الرئيسية / أضواء على / «حيو الشباب» فيلم عن حكايات سوريين جمعتهم الحرب والموسيقى

«حيو الشباب» فيلم عن حكايات سوريين جمعتهم الحرب والموسيقى

Mar 09, 2018
القدس العربي

دمشق ـ «القدس العربي»: في غرفة صغيرة في العاصمة الألمانية برلين، نرى عبر الشاشة سبعة شبان سوريين في العشرينيات من عمرهم، وهم يجلسون بين أدوات موسيقية وإلكترونية. يستمعون لإيقاع موسيقي محاولين مجاراته وتسجيل بعض الألحان معه بواسطة غيتار كهربائي، وخلال دقائق نبدأ بالتعرف إليهم عن طريق جمل بسيطة تظهر بشكل متتابع.
محمد باظ. أسامة. أبو جانو. زاهر. حكمت. حمودة. عبودة. معظمهم أنهى دراسته الجامعية وغادر سوريا هرباً من الخدمة العسكرية والانخراط في حرب ليست حربهم بكل الأحوال. فالموسيقى والفنون هي عالمهم الأول والأخير. «أنا موسيقي لا أعلم كيفية استخدام الأسلحة. لو ذهبت (للخدمة العسكرية) لكان الموت مصيري»، يقول محمد باظ في المشاهد الأولى من فيلم «حيوا الشباب»، الذي يحاكي واقع الحرب بطريقة مختلفة عن مشاهد الموت والدمار والقتال: إنها الموسيقى، والهروب رغبة في الحياة.

المغادرة.. مغامرة السفر

يصور الفيلم الذي أخرجته الشابة السويسرية السورية يارا آتز الطريق الذي سلكه الشبان السبعة حين قرروا مغادرة سوريا، لا بل الشرق الأوسط برمته، والتوجه نحو أوروبا بحثاً عن حياة جديدة لا حرب فيها. الفتاة العشرينية التي أمضت طفولتها في سويسرا ودرست الإخراج في جنيف والتمثيل في لندن، قررت مع بداية الحرب في سوريا التوجه إلى هناك، وفعلاً أمضت بضعة أشهر في دمشق استطاعت فيها تصوير جزء من حياة أحد أبطال فيلمها، حيث نستطيع مشاهدته وهو يعزف الغيتار على شرفة منزله، ويتجول في طرقات المدينة القديمة التي تمتلئ بالعساكر والحواجز، قبل أن يقرر السفر إلى تركيا للانضمام لأصدقائه عام 2015.
هنا، قررت يارا أن تعطيه كاميرا لتصوير كافة مراحل الرحلة، التي شكّلت معظم مشاهد الفيلم، حيث يتنقل المتفرج مع الأبطال الشباب على مدار خمسة وثلاثين يوماً، هي المدة التي استغرقتهم للوصول من تركيا إلى برلين، مروراً باليونان ومقدونيا وكرواتيا والنمسا، ويتعرف إلى بعض من مخاوفهم وأحلامهم. «أحلم بالذهاب إلى اليابان حيث الأشجار ذات اللون الزهري والبنفسجي»، هي أمنية أحد الشباب. بين قارب مطاطي وشعور الخوف من خفر السواحل بين تركيا واليونان، إلى مؤخرة شاحنة ثم عبّارة ثم السير على الأقدام أو التنقل عبر حافلة، تتعمق صداقة الشبان أبطال الفيلم، وتتحول مشاعرهم السلبية التي تكونت داخلهم يوماً ما تجاه بلاد لفظتهم ولم يعد لهم مكان فيها، إلى امتنان على علاقات جديدة لم تكن لتتأصل يوماً لولا هذه الرحلة. «حتى لو كرهت سوريا بسبب كل ما حدث فيها، لكنني اليوم أحبها بسبب أصدقائي. كلشي بشع بدأ يروح»، يقول أحد الشباب خلال الرحلة. ومع وصولهم لوجهتهم النهائية وهي برلين، والإحساس بالسعادة والراحة ونسيان كل ما مروا به أثناء الرحلة، لا يخفي الشباب أحاسيس أخرى تنتابهم. «وصلنا للغربة. أين أصدقائي؟ كآبة وشعور ليس بالسهل. لكن أصدقاء الطريق يتحولون لأم وأخ ورفيقة وحبيبة. كل ما نحتاجه من مشاعر نجده لديهم».
ويستمر أبطال الفيلم في التعلق بسوريا والتفكير فيها رغم كل شيء. «نحن هنا نخاف على أهلنا في سوريا. نستمع للأخبار ونقرأ عن سقوط قذائف، لنكتشف بأن حياتهم هناك تسير بشكل طبيعي. شغلة بتضحك كيف عم يقدروا يظلوا عايشين»، يعلق محمد باظ الذي درس الاقتصاد والموسيقى في سوريا في نهاية الفيلم.
تجربة أثرت بدون شك بحياة باظ كما يقول لـ«القدس العربي»، فالفيلم والتصوير بهذه الطريقة التي يصفها «بالعفوية والمريحة» ساهم في الحفاظ على تفاصيل التعب والفرح الحزن خلال الرحلة، وهو ما يأمل بأن يكون له أثر على القضية السورية بكافة مناحيها.
«إن اختفى أثر كل ما عشناه سنفقد الأمل بأي مستقبل أفضل. علينا أن نستمر برواية قصصنا خاصة عن طريق الفن. يجب ألا يأتي يوم ننسى فيه كل ما حدث لنا»، يعقب باظ.

في مواجهة التنميط

المخرجة يارا آتز تحدثت لـ«القدس العربي» عن هدفها من تصوير وإخراج فيلم «حيوا الشباب»، الذي تعتبره مواجهة لكل الصور الخارجة من سوريا والتي لا تظهر سوى الجانب المظلم مما يجري في البلاد. «رغبت في التركيز على الحياة اليومية داخل وخارج سوريا لشباب هم في مثل عمري. نعم الفيلم يتحدث عن الألم لكن بطريقة أخرى مختلفة في مواجهته»، تضيف. وتشير يارا إلى هدف آخر لهذا الفيلم. «أردت الإضاءة للناس، خاصة الشباب في أوروبا على جانب إنساني من الحرب في بلاد أنتمي إليها. أريدهم أن يعرفوا بأن السوريين يشبهونهم بشكل أو بآخر، وبأن أصدقائي السوريين يمكن أن يكونوا أصدقاءهم في يوم من الأيام». وتعتقد المخرجة بأن فيلمها حقق إلى حد ما هذا الهدف، فعند عرضه أمام مشاهدين أوروبيين تشعر بأن رسالتها حول التشابه رغم اختلاف الأماكن قد وصلت إلى عدد كبير من المتفرجين. «يساعدهم الفيلم على الإحساس بشكل أكثر قرباً وواقعية بما يحدث في سوريا اليوم». أحد هذه العروض كان خلال شهر يناير/كانون الثاني الفائت في مدينة بازل في سويسرا، برعاية جمعية «سفارة إميسا» الثقافية، وهو عرض أثار نقاشاً مهماً وجدياً حول واقع أوروبا التي استقبلت آلاف اللاجئين من سوريا وغيرها من البلدان التي تشهد حروباً ونزاعات وأوضاعاً غير مستقرة على مدار الأعوام الفائتة.
أحمد الجيزاوي وهو من أعضاء هذه الجمعية تحدث لـ«القدس العربي» عن أسباب اختيار فيلم «حيوا الشباب» للعرض، «فهو يبرز كثيراً من الأفكار التي نرغب في إيصالها للناس هنا. يحتاج الناس في أوروبا بشكل عام وسويسرا وبازل بشكل خاص لمعرفة الآخر الذي بات موجوداً في كل مكان حين قدم هارباً من واقع بلاده».
يرى الجيزاوي، وهو سوري الجنسية، أهمية العمل على إيجاد هــــذا التقارب بين المجتمع المضيف واللاجئين، «فجميعنا نشبه بعضنا بشكل أو بآخر، رغم اختلاف طبيعة الظروف وصعوبتها، خاصة بالنسبة للسوريين، وهو ما يمثل أهم أهداف جمعيتنا التي تحاول إعادة طرح وتعريف كثير من الأفكار المتداولة بشكل مختلف عما يتم طرحه بكل سلبية خلال الأعوام الأخيرة».

اضف رد