الرئيسية / home slide / حمّامات في الذاكرة… طراوة جسد وزحلقة طفولة

حمّامات في الذاكرة… طراوة جسد وزحلقة طفولة

 عبدالحفيظ بن جلولي
القدس العربي
29062022

من أجمل متع الطفولة اصطحاب الأم لصغارها إلى أحد الأعراس، أو سَوْق الأب لهم إلى الحمّام، أو عندما يتنازل الأخ الأكبر عن قسط من وقته ويخرج بإخوته الصغار إلى نزهة في المدينة (التحْوَاسْ).
ولا شك في أن تجربة الجسد في الوعي العربي ترتبط بالطهارة، فـ»زمزم» الماء المقدس نبع في فجر التاريخ على أرضهم، للإرواء واستمرار الحياة وطلب النقاء، وتحول باطن وظاهر الذات العربية إلى كينونة باحثة عن طهرانية النبوة الحسية والمعنوية، منذ إبراهيم إلى محمد عليهما الصلاة والسلام، ولهذا ارتبط الحمّام بهذا الجانب، حيث أصبح يوم الجمعة من أهم الأيام التي يُستحب فيها دفق الماء اغتسالا للجسد من أدران الحياة، التي تقذف الإنسان في أتون العفن الوجودي.
«الحمّام» بالعربية يعني الماء الساخن، وكانت جدتي تسميه «السْخُونْ» ونقول أيضا حمّام مغاربي Bain Maure في إشارة إلى إسبانيا المسلمة، أما الأوروبيون فيسمونه الحمام التركي Bain Turc بما توحيه الذاكرة الغربية الباحثة عن سحر الشرق.

مغتسل طيب وحمّام في الذاكرة:

في الحمام تتحقق لذة إغراق الجسم في الماء البارد، لأن السخونة في الشتاء لها لذة خاصة، والماء البارد له لسع الحياة فإذا سُكِب على الجسم استعذب الطفل ذلك واستحضر الصيف بمتعته التي تحرر من نكد المدرسة. لا يُذكر الحمّام إلا وتُذكر عَفْرَتَةُ الطفولة، الجري بين القاعة الساخنة والقاعة الباردة، ولا يوجد طفل نجا من الزحلقة والارتطام على حجر الحمام (يَترْدَخْ) وعادة ما كان الرأس هو ما تُسمع «سَطْقَتُهُ» فيهرع الأب مذعورا وناتفا جلده لِمَا جلبه على نفسه من اصطحاب هؤلاء «المساخيط» الصغار إلى سخونة الحمّام. هناك حمامات ارتدناها أطفالا وشبابا وبعضنا كهولا أيضا.
كان أبي رحمه الله يأخذنا إما صباحا باكرا متجها إلى صلاة الفجر في مسجد «الفيلاج» (وسط المدينة) وننتظره أمام باب حمّام «بلا» (بتفخيم اللام وتثقيلها) أو بعد الظهيرة من أيام الأحد، كان حينها يوم عطلة، ثم بعد ذلك تَوَلى المهمة أخي الأكبر إبراهيم رحمه الله، وأذكر اللازمة التي كان يستقبلنا بها عمي بوفلجة رحمه الله القَيم على الحمّام: «ولاد عَبّي» (بتفخيم العين وتشديد الباء وتثاقل ظاهر في نطقهما) فكنا صغارا ننظر في وجهه ضاحكين ثم نتجه إلى المشاجب لتغيير ثيابنا، بعد ذلك أصبح أخي يعلق على هذا الموقف بأن القيم كان يغتاظ لأننا كنا نستحم مجانا، فيصيبنا جنون الضحك للفكرة العائدة من زمن العفرتة.
كانت وصية الأم وهي تضع آخر اللمسات على مستلزمات الحمّام، أن لا نشرب الماء أو أي مشروب بارد ونحن نستحم أو بعد الحمام، لأن ذلك مضر بالصحة، والغريب أن في الحمّامات كانت تباع «الليمونادا» المثلجة، وكم كانت مطلوبة ومرغوبة لإطفاء لهيب الحلق وسخونة الجسد، وقلما سمعنا ونحن أطفال بحالات استعجالية استدعت التدخل الطبي بعد تناول المشروب البارد في الحمام.

طقوس الحمّام لا تنتهي:

أول ما كان يلفت انتباهنا في شبابنا ونحن نحضر الحقيبة للذهاب إلى الحمام النعل، كانت الحمّامات تقدم للمستحمين في بداية الأمر «القبقاب» ثم استبدل بالنعل البلاستيكي. «الدْخُولَة» و»الفوطة» أو «البشكير» جزء من طقوس الحمام التي لا يمكن الاستغناء عنها لستر العورة وتجفيف الجسم. في طفولتنا المبكرة عاصرنا الدلاء الخشبية والبلاستيكية ثم عوضتها الجابية. «الطاسات» كانت نحاسية ومعظمها كان مما تبقى من جهاز أمهاتنا. «الكياسة» أو «الكاسة» (الليف) و»حَجْرَة الحمّام» كانت مما لا يمكن الاستغناء عنه لأنها تستعمل في فركِ الجسد تنظيفا له من الجلد الميت «الڨورشال». من طقوس الحمّام «التكياس» بعد التمدد والتعرق تخليصا للجسد من البرد والدهون الزائدة. كان الاحتراز بالغا لشد ما يستر الجسم في الحمام، خصوصا عند الدخول والخروج، وكنا كأطفال يزيد حياءنا لما نرى من يكبرنا سنا نصف عراة.
طبعا في الحمام كان التدليك (التكْيَاسْ) مشاعا بين متخصصين فيه، إذ كان الجسم يتحول إلى عجينة بين أيديهم، أو كتلة مطاطية يديرونها كيف يشاؤون، وعن فراسة كانوا يعرفون مناطق التقاء العضلات وافتراقها، ويعرفون كيفيات التعامل مع المفاصل، دون إحداث أي ضرر، بالنسبة لنا كأطفال كان الخوف يأخذ مجراه إلى مخيلتنا، فنرى أجسامنا الصغيرة مفككة بين يدي «الْكَياس» الذي يهجم على ضحيته المِطْواعَة بين يديه.

كان «الحمام المشرقي» أو حمام «جبلي» أعلى قليلا محل كينيز يسار الشارع الكبير la grande rue صعودا، هذا الحمام له طابع معماري مختلف يقترب من العمران العثماني، إن لم أكن مخطئا، وما زال طلاؤه يحمل الصبغة الصفراء الباهتة، التي تعود بنا إلى الزمن الجميل، وأظنه مما تبقى طَلَلاً من الحمامات العتيقة في المدينة، مهجورا يصارع الخراب.

حمّامات في ذاكرة الطفولة:

في حمام «بَلا» تبدأ القاعات بممر صغير طوله حوالي المترين ينتهي بمرحاض، وعلى يساره باب الدخول، تتربع القاعة الباردة على مساحة واسعة، يمينها باب الولوج إلى القاعة الساخنة، وعلى يسارها أسفل الجدار تمتد عتبة مرتفعة لجلوس المستحمين لفرك أجسامهم. في آخر جدار القاعة الساخنة يمينا «البرمة» وهي عبارة عن حوض فيه الماء الساخن، في البداية كان يسخن به الماء، أرضية القاعات حجرية مُعْتَبَرَة الإضاءة. كنا نخاف من المكوث في الحمام وحيدين، لأن قاعاته في خيالنا الصغير تُعتبر مرتعا للجن، فكان أي صوت يحيلنا إلى شبح جن طالع من دلو أو سطل أو جابية أو حوض الماء الساخن، ومن النكات التي كانت تتداول أن أحدهم أخبر صاحب الحمام بسماعه قرقعة، فرد عليه مهونا الأمر بأن القاعة تقع تحت سطح زريبة الماشية، لكن المستحم أقسم أنه سمعها في «الحامية» (القاعة الساخنة).
ذهبنا إليه صغارا، «حمام حدا» في مدخل القصر بين مدرسة التلال وشارع سليمان بلخديم، ما كان يميزه سُكنى مالكيه وهم جيراننا وأصدقاؤنا أعلى الحمام، وهو ما أضفى عليه معنى اجتماعيا، إذ كنا نشعر بهذا المناخ الاجتماعي/الأسري داخل الحمام. يبدأ المدخل برواق ضيق وطويل نوعا ما ينتهي بنافذة صغيرة يطل منها القائم على المحسب، حيث تتسنى له مراقبة الدخول والخروج. كانت الردهة واسعة نوعا ما، مفروشة بأسرة يرتاح عليها المستحِمون، وفي نهايتها يسارا باب يربط بين الحمام وبيت عمي «حدا» رحمه الله. بعد الدخول إلى قاعة الحمام عن طريق باب صغير تجد مباشرة مساحة مستطيلة يمينا، فيها عتبة وحنفية، باردة، عادة ما يستعملها من هم على أهبة الانتهاء من الاغتسال. من بابٍ صغير على يسارها ندخل إلى القاعة الفاترة معتدلة السخونة، تتوسط القاعة الساخنة على يمينها والقاعة الباردة مقابلة لها، أرضية القاعات حجرية وإضاءتها متوسطة. ما كان يميزه حضور عمي «حدا» رحمه الله الدائم والمرح والمميز بملاحظاته التي لا تنقطع.
«حمام علي» عند جيل الكبار، أصبح «حمام عَبْدَدو» كان بداية مبكرة لعصرنة الحمامات، يزين جدرانه الزليج. لما كانت تقابل مخيلتي الصغيرة مربعات الرخام الصفراء والسوداء المزينة لجدرانه، يتبادر إلى ذهني، بل ويجد أنفي رائحة مرطبات الفانيلا اللذيذة، لم تكن أرضيته مبلطة بالحجر، لكن بمربعات الرخام والزليج. ونحن شباب قام على تسييره السيد «دحان بادجي» وكان عاشقا لاسطوانات فريد الأطرش، الذي كان صوته الرخيم الحزين يملأ فضاء الحمام.
كان «الحمام المشرقي» أو حمام «جبلي» أعلى قليلا محل كينيز يسار الشارع الكبير la grande rue صعودا، هذا الحمام له طابع معماري مختلف يقترب من العمران العثماني، إن لم أكن مخطئا، وما زال طلاؤه يحمل الصبغة الصفراء الباهتة، التي تعود بنا إلى الزمن الجميل، وأظنه مما تبقى طَلَلاً من الحمامات العتيقة في المدينة، مهجورا يصارع الخراب.
ذاكرة الحمّام الطفولية تحمل من العلامات ما لا يمكن تصوره. هندسة الحمّام المختلفة عن هندسة البيت كانت تبدو مفارقة للواقع متخذة شكل عالم آخر لا يتحقق فيه الوجود سوى بالجسد في طبيعته الجسمانية العارية، وهو ما يعني الثنائية الوجودية المتمثلة في المظهر والمخبر، إذ نقف عراة في الحمام أمام أشكالنا العارية من كل زينة، وهو ما يحيل إلى رؤية الداخل بمنظار الحقيقة الواقفة على طهرانية الروح، بعيدا عن زيف الجسد المتحول داخل لفافات الثوب المزركِش للوجودية، حسب الوظائف الاجتماعية، التي لا تخلو من مفهوم النفاق الاجتماعي كغطاء يستر لوثة الحراك الجسدي داخل المجتمع.

بين رائحتين/جسد المغتسل والجسد البعدي:

في الحمّام تتحقق «الرائحة» باعتبارها فصل الجسد وهو يتحول من المدنس إلى المقدس، باعتبار الانفصال الطهراني عن الجسد المتسخ، والحلول في الجسد النقي، فـ»رائحة النفور» محققة في «جسد المغتسل الحمامي» يتحرر منها «الجسد البعدي» المتاح في «رائحة الطراوة» ويتأسس الجسد كرائحة مبصومة بالأثر ضمن تاريخية صائرة من الطراوة إلى النتانة القبورية، أي من الحياة حيث تتوفر فرصة التطهير إلى الموت، إذ يتحلل الجسد ويفقد الماء سلطته عليه باعتباره مناط التطهير.
إن الجسد نصف العاري في الحمام يمثل المواجهة التاريخية مع العري البدائي وتطور الوظيفة الجسدية من مجرد كينونة في الحياة تابعة لما يُفرض عليها من اللحاق بالفريسة، إلى جمالية قائمة بذاتها تستعمل الوظيفة لصالح وجوديتها الفاعلة داخل فضاء المجتمع المؤنسن.
تغير الحال واشتهرت «السونا» وتحول جذريا المفهوم الثقافي/الاجتماعي للحمّام باعتباره نموذج اللقاء، ترميم الجسد وتمتين العلاقة معه فهما ونظافة ووقاية، فكلما سخن الجسد تقوت علاقته بمحيطه الساخن بالجيرة الطيبة والناس المتعاونين واللقاءات الدافئة بقلوب خالية من «الوسخ» فتنظيف الجسد ليس سوى مدخل لإحالة القلب على معنى «الطهارة» المعنوية.

كاتب جزائري