الرئيسية / مقالات / حمد حسن … درسٌ فائق الأهمية لحزب الله وجمهوره

حمد حسن … درسٌ فائق الأهمية لحزب الله وجمهوره

قاسم يوسف – السبت 11 نيسان 2020
https://www.asasmedia.com/news/385919

ليست الصورة المفبركة هي التي صنعت موجة التعاطف العارم مع وزير الصحة الجديد حمد حسن. هي ساهمت قطعًا في إطلاق شرارة اللحظة الجماعية، لكن ثمة في الخلفية ما هو أكبر منها وأعمق، وهذا تحديدًا ما يستحق التوقّف والتأمّل إزاء حالة خاصة ومباغتة جاءت بخلاف السياقات المعروفة لمنظومة سياسية وعسكرية واجتماعية شديدة الخشونة ومكثّفة التقليد والتعقيد.

في وعينا أو لاوعينا، تبلورت الصورة الكاملة لحزب الله على نحوٍ متدرّج، في نشاطه العسكري كما في حيثيته السياسية وأدواره الاجتماعية والدينية والإعلامية. الثابت الأكثر وضوحًا تمثّل في حيويته ورشاقته الحربية المثيرة للجدل والإعجاب، في مقابل جمود ملحوظ لامس حدود اللامبالاة أو قلّة الحيلة في الجانب السياسي والوطني. ولهذا تفسير ناجع يستقيه حزب الله من التجارب اللبنانية الوافرة، ومن المعادلات الدقيقة والحساسيات المفرطة التي حكمت وتحكّمت بمفاصل هذه التجارب على مدى سنوات وعقود. لكنّ السؤال الأهم: ماذا عن الجوانب الأخرى؟

تعرّفنا منذ العام 2005 إلى فريقه النيابي والوزاري. أكثرهم حضورًا في الصورة هو رئيس كتلته البرلمانية محمد رعد، ذاك الذي وصفه وليد جنبلاط بـ”الحيط”، أي الحائط أو الجدار. استحضار الوصف هنا لا يبتغي الإساءة ، بمقدار ما يبحث عن التوصيف الدقيق لهذه الحالة المتجمّدة التي لم تترك أيّ أثر يُذكر على مدى نشاطها التشريعي. وللأمانة التاريخية، يُحسب للرجل أنه كان ولا يزال واحدًا من أكثر الحاضرين احترامًا.

الشقّ الثاني من الكتلة النيابية هيمن عليه الصقور، أي أولئك الذين يضربون بلا رحمة ويهاجمون بلا هوادة. أحد أبرز هذه الوجوه هو علي عمّار، الذي تعرّفنا إليه وإلى أدبياته السياسية في المواجهات الحامية. وربما، أقول ربما، لا يتذكّر اللبنانيون من اسمه إلا عباراته الشهيرة حول ضرورة تطهير الأفواه وتبخيرها قبل التجاسر على انتقاد حزب الله، ويذكرون أيضًا بعضًا من جوانبه التي تفتقد إلى الاتزان أو تلك المحفّزة للضحك. كأن يرتجل خطابًا شاعريًا، وهو الخطيب المفوّه، أو أن يمشي وحيدًا في شارع يعجّ بالثورة والثوار، غير آبه بشتائمهم وغضبهم ورغبتهم بمنع انعقاد الجلسة التشريعية.

الآخر الموازي كان نواف الموسوي، ذاك الذي أخطأ في حسابات التقية السياسية وقال رأيه المجرّد حول عمالة بشير الجميّل على مرأى الجميع ومسمعه، فكان لا بدّ من محاسبته وعزله، باعتبار أنّ مهمته محصورة بما يوكل اليه، لا بما يجتهده من بنات أفكاره، حتّى ولو كانت هذه الأفكار هي الحقيقة المطلقة التي يؤمن بها الحزب وكلّ بيئته الحاضنة.

البقية الباقية من الكتلة النيابية يتوزّعون بين النموذجين، وبين نموذج ثالت أُجهض في مهده ولم يُكتب له الحياة. بطل هذه الحكاية كان حسن فضل الله، ذاك الذي وعدنا بكشف مستندات توثّق النهب والموبقات، ثم راح يلوّح بأوراق تُسقط رؤوسًا وتُدحرج هامات، على حدّ تعبيره، لكن التلويح دُفن حيث ولد، بعد أن تحول سريعًا إلى مادة تُسعّر التجاذب السياسي والتراشق الإعلامي. 

في مسيرة الحكومات. نستحضر طراد حمادة، محمد فنيش، وحسين الحاج حسن. آخر هؤلاء نجح بشق الأنفس في بعلبك، بعد حملة مكثّفة وغير مسبوقة قادها الأمين العام لحزب الله شخصيًا في مواجهة حالة الرفض الكامل لدى أبناء المنطقة. فيما لا نذكر أيّ موقف أو بصمة أو حضور في كلّ مسيرته ومسيرة زملائه في الوزارات المتعاقبة، باستثناء الاعتكاف الشهير من حكومة فؤاد السنيورة، والاعتراض الدائم على تمويل المحكمة الدولية وكلّ ما يتعلق بها من قريب أو بعيد.

في الجانب الإعلامي، أبعد حزب الله كلّ وجوهه الرسمية والرصينة والهادئة عن النقاشات الحامية، وأخذ يصنع وجوهًا تتخذ صفة الصداقة أو التحالف، فيما انحصرت مهمّتها في اطلاق الهجمات المركّزة بوجه الخصوم، وفي تعبئة الرأي العام المناصر انطلاقًا من أدبيات جديدة تتسم بالعدوانية الدائمة وبالاستهدافات المبرمجة التي تجاوزت كلّ المحرمات ولامست حدود التخوين وتحليل الدم وتحسّس الرقاب.

هذه الانزلاقة ساهمت على نحوٍ هائل في تعميق الفجوة وتكثيف التصدّعات على المستوى الوطني، لكن خطورتها القصوى تمثّلت في انفجارها ضمن المزاج العام لبيئته الحاضنة التي انصهرت تمامًا مع الأدبيات المستجدة، فصارت عصيّة على الضبط، وتحوّلت تدريجيًا من مجتمع شديد المحافظة إلى مجموعات مُستنفرة ودائمة التوثّب والعنف، وهذا ما يبدو جليًا على مختلف منصات التواصل الاجتماعي التي أخذت تنضح بالتهديد والوعيد والابتذال والبغضاء، وصولاً إلى الاحتكاكات المباشرة على الأرض، والتي شهدنا بعضًا من أقذع وأفظع فصولها في مواجهة انتفاضة اللبنانيين المحقة على مساحة البلد برمّته.

هذه الحقائق وغيرها تركت لدينا انطباعًا ناجزًا يوازي الحقيقة الناصعة، وهو انطباع يتمحور حول نهائية الطلاق بين هذه الحالة وسواها من مواطنين عاديين، وحول انعدام القدرة على إعادة جبر ما تصدّع وانكسر، لنعود ونصطدم جميعًا بهذا الوزير الذي اختاره حزب الله.

حمد حسن العفوي المجتهد المتواضع الذي يختلف عن غيره، لكن أهميته الاستثنائية تتمثل في خروجه عن المألوف الذي عهدناه طيلة عقد ونيّف من تجربة حزب الله الحكومية، حيث إن الرجل لا يعتلي المنابر للتهديد ورفع الأصابع، ولا يجلس على طاولة مجلس الوزراء لينفّذ مهمته الوحيدة في اقتناص أيّ قرار قد يمسّ المقاومة وسلاحها، بل ليكون وزيرًا مؤتمنًا على صحة كلّ اللبنانيين، وهذا بحدّ ذاته من بداهة البديهيات، لكنه يستحقّ الاحتفال والتصفيق  متى صار وجهًا من وجوه حزب الله.

نحتفل اليوم بحمد حسن، سواء أكانت صورته الموزّعة حقيقية أم مفبركة. أصل هذه الحماسة ينطلق من رغبتنا الجماعية والأكيدة في تغيير الصورة التي طبعها حزب الله في أذهاننا، وهي صورة المقاتل الشرس الذي يستطيع أن يتنقل برشاقة من التلال المطلة على الجليل إلى قتال الجيش التركي في إدلب، لكنه عاجزٌ عن تسجيل بصمة واحدة في السياسة الداخلية وفي الوجدان الوطني.

حمد حسن هو درس فائق الأهمية لحزب الله وقادته وجمهوره. عليهم أن يدرسوه جيدًا، وأن يتذكّروا التاريخ الحافل بالتجارب، ذاك الذي أخبرنا عن أمم وأنظمة وجيوش وأحزاب ظنّت لبرهة أنّها تحمي نفوذها ومشروعها وسلاحها، لتعود وتدرك متأخرة أنها فقدتهم وفقدت معهم كلّ شيء.

اضف رد