حين زار أمين الريحاني “نور الأندلس” ومنطقة الحماية هل كان يقصد تلميع صورة الديكتاتور الإسباني فرنكو؟

أمين الريحاني، بريشة مصطفى فرّوخ.أمين الريحاني، بريشة مصطفى فرّوخ.أمين الريحاني، بريشة مصطفى فرّوخ.

بعد وفاة أمين الريحاني (1876-1940) صدرت له كتب عدة، بينها كتاب “نور الأندلس” الذي وضعه في العام 1939 (قبل ثمانين عامًا) وصدرت طبعته الأولى في العام 1942، وهو يتضمن رحلته إلى منطقة الحماية الاسبانية. بذلك يكون هذا الكتاب آخر كتاب له في أدب الرحلة، ومن خارج رحلاته إلى البلاد العربية. فكيف تمّت الرحلة وهل كانت مصادفة، وهل صحيح أن الدعوة الاسبانية إليه كان هدفها تلميع صورة الديكتاتور فرنكو وكسر عزلته؟ أو كانت وليد ظرف دولي، أي انتهاء الحرب الأهلية الاسبانية وبدء الحرب العالمية الثانية؟ وكيف كان موقف الريحاني الحضاري النقدي من اسبانيا؟

يقول الريحاني في كتابه: “لم يكن من أغراضي في الرحلة المغربية أن ازور اسبانيا، ولكني بعد أن سحت في المنطقة، وشاهدت أعمال الحكومة الحامية ما هو في دور الإنشاء، وما لا يزال عهداً وأملاً، رأيت من الواجب عليّ أن أقابل الجنرال فرنكو لأتحقق ما لاح لي، ولم أخفِه على القارئ – من أنوار وظلال الحملة المغربية الحديثة”. الرحلة كانت مصادفة، وقد بدّد الريحاني ما أثير حولها بموقفه النقدي الجريء الذي أعلنه من دون خوف، لا من العرب ولا من الإسبان: “ما قامت النهضة الاسبانية الفتية الوطنية وازدهرت إلا بعد انقراض الحكم العربي في البلاد، ولا تقوم النهضة العربية الثقافية الوطنية وتزدهر ازدهاراً شاملاً إلا بعد أن يخرج الأجانب المسيطرون من البلاد العربية”.

كتب الريحاني مشاهداته وسرده للتاريخ العربي الاسباني ورؤيته للعمران والطبيعة وتعريفه بمظاهر الحياة الاجتماعية الاسبانية حتى انه لم يخف غبطته “بما مهدته الحكومة من قبل السياحة والعالم”. وإذا كانت رحلة اسبانيا هي الوحيدة للريحاني خارج البلاد العربية إلا أن اسبانيا لها صلة عميقة بالثقافة العربية وحتى التراث العربي الأندلسي المشترك. وربما اندرجت زيارة الريحاني لاسبانيا في إطار جدلية الشرق – غرب، ولكن تبقى اهميتها في اللقاء الحضاري الإنساني العظيم الذي هو فوق المادة وفوق الروح.

جعل الريحاني من رحلته هذه، ببراعته المعهودة، رحلة إلى الماضي العربي المشرق والماضي الاسباني وما تخلله من اجتياح الاسبان لأميركا واستعمارها. أرادها الريحاني رحلة إلى مستقبل العرب ونهضة المجتمع العربي استرشاداً بتجربة الأندلس أيضاً. والحال أن الريحاني يروم في كتاباته إلى تحقيق ازدهار حضاري عربي. علماً أن رحلته إلى اسبانيا شملت تقريباً كل اسبانيا. لكن لقطة الكتاب، في رأيي، هي الفصل الأخير منه حيث الحلم أو اللقاء التخيّلي الحواري بين الريحاني والفيلسوف ابن رشد في قرطبة. وكأن الريحاني يستحضر لحظة ابن رشد لتحفيز نهضة المجتمع العربي، وفي الحوار يجيب ابن رشد اولاً عن سؤال الريحاني بقوله: – فكرت يا ريحاني وسألت، فجئت أجلو فكرك وأجيب سؤالك.

– الريحاني: غمرتني والله بفضلك.

– ابن رشد: الفضل لذوي أرباب الفكر والرؤيا، ولستُ اليوم منهم (قال ذلك وهو يهزّ برأسه كمن تؤلمه الذكرى).

– الريحاني: ولكن زيتك يا سيدي لم يزل يشتعل في مصابيحهم.

– ابن رشد: نعم في مصابيح الفرنجة لا العرب، والسبب في ذلك أن قد امتزج بزيتنا كثير من الماء، ولم يحسن العرب تصفيته مثل الفرنجة…”.

نشير إلى أن كتاب “نور الأندلس” صدر في طبعته الأولى في العام 1952 عن “دار المعارف”، القاهرة، وبلغت طبعاته 9 حتى اليوم وقد ترجم إلى الاسبانية.

الريحاني هنا استبق عصره مفكراً إنسانياً شمولياً مرهفاً نهضوياً في النقد الحضاري، وفي المقاربة – المقارنة، وملتزماً حضارته العربية بالوعي القومي واستنهاض همّة العرب، والحاجة إلى التحرّر من الاستعمار وتحقيق وحدة العرب ونهضتهم الحقيقية.

أراد أمين الريحاني من كتاب “نور الأندلس” أن ينعكس ضوءاً في تاريخ العرب وينير ظلمة الشرق مردّداً في وجدانه مقولته الشهيرة: “متى تحولين وجهك نحو الشرق أيتها الحرية”.

يُذكر أن أمين الريحاني (1876-1940) عُرِف بأنه أهم رحالة عربي شهده القرن العشرين. وقد اختطّ نهجاً في رحلاته العربية التي بدأها بمنطقة الخليج العربي وصولاً إلى المغرب الأقصى. ودوّن ذلك في كتب تُعنى بأحوال البلاد العربية، وتُعرّف لمناحي الخير والضعف فيها، وتكون “خير سفير لتعاطف هذه الأقطار ووحدتها”، على حدّ كلمات الريحاني.

انطلقت رحلات أمين الريحاني إلى البلاد العربية في العام 1922 حيث قابل فيها شريف مكة الحسين بن علي وسلطان قبائل حاشد والإمام يحيى إمام اليمن وعبد العزيز آل سعود الذي ارتبط معه بصداقة قوية وقدّم إليه سيفه الخاص وأهدى إليه فرساً عربية. وقابل أيضاً أمير الكويت احمد الجابر الصباح وشيخ البحرين حمد بن عيسى وفيصل الأول ملك العراق ثم توالت الكتب: “ملوك العرب” (1924) و”تاريخ نجد الحديث” (1927) ثم كتاب “النكبات” (1928) ثم “التطرف والإصلاح” وكتاب “ابن سعود شعبه وبلاده”. ولم يتوقف الحبر في دواته، فكتب عن رحلاته بالعربية والانكليزية، شارحاً قضايا العرب في أميركا، ومطالباً باستقلال لبنان، فنفته فرنسا إلى العراق وعاد منه في العام 1934.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*