الرئيسية / أخبار الاقتصاد / حماية الصناعة تستوجب دراسة

حماية الصناعة تستوجب دراسة

تلقيت دعوة من وزير الصناعة لحضور ندوة عن ضرورات حماية الصناعة وتشجيعها. وقبل دعوة الوزير تلقيت دراسة مسهبة من الصديق والصناعي موسى فريجي الذي عانى الكثير في لبنان من الاجراءات التقييدية على مزارعه لتنمية الدواجن، وحوّل قسماً من نشاطه ونشاط شريكه (الذي غيبه الموت) الى مصر حيث نجح الشريكان في عمليات انتاج الدواجن، والى حد ابعد في زراعة الزيتون ومن ثم تصدير الثمار الى مطاعم البيتزا في الولايات المتحدة.

هنالك نسبة ملحوظة من اللبنانيين تشمل رئيس البلاد يعتبرون نشاطات الخدمات غير انتاجية ودورتها قليلة الافادة للاقتصاد وهم بالتالي يركزون على تنمية الزراعة والصناعة ورفع نسبة الاكتفاء الذاتي بزيادة معدل استهلاك المنتجات المحلية ليوازي 30 في المئة من الدخل القومي بدل 18 في المئة حسب التقديرات الحالية.

اتخوف من تكريس النظرة المركزة على الزراعة والصناعة والداعية الى ضبط قطاعات الخدمات، وأكثر ما يعبر عن هذا التوجه رفع معدلات الضريبة على ارباح المصارف، خصوصاً مع فرض ضريبة على عائدات سندات الخزينة التي تملكها المصارف، ومن ثم على الارباح من العمليات. وبما أن هنالك ضرائب ورسوماً متعددة، يصبح معدل الضريبة على ارباح المصارف يساوي 42 في المئة أو يزيد عليها، ومعدل كهذا يتجاوز معدلات الضرائب على ارباح المصارف في اوروبا، وحتى في فرنسا التي تجنح حكومتها الى رفع معدلات الضرائب على الارباح. وهذا الوضع، مع تراجع تدفق الاموال على لبنان وتوسع نسبة عجز ميزان المدفوعات، يعني ان الدخل القومي مرشح للانخفاض سنة بعد سنة، والزيادات الصورية بنسبة 1 في المئة أو 0.5 في المئة لا تفيد عن نمو كما زيادة القروض كانت محدودة. واستناداً الى منشورات المصارف عن نتائج أعمالها عام 2018، يبدو ان الارباح انخفضت بنسبة 7.5 في المئة، والحركة هذه السنة على انكماش، وقليلة هي المصارف التي حققت تحسنًا في الاداء واستقطاب الودائع، لذا فإن استهداف المصارف بالنقد والتجريح والادعاء انها تحقق أرباحاً فاحشة أمر يناقض حقيقة الاوضاع التي تشهد انكماشًا سنة بعد سنة منذ عام 2017.

الخدمات هي العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، وأهم قطاعات الخدمات مرافق السياحة، فنادق ومطاعم، والسياحة الاستشفائية، وتوسع خدمات الاستشفاء في مؤسسات موثوق بها، ومشاريع توسيع قدرة استيعاب المستشفيات سواء للجامعة الاميركية أو الجامعة اللبنانية الاميركية تبدو كأنها مشاريع انشائية حيوية. والجامعات اللبنانية توفر خدمات تعليمية على مستوى جيد دوليًا، والنقل براً وبحراً وجواً من الخدمات، كما ان خدمات المصارف هي التي تمكن من تحقيق الدورة الاقتصادية، وخدمات الامن، وفض الخلافات القانونية، والمعاهد التخصصية كلها من المؤسسات المفيدة للاقتصاد والمعاصرة التكنولوجية والشفائية، وبالتالي فإن انكار دور منشئات الخدمات أمر يناقض ما قد تحصل في العالم المتقدم منذ عقد الثمانينات.

في المقابل، نسعى الى حماية الصناعة برفع الرسوم الجمركية، الامر الذي قد يناقض التزاماتنا تجاه كتل كبلدان الاتحاد الاوروبي، وربما الاهم من كل ذلك ان الرسوم الجمركية لا تؤمن النجاح للنشاط الصناعي وتنوعه، وسنبين ذلك من مراجعة ارقام التصدير للمنتجات الصناعية.

ان الصادرات الصناعية الاهم من لبنان تتجلى من أرقام صادرات المجوهرات والاشغال الذهبية، واكبر تصدير صناعي سنوي من لبنان هو حصيلة تجارة المجوهرات بمبلغ 648 مليون دولار لعام 2018 وبارتفاع نسبته نحو 11 في المئة عن العام السابق. فاصحاب الاختصاص يصدرون بما يزيد على 600 مليون دولار سنويًا مجوهرات مصنعة في لبنان الى سويسرا، ومعلوم ان السويسريين يهتمون بصناعة المجوهرات، والساعات، وربما من المفيد التذكير بان مصنّع ساعات SWATCH هو لبناني (نقولا الحايك من بلدة بشمزين، الكورة) غادر لبنان خلال سني الحرب، وابتكر هذه الساعات التي حققت نجاحًا كبيرًا وبلغت مبيعاتها في سنوات النمو في أوروبا نحو ستة مليارات أورو سنوياً، أي نحو 6.5 مليارات دولار.

لماذا كان نجاح نقولا الحايك المستمر مع العائلة في بلد مواصفات العمل والتسويق فيه بالغة الدقة؟

الجواب هو تمتع نقولا الحايك بموهبة الابتكار وتوافر اليد العاملة الماهرة في سويسرا وتمتع البلد بسمعة مميزة سواء على صعيد المصارف، أو تسويق الازياء وبصورة خاصة الساعات، ويضاف الى كل ذلك نظام يشجع على التصنيع والتصدير ويؤمن التمويل بمعدلات معقولة، ويتمتع بمنافذ تسويق جذابة ومعدلات ضرائب مخفوضة. اللبنانيون حققوا اختراقات واسعة سواء بتصنيع المجوهرات في لبنان وتصديرها الى سويسرا أو افتتاح مراكز لتسويق المنتجات في سويسرا أو عبرها في أوروبا. وأريد هنا الاشارة الى انني كنت سائحًا في شمال شرق أوستراليا حيث هنالك فنادق فخمة يقصدها اليابانيون فيتمتعون بالسباحة وشراء المنتجات الثمينة، وكانت معروضات منتجات معوض من المجوهرات تتصدر قاعات الاستقبال في الفنادق الكبرى.

تصنيع المجوهرات في لبنان حظي بنجاح لم يتحقق لاي صناعة لبنانية أخرى في الاسواق الدولية، ويعود ذلك الى أربعة اسباب رئيسية:

اولاً: ان استيراد الذهب غير خاضع لاية ضرائب.

ثانيًا: المجوهرات الثمينة تتوافر من مصادر للبنانيين العاملين في افريقيا.

ثالثًا: تأمين العمال والفنيين سواء من لبنان، أو سوريا، أو بلدان الشرق الاقصى.

رابعًا: النجاح في اختيار انسب بلد لتسويق المنتجات الثمينة والقدرة على التميز في التسويق وحتى الانتاج.

الصناعات التي تعاني الاوضاع في لبنان هي تلك التي تحتاج الى الكهرباء المستقرة دون تقطع ومقابل اسعار مقبولة، ومن هذه الصناعات الورقية والكرتونية والتي حققت نجاحات في مضمارها عائلة الجميل، ورئيس جمعية الصناعيين من هذه العائلة التي كانت من رواد هذه الصناعة في ايران منذ الثلاثينات. وهو يعاني توسيع أعماله هنا، علمًا بان لديه معامل في فرنسا ايضًا.

لبنان يفتقر الى مناطق صناعية منتظمة توفر الكهرباء والمياه دون انقطاع وبأسعار مقبولة. فتسعيرة الـ28 سنت للكيلووات/ ساعة للمولدات الخاصة لا تشجع على التصنيع، ولو استطاعت وزيرة الطاقة تأمين الكهرباء المستقرة خلال ثلاث سنوات، سوف تعاني الصناعات التي تحتاج بكثافة الى الطاقة باثقال تكاليف الكهرباء أو التقطيع أو كلا الامرين.

قبل سنتين استمعت الى الاستاذ الجميل في محاضرة القاها في طرابلس وأفسح في مجال الاسئلة، فسألته ما هي كلفة الكيلووات/ ساعة عليكم في ايران، فأجاب: 4 سنتات (مقابل الـ28 سنت المقترحة للمولدات الخاصة)، وفي فرنسا فأجابني بالرقم ذاته، فسألت: كيف ذلك، فقال: بلدان تشجع الصناعة وتؤمن فرص نجاحها.

اضف رد