألعابا ترفيهية وتستوعب نحو 1200 طفل يترددون عليها يوميا، كما تضم الحديقة مواقف تستوعب 5 آلاف مركبة يوميا وتستقبل في المواسم والأعياد بين ثلاثين إلى أربعين ألف زائر.

بين الباطنية والباطلية

أما لمذا سميت بهذا الاسم فهناك رأي مفاده أن الباطنية أطلق عليها اللقب نسبة إلى مذهب الباطنية وكان يقطنها كثير من أصحاب هذا المذهب من الطلبة المجاورين للأزهر وبعد ذلك أقام فيها طلبة العلم الذين وفدوا لمصر من بلاد جنوب شرق آسيا مثل باكستان والهند وأفغانستان في أوائل القرن الماضي، ويقال أن بعضهم جلبوا معهم المخدرات للاستعمال الشخصي والتداوي ثم انتشرت كتجارة قبل ان تجرم فيما بعد، ومن ثم عادت الباطنية لسابق عهدها وأصبحت تضم كثيرا من الطلبة الذين قدموا من العديد من بلدان العالم طلباً للعلم الشرعي في الأزهر الشريف.
تحول الاسم من الباطلية إلى الباطنية (أي باطنة العلماء) ثم العودة إلى الباطلية أي أرض الباطل «المخدرات».
والباطنية هو وصف يطلق على عدد من الفرق الضالة عن منهج أهل السنة والجماعة، ويزعم المنتسبون إليها زوراً أن «النصوص الدينية لها معنيان: أحدهما ظاهر يفهمه الناس عبر اللغة، وبمعرفة أساليب الكلام، والثاني باطن لا يدركه إلا الذين اختصهم الله بهذه المعرفة، وهم يَصلُون إلى إدراك هذه المعاني المحجوبة عن عامة الناس بتعليم الله لهم مباشرة» ومن أبرز من تناولوا بالتفصيل الدقيق تاريخ القاهرة الإسلامية المقريزي «أبو العباس تقي الدين أحمد بن علي ابن عبد القادر بن محمد العبيدي المقريزي» الذي ولد بالقاهرة عام 1364 وتوفي عام 1442هجرية. اشتهر المقريزي، بأنه من مؤرخي الفترة المملوكية وأنه كان سنيا، إلا أن اللافت في النظر في هذا السياق حرصه البالغ على الاهتمام بالأسرة الفاطمية الإسماعيلية ودورها في التاريخ المصري. اهتم بدراسة الفقه والحديث وعلوم الدين، وله مؤلفات جليلة تعد عمدة في الباب، كما برع في الأدب وأجاد النثر والشعر، وعين عدة مرات في وظائف الوعظ وقراءة الحديث والخطابة بجامع السلطان حسن وعمرو بن العاص وكذلك مدرسة المؤيد، كما تقلد الإمامة بجامع الحاكم، وتولى وظيفة المحتسب بمدينة القاهرة، وتقلد وظائف إدارية أخرى في القاهرة ودمشق. غير انه قرر عقب بلوغه الخمسين من عمره مقاطعة العمل العام وتفرغ للكتابة وزهد كلية في الوظائف العامة. ويعد المقريزي متفرداً في أبواب من الكتابة في مجال البحث التاريخي.
والباطنية لا يقف فضلها على العلماء وطلبة العلم فقط بل أن كثيرا من النجوم استمدوا شهرتهم من خلال أعمالهم الفنية التي قدموها عنها ومن أبرز الأعمال السينمائية التي ألقت الضوء على تلك المنطقة فيلم «الباطنية» الذي تم إنتاجه سنة 1980م من بطولة نادية الجندي ومحمود ياسين وفريد شوقي وفاروق الفيشاوي وأحمد زكي، رواية الكاتب إسماعيل ولي الدين وسيناريو وحوار مصطفى محرم وإخراج حسام الدين مصطفى وإنتاج محمد مختار. ومؤخراً أدلت الفنانة نادية الجندي بتصريح خطير مفاده أن وقوع شقيقها في عالم الإدمان كان سبباً مباشراً في قرارها تقديم فيلم «الباطنية» الذي تناول مشكلة الإدمان وآثار المخدرات. وأكدت أن إدمان شقيقها كان محفزا لها لتقديم الفيلم لكن رغبتها في تقديم قضية مؤثرة وعمل يحمل رسالة مهمة كانت دافعا أكبر للقيام ببطولته وأكدت أنها عانت من تجربة شقيقها بمختلف تفاصيلها عندها أدركت «ضرورة تقديم عمل يحمل رسالة في مثل هذه القضية المهمة» واعترفت الممثلة التي كان النقاد يطلقون عليها في السابق لقي «نجمة الجماهير» بأن فيلم «الباطنية» حصدت من خلاله شعبية طاغية جعلتها بين أبطال الصف الأول حيث كانت تنافس في الموسم السينمائي عادل أمام، وسجل الفيلم أرقاما قياسية في موسم عرضه متقدماً على سائر الأعمال من حيث الإيرادات، وتشعر نادية بالامتنان لأن منظمة الصحة العالمية منحتها جائزة تقدير لدورها في مواجهة الإدمان وكانت أول مرة يتم منح هذه الجائزة لعمل سينمائي بحسب تأكيدها، وشددت على ان أعمالها عن المخدرات دفعت وزارة الداخلية لتطهير الباطنية وغيرها من الأحياء في عهد الوزير الراحل احمد رشدي الذي ظل يحظى باحترام بالغ طيلة حياته.