حول عالمية الأدب العربي وقدرته على التواصل مع الثقافات الأخرى

 

 

ناصر الحرشي
القدس العربي
08122018

■ في الفيض الدافق من أسماء الأدباء في اللغات عند مناقشة القضايا الأدبية الكبرى، يتساءل المرء أحيانا كم من أسماء أدبائنا يذكر معا في تلك اللغات كما تذكر أسماء الأمم الأخرى في لغتنا؟
تساؤل كهذا يتصل بتساؤلنا حول عالمية الأدب العربي، إنه موضوع يطرح اليوم مجددا على أنه ليس بالفكرة الجديدة حتما. قبل الاسترسال في التساؤل نحن نتذكر أن حكايات ألف ليلة وليلة، منذ أن اكتشفها الباحث الفرنسي غالاند ونشر ترجمة لها مع ترجمة إنكليزية عنها في مطلع القرن الثامن عشر (1804) انتشرت في سنين قليلة في لغات أوروبا انتشار النار في الهشيم. وغدت بين عشية وضحاها جزءا أساسيا من ثقافة كل أمة. وفي أقل من قرن من الزمان كان لها أثر في مسار الفن الروائي في العالم الغربي، قد لا تفوقه أهمية إلا أثر التوراة وأثر الأساطير الإغريقية.
عالمية ألف ليلة وليلة، إذن أمر مفروغ منه. ولا يهمنا أن كنا لا نعرف بالاسم المحدد من كتب هذه الحكايات ومن جمعها ومن أضفى عليها شكلها النهائي. المهم أنها كتبت بالعربية، عن الحياة العربية وعن الشخصــــية العربـــية مهمــــا تكــــن أصولها مستقاة من مصادر يعود بعضها إلى أمم أخرى. شكسبير أيضا استقى معظم الخطوط القصصية في مسرحياته من مصادر تعود إلى أمم غير الإنكليز. ولكن فنه في النهاية إنكليزي جدا بقدر ما هو عربي جدا، الفن النهائي في ألف ليلة وليلة. ونحن نعلم أن هذه الحكايات مازالت حتى اليوم تحتل مكانتها الخطيرة بين الآداب الأخرى وستبقى كذلك.
لسنا نود هنا العودة إلى آدابنا القديمة لنرى مدى شيوعها في العالم قبل خمسة قرون أو عشرة. فتلك مسألة تاريخية لن نتعرض لها هنا. ما يهمنا هنا هو أن نرى مدى عالمية أدبنا اليوم وغدا، سواء منه القديم أو الحديث. إذا تناولنا شاعرا عراقيا معاصرا كالسياب مثلا، ولم نستطع بحث شعره في سياق غير السياق العربي ومقارنته بأفضل ما في الشعر العالمي، فحتما نجده شاعرا كبيرا يضاهي أليوت أو بول إيلوار، وإنه ينافس الشعراء الغربيين في أصالة صوره وشمولية رموزه وفي الوحدة الموضوعية والعضوية لقصائده. ولكن الذي يبقى هو أن السياب ليس معروفا أو مؤثرا في الآداب الأخرى، ولا يدرك قيمته العالمية باستثناء العرب إلا نفر من الأجانب الذين يعرفون العربية، وهم قلة ضئيلة ليس لها بالضرورة أثر مباشر في التيارات المعاصرة. فالقضية إذن في بعضها قضية معرفة اللغة العربية. كم من غير العرب يعرفون هذه اللغة أو يتعلمونها؟ لماذا يتعلم المرء لغة غير لغته؟ في الأغلب لأسباب ثقافية أو تجارية أو لأسباب حضارية. إنها الرغبة في التمكن من لغة سائدة فكرا وتواصلا، والعربية ليست كذلك اليوم، رغم أن ثمة زهاء مئة وخمسين مليون نسمة يتكلمونها، ورغم أهمية الأقطار العربية في العالم اقتصاديا واستراتيجيا، فإن الذي سيغري الآخرين بتعلم اللغة غير الدبلوماسيين الذين يتعلمونها لأغراض سياسية، هو ما يتحقق فيها من علم فذ وأدب فذ من إبداع تكون الأمم الاخرى بحاجة إلى النهل منه. وإذا كان أملنا ضعيفا في تعلم الآخرين لغتنا على نطاق واسع في المستقبل المنظور، وهو أمر لا يتحقق اليوم إلا لثلاث أو أربع لغات أوروبية، يبقى لنا أملنا القوي في أن ينقل بعض ما يكتب فيها إلى اللغات الأخرى.

لماذا يتعلم المرء لغة غير لغته؟ في الأغلب لأسباب ثقافية أو تجارية أو لأسباب حضارية. إنها الرغبة في التمكن من لغة سائدة فكرا وتواصلا، والعربية ليست كذلك اليوم، رغم أن ثمة زهاء مئة وخمسين مليون نسمة يتكلمونها.

وهكذا نجد أن القضية في بعضها الآخر هي قضية ترجمة وهي مسألة أساسية ومعقدة. لو أن ألف ليلة وليلة كتبت شعرا كلها هل كانت ستلقى هذه الحظوة المذهلة في كل مكان؟ طبعا لا. الشعر في كل اللغات أصعب الفنون انصياعا للترجمة. ولما كان الشعر أروع الفنون عند العرب، فإنه هو الذي يضيع الكثير من سحره في الترجمة، كما كان يقول دائما الشاعر السوري أدونيس (علي أحمد سعيد اسبير) لما في صنعته البارعة من صنعة الفن التجريدي، أي أنه يخلو من التشخيص القصصي إلا في ما ندر.
حتى المعلقات التي أجاد بعض المستشرقين نقلها إلى لغتهم (كارل بروكلمان) تهشمت الروعة فيها إلى مجرد كلمات مثقلة بالمعاني، ولكنها مطفأة الوهج، ذبيحة الشريان. بعض الشعر الحديث فقط، خاصة شعر ربع القرن الأخير يحافظ على شيء من نضارته في الترجمة، لكثرة ما أخذ يتوافر فيه من صور وأساليب مشتركة بينه وبين شعر اللغات الأوروبية. فالمرشح للإيصال إلى الآخرين عبر اللغات الأخرى هو في الأكثر القصة والرواية والمسرحية، أي أدب النثر. القصة والرواية والمسرحية هي اليوم أكثر الفنون الأدبية شيوعا وانتشارا، ومنذ أن عمت حكايات ألف ليلة وليلة، كل بلد متحضر وترجم الكثير من الروايات الإنكليزية والفرنسية إلى اللغات الأخرى قبل مئتي سنة، ومنذ أن اكتسحت الرواية الروسية آداب العالم في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، أخذ الفن القصصي يبدو أنه الفن المشاع بين الأمم، وأصبحت أسماء الروائيين الكبار عالمية بصورة لم تعرف مثيلها الحضارات السابقة، ورافق ذلك أيضا شيوع المسرحية على نحو يكاد معه لا يهم الناس في أي لغة أصلية كتبت، فمسرحيات تشيخوف وستريندبيرغ ، وبريخت وبيرانديلو وبرناردشو ولوركا وبكيت… تبدو على تباين لغاتها جزءا من حضارة واحدة. فهذه المسرحيات وأعمال الروائيين الكبار إنما هي أوجه متعددة لهم إنساني واحد، أو هموم إنسانية واحدة، كلما استعرضنا أسماء الأدباء الذين نشعر بأنهم عالميون لأنهم يقولون لنا أينما كنا وبأي لغة تحدثنا أشياء تقلقنا وتذهلنا وتتحدى حواسنا وذهننا، نجد أنهم في الأغلب أوروبيون على اعتبار أمريكا امتدادا أوروبيا. فهل العالمية محض أوروبية ؟ ولكن كيف استطاع المخرج الياباني تيكيروساوا، أو المخرج الهندي كساتياجيت راي أن يقتحما العالم بفنهما النابع من بلديهما؟ لأن التجربة البصرية في غنى عن الترجمة. لقد تخطت عملية الإيصال الفيلمي الحواجز اللغوية. وبرهنت على روعتها. فالعالمية إذن لكيما تكتشف كما اكتشفت في ألف ليلة وليلة أصلا، لابد لها أولا من إيصال لغوي قبل أن نتعرض لمضامينها، ومن ثم نستخلص بعض النقاط الأساسية التي يبدو أن عالمية الأدب مشروطة بها :
أولا عالمية الأدب لها شقان، الشق الأول هو أن هذا الأدب يتمتع بصفات لصيقة بها وضمنية فيه، تجعله كاشفا ومؤثرا لا بالنسبة لوطنه وحسب، بل بالنسبة إلى الجزء الأكبر من الإنسانية أينما كانت أوطانها وقد نضيف مهما كانت أزمانها. الشق الثاني هو أن هذا الأدب يجد فعلا من يوصله إلى اللغات الأخرى، فيكون فيها المحك لمدى أثره في الآخرين وقدرته على الشيوع في العالم. إن هذا الأدب إذا ما ترجم لا تكون قراءته مقصورة على الأكاديميين الذين يتداولون الكتاب المترجم بمجرد أن يهيئ لهم نافذة على فهم المجتمع الذي أنتجه، أو العقلية التي حفزته، أو اللغة التي كتبت فيها. هذه الخصائص لها أهميتها، ولكنها لا تعطي الكتاب المترجم إلا قيمة محدودة كثيرا ما تكون خاضعة لتعال ثقافي. إن الأديب الحقيقي نقيس جدارته فضلا عن ثقافته بإنسانيته وغزارة ابتكاره وكونيته. فهو ينبغي أن يكون شخصا ساعد في تنوير عصره وجاءت أعماله توسيعا لرؤية الإنسان ودفاعا عن حريته وتحقق مساهمات كبيرة في إغناء رصيد البشرية الإبداعي. والملاحظ أن العديد من الروائيين والشعراء المغاربيين استطاعوا أن يقتحموا السوق الأوروبية الثقافية برواياتهم وقصائدهم المكتوبة باللغة الفرنسية، مع أن مواضيعها كانت دائما عربية محضة. كما كتب بالإنكليزية الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا رواية بلغة شكسبير عن هم عربي صرف. ويقف ناقد فلسطيني يعد من الأساطين أدوارد سعيد يكتب بالإنكليزية هو أيضا في مقدمة الحركة النقدية المعاصرة في الولايات المتحدة. وإنه ليصعب حصر أسماء الذين نشروا دوما ومازالوا ينشرون بلغات أجنبية شعرا ونقدا ورواية، إضـــافة إلى عشرات الذين يكتبون بها دراسات ســـياسية واجتماعية لم يجد إلا القليل منها طريقة إلى العربية.

لابد من التأكيد أيضا على أن العالمية ليست صفة لأدب أمة ما دون الأمم الأخرى. وإلا سقطنا في شرك الإثنية المركزية والعقل المتصهين، أو كما يقول جورج طرابيشي المحرقة الثقافية للعقل.

هل نستطيع القول إن الأدب العربي العظيم لا بد أن يجد يوما من يترجمه؟ كم إنكليزيا أو فرنسيا يستطيع ترجمة أثر أدبي من اللغة العربية إلى لغته على نحو إبداعي؟ وما النتيجة في معظم الأحيان، إلا الإساءة إلى المادة المترجمة وإلى اللغة المترجم إليها معا. فضلا عن سوء الانطباع الذي تتركه عند الآخرين. ويبقى السؤال بعد هذا كله هل عندنا من الإنتاج الأدبي ما يمكن أن يقف على قدميه ندا لند بين آداب العالم الأخرى؟ لابد في النهاية من جواب حذر بعد أن اعترفنا بأن العالمية بشقها الثاني (الترجمة) تتيح نفسها للقصة والرواية والمسرحية، أكثر مما تتيحه لخير ما في أدبنا الشعر.
العالم الغربي مسفسط وسريع الملل، إنه مشبع بكل فكرة وأسلوب ولا يثيره إلا المدهش والمغامر والعميق. ولا يأخذ أحيانا إلا باللغزي والمقلق والمعقد. المجيدون من روائيينا العرب بدأوا يجابهون مشكلاتنا الآنية والمزمنة المجتمعية والسياسة بصراحة وبراعة وحرارة. وهذه أقانيم خطيرة في كل عمل فني جاد. في عصر نسمع فيه بين الحين والآخر من يقول إن الرواية فن يحتضر، ويأتي كل يوم من يثبت أنه فن يتوثب حيوية. إنه فن التساؤل المأخوذ بالمصير الإنساني، كما أن فن الرواية هو فن النفاذ إلى بقاع الظلام في النفس وخفايا الصراع بين الحقيقة والوهم. إنه فن الأساليب التي تنهل من كل معرفة لتنتهي إلى وضع الإنسان وجها لوجه مع قدره، مع ربه وشيطانه. وما من شك إذا أخذنا بعين الاعتبار أن اللغة التي ابتدعت ألف ليلة وليلة ستبتدع لا مندوحة ما لا محيد للإنسانية من الانتباه إليه. ولكن لابد من التأكيد أيضا على أن العالمية ليست صفة لأدب أمة ما دون الأمم الأخرى. وإلا سقطنا في شرك الإثنية المركزية والعقل المتصهين، أو كما يقول جورج طرابيشي المحرقة الثقافية للعقل. المنزلة الحضارية لأي أمة تلعب دورها وهذا لا ريب فيه. غير أن المسألة في صلبها إنما هي رهن بظهور أدباء أفراد أفذاذ من خلق مجتمعهم وتراثهم، ولكن أيضا من خلق أنفسهم حباهم الله القدرة على خلق شخصيات تتجسد أمام العين مستقطبة نشوات وهموما، ولوعات إنسانية. لا يمكن تحديدها إلا بها هي. من سندباد ألف ليلة وليلة إلى هاملت شكسبير ومن راسكولنيكوف دوستويفسكي إلى زوربا كازانتزاكيس وأيضا مهدي جواد وآسيا الأخضر لحيدر حيدر في روايته المذهلة «وليمة لأعشاب البحر» التي قدمت شهادة صارخة وفاضحة للقمع السياسي في العراق والثورات المغدورة في الجزائر. هي محاولات عظيمة لن تنتهي إلا بانتهاء الإنسان موضوع هذه العالمية العزيزة المطلوبة.

٭ كاتب مغربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*