الرئيسية / أضواء على / حنا مينه “حلاّق اللاذقية”

حنا مينه “حلاّق اللاذقية”

عقل العويط
النهار
21082018

“أنا كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين”. هذا ما قاله حنا مينه، الذي ولد في اللاذقية، في التاسع من آذار 1924، وغادر في شهر آب هذا، 2018. فأيّ كفاح، وأيّ فرح، كتبهما حنا مينه، “حلاّق اللاذقية”، الذي لطالما اعتبره النقّاد حبيب البحر والبحّارة، وأحد شيوخ الرواية الواقعية في الأدب الروائي السوري والعربي؟

ينتمي الروائي السوري حنا مينا إلى الواقعية الأدبية (الاشتراكية؟!) في الكتابة الروائية، وقد قال يوماً، وكان لا يزال في الثمانين من عمره، إنه يرغب في القيام بعمل ينفع الناس، و”كان أنفع عمل، في ذلك الوقت، هو تحرير سوريا، وطني، من الاحتلال الفرنسي، إيماناً مني بأن تحرير الوطن يأتي في المرتبة الأولى، وبعد ذلك يصحّ الكلام على التقدم الاجتماعي، لأن الاحتلال والتقدم يتعارضان، ولا بدّ، كي نرتقي، من أن نتحرر أولاً، والمعركة، في هذه الحال، هي المعركة لأجل الاستقلال، واجلاء المحتلين الفرنسيين عن أرض الوطن، لذلك ألقيت بنفسي، وبحماسة كبيرة، في خضم النضال العارم، المتضرّي بغير هوادة، عارفاً أن مصيري، في ما أنا آخذ به، هو الموت أو السجن، وكان من حظي أنني لم أمت، لكنني عرفت السجن مرات عديدة، وفيه تعلمت أبجدية المعرفة، من السجناء السياسيين، من دون أن يخطر في بالي، ولو للحظة واحدة، أن هذه المعرفة المختزنة، في صندوق الدماغ المقفل، سينفك قفلها يوماً، وأفيد منها في كتابة أشياء تنفع الناس، وأن النضال بالجسد، سيكون، في المستقبل، نضالاً بالقلم، وأن هذا هو الطريق المستقيم للغاية التي أنشدها”.

كتب حنا مينه هذا الرأي، وقاله، وكان على مشارف الثمانين، هو الذي رأى أن “الصمت موت، والقول موت، قلها ومت!”. وقد قال ما رغب في قوله، وكتبه “بأشكال مختلفة”، من دون أن يتسبب ما كتبه في موته.

الكفاح، إذاً، كان كفاحاً من أجل الاستقلال والحرية، استقلال البلاد وحريتها. وهو كان كفاحاً من أجل الإنسان، من أجل كرامته، وعيشه الكريم، وسعادته. وفي هذه الحال، كان لا بدّ للكفاح من أن يتحول إلى فرح، إلى لذة قصوى، فـ”عندما تعرف أنك تمنح حياتك فداء لحياة الآخرين، هؤلاء الذين قد لا تعرف لبعضهم وجهاً، لكنك تؤمن في أعماقك، أن إنقاذهم من براثن الخوف والمرض والجوع والذل، جدير بأن يضحى في سبيله، ليس بالهناءة وحدها، بل بالمفاداة حتى الموت معها أيضاً”.

تجربة الكفاح منذورة كلها عنده، “لمنح الرؤية للناس، لمساعدتهم على الخلاص من حمأة الجهل، والسير بهم ومعهم نحو المعرفة، هذه التي هي الخطوة الأولى في المسيرة الكبرى نحو الغد الأفضل”.

كتب حنا مينه الصدق، أي أنه كتب الواقع، حياة الناس، أحوال المجتمع، واصفاً، محللاً، مستخرجاً الرموز والدلالات من قضايا، وتواريخ، وأحداث، وحروب، وآلام، وأوجاع، ومن أشخاص عايشهم، وعرفهم، أو تماهى بهم، منحازاً على الدوام إلى النزاهة، إلى الحبّ، إلى الأمل، إلى العدل، إلى الطبيعة، إلى الواقع المعيش، إلى الوجدان الجماعي، وإلى الهمّ العام، أكان فردياً أم مجتمعياً، متفادياً أن “يكسر” كسراً دراماتيكياً مع البنية العميقة، الخلفية، التحتية، بنية النظام التوتاليتاري الاستبدادي، التي “تنظّم” عذاب الناس، وتقهرهم، وترسّخ الذلّ الذي يعيشون في كنفه.

حياة البحّارة، وحياة البحر، كانت في صلب تجربته التي عاشها في اسكندرونة، وفي اللاذقية، والتي انتقلت “عدواها” إلى أعماله، وقد ركزّ فيها على تجسيد المعاناة التي تمرّس البحّارة بعيشها، في حياتهم القائمة على مصارعة العذاب والتعب والقدر من أجل لقمة العيش؛ ذلك كلّه في لغة مفعمة بالصدق والعمق والمعاناة والكفاح والواقعية والحب والجمال.

هذا الرجل الذي عمل حلاّقاً في اللاذقية، يطيب لي أن أطلق عليه تسمية “حلاّق اللاذقية”، وقد بقي هو هو، قريباً من الناس، قصصهم، حكاياتهم، مآسيهم، وأفراحهم، على رغم العمر المديد، وتقلّب الأحوال، والظروف، والأعمال، والوظائف التي شغلها.

إنه الحلاّق، ابن الريف، ابن الأرض، ابن البحر، الذي بقي هو هو، عندما صار ابن المدينة، وصار الكاتب المعروف والذائع الصيت في العاصمة، دمشق، وفي العالم العربي.

كتب حنا مينه الكثير. من أعماله: المصابيح الزرق، الشراع والعاصفة، الياطر، الأبنوسة البيضاء، حكاية بحار، نهاية رجل شجاع ، الثلج يأتي من النافذة، الشمس في يوم غائم، بقايا صور، المستنقع، القطاف، الربيع والخريف، حمامة زرقاء في السحب، الولاعة، فوق الجبل وتحت الثلج، حدث في بيتاخو، النجوم تحاكي القمر، القمر في المحاق، عروس الموجة السوداء، الرجل الذى يكره نفسه، الفم الكرزي، الذئب الأسود، الارقش والغجرية، حين مات النهد، صراع امرأتين، حارة الشحادين، البحر والسفينة وهي، المرصد، الدقل، المرفأ البعيد، مأساة ديمترو، الرحيل عند الغروب، المرأة ذات الثوب الأسود، المغامرة الأخيرة، هواجس في التجربة الروائية، كيف حملت القلم؟، امرأة تجهل أنها امرأة، النار بين أصابع امرأة، عاهرة ونصف مجنون، شرف قاطع طريق.

يغيب حنا مينا عن أربعة وتسعين عاماً، تاركاً وراءه تجربة روائية طويلة وغنية. صحيحٌ أنها لم تختبر الكثير من التغيّرات أو تمارس إعادة النظر في مقاربة هذا الفنّ، إلاّ انها تحفظ له مكانته في تاريخنا، في حين أن الرواية السورية والعربية، التي جايلته، شهدت ولا تزال، اختبارات نوعية جمة، في المفهوم، والبناء والأسلوب، وفي الرؤية، وعرفت تحولات جمة، لا ريب في أنها تضعها في مصاف الاختبارات العالمية.

“حلاّق اللاذقية” يعود أخيراً إلى مسقطه، على مقربة من رفاقه البحّارة، ومن جاره البحر الأبدي.

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد