الرئيسية / مقالات / حلب بين دولتين

حلب بين دولتين

محمود الزيباوي|الأربعاء04/03/2020
Almodon.com

ولاية حلب، مع الخط الفاصل بين المناطق التي دخلت الجمهورية السورية وتلك التي دخلت الجمهورية التركية

ولاية حلب العثمانية

دولة حلب في زمن الانتداب الفرنسي.

بين العامين 1922 و1926، أصدر الشيخ كامل الغزي كتابه الموسوعي “نهر الذهب في تاريخ حلب” في ثلاثة أجزاء ضمّت مقدّمة ضخمة وأربعة أبواب رئيسية. في مستهل هذه المقدّمة الضخمة التي احتلّت الجزء الأوّل من هذا الكتاب، تطرّق المؤلّف إلى ولاية حلب ثم إلى دولة حلب، وذكر حدود كل منهما.
تعود ولاية حلب إلى عهد الدولة العثمانية، وتضمّ مجموعة كبيرة من المدن والقصبات والقرى تخضع لأوامر حكامهم التابعين لهذه الدولة. “يحدّها من جهة الجنوب لواء حماة من ولاية سورية التي مركز واليها مدينة دمشق الشام، ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط ثم ولاية أذنة (أي أضنة)، ومن الشمال ولاية سيواس، ومن الشرق ولاية ديار بكر، وولاية معمورة العزيز ولواء الزور”. تستوعب هذه الولاية الشاسعة “مسافة طولها من الشرق إلى الغرب خمس وثمانون ساعة وعرضها من الجنوب إلى الشمال تسعون ساعة، وهذه المسافة كان يحكمها من قبل الدولة العثمانية والٍ مركزه حلب، وتنفذ أوامره إلى متصرّفين اثنين وثلاثة عشر وكيلا يُعرف بالقائمقام”.

كان مركز أحد المتصرفين مدينة الرّها (أي أورفا التركية)، وكان له ثلاثة وكلاء مراكزهم سروج وقلعة الروم والبيرة. وكان مركز المتصرّف الآخر مرعش، وكان له أربعة وكلاء في الزيتون والبستان وأندرين وبازارجق. وأمّا الثلاثة عشر وكيلاً، فمراكزهم: صبة إدلب وبيلان ومنبج ومعرّة النعمان وعينتاب وإسكندرونة والباب وحارم وانطاكية وجسر الشغور وكلّز ودارة عزة التي تُعرف بجبل سمعان والرقة. وكان لهؤلاء الوكلاء عدد من المديرين، كما كان لهؤلاء المديرين عدد من مختاري القرى، “وجميع مديري نواحي الولاية نحو سبعة عشر مديرا، وجميع القرى التابعة مراكز حكامها نحو ثلاثة آلاف وثلاثمائة وأربع وسبعين قرية”.

تحوّلت ولاية حلب إلى دولة بعد سقوط العثمانيين، وذلك بناء على مرسوم صدر بتاريخ 8 تشرين الأول/أكتوبر 1919 تبعه مرسوم آخر صدر بتاريخ أول أيلول/سبتمبر 1920، وباتت حدود هذه الدولة من جهة الشمال التخوم الشمالية لسنجق إسكندرونة، “ثم التخوم الشمالية للمنطقة الغربية القديمة، وآخر نقطة منها تلتقي بالخط الحديدي شرقي محطة هلمن. ثم خط الحديد، وهو داخل التخوم حتى تل أبيض، ثم خط يجمع بين تل أبيض وخابور”. ومن جهة الشرق “نهر الخابور حتى انصبابه في الفرات ثم نهر الفرات حتى أبو كمال”. ومن جهة الجنوب، “الخط المعروف بأبو كمال إلى تدمر ثم الحدود الغربية الشمالية لولاية الشام العثمانية القديمة، ثم الحدود الشمالية للأراضي العلوية المعينة”. ومن جهة الغرب البحر الأبيض المتوسط.

تألّفت دولة من ثلاثة ألوية هي لواء حلب، ولواء اسكندرونة المستقل، ولواء دير الزور. وتألف لواء حلب من عشرة أقضية وهي: جبل سمعان وعزاز والباب ومنبج وجرابلس والمعرة وإدلب وحارم وجسر الشغور وكردطاغ (أي جبل الأكراد في عفرين). وضمّ لواء أسكندرونة انطاكية وبيلان. أما لواء الزور، فضمّ أبو كمال وميادين والحسيجة والحميدي والرقة.

في الخلاصة، ضمّت ولاية حلب العثمانية جميع مناطق شمال سوريا الحالية، كما ضمت عددا كبيرا من المناطق التي باتت جزءا من الجهورية التركية، ومنها عنتاب ومرعش وأنطاكيا وأضنة وأورفا. مع نهاية العثمانيين، أنشأ الفرنسيون دولة حلب ودولة دمشق ودولة جبل الدروز ودولة العلويين، وجعلوا لكل منها علماً خاصا بها. لم يدم عمر هذه الدول طويلا، إذ توحّدت دولتا حلب ودمشق في 1925، ولحقت بهما دولة جبل الدروز ودولة العلويين في 1936، غير ان الصراع استمرّ على عدد من المناطق الشمالية المتاخمة للحدود التركية.

في كانون الثاني/يناير 1937، كتب نجيب الريس مقالة استعرض فيها التحركات السورية التي شهدتها انطاكية حيث تحوّلت الكنائس إلى مساجد “في أعظم مظاهرة سياسية أمام أعضاء لجنة المراقبة الدولية الذين جاؤوا ليشهدوا مقدار دعوى الأتراك في هذا اللواء العربي”، وختم هذه المقالة بقوله: “ها هم العرب المسلمون والنصارى يصلون إلى الله في رهبة وخشوع ويسألونه أن يدفع شر الدخلاء عن وطنهم وأن يحمي لهم هذه القطعة العزيزة من بلادهم ويبقيها سورية عربية للعرب المسلمين والنصارى”.

في هذه الحقبة، نشرت مجلة “الجمهور” اللبنانية طائفة مختارة من تعليقات الصحف البريطانية الكبرى حول قضية الإسكندرونة، ومنها تعليق لجريدة “الدايلي تلغراف” جاء فيه: “مما لا ريب فيه ان العلاقة بين الأتراك والعرب ليست على ما يُرام منذ ابتداء هذا القرن، أي منذ بدأ الأتراك حملتهم المشهورة لتحقيق الوحدة الطورانية، فرد عليهم العرب بفكرة الوحدة العربية. وتطوّرت الأيام بعد ذلك، فتناثرت الفكرة الطورانية مع رياح الحرب، وقامت الدولة الكمالية في تركيا، تسعى إلى توطيد القومية التركية أولا. ولكن فكرة الوحدة العربية لم تمت، بل وجدت ما شجّعها على الاتساع، وتحقّق قسم لا بأس به. والثابت حتما أن الأتراك يطمحون إلى استعادة سابق عزّهم، وهذا أمر طيعي في جميع الأمم القوية، لا سيّما وأن حب الفتح والغزو والاستعمار يسري في عروق الأتراك منذ قرون طويلة. ولا ريب أنهم يتجهون بأنظارهم مرة أخرى نحو الشرق، أي نحو البلاد العربية، لأنها أقرب البلاد إليهم وأقلّها صموداً في وجههم، فإذا قامت دولة قوية ذات سياسة عربية صريحة ترمي إلى تحقيق الوحدة العربية، لم تقض فقط على المطامع التركية، بل تهدّد أيضا سلامة العناصر التركية في السنجق. هذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت الأتراك يعودون إلى انتزاع اسكندرونة من سوريا قبل أن تصبح ذات جيش وسيادة دولية”.

في 13 شباط/فبراير، عادت “الجمهور” ونشرت مقالة عنوانها: “قضية اسكندرونة ويقظة تركيا تفتحان عيون العرب على مستقبل خطر”، وفي الأسبوع التالي، نشرت مقالة أخرى من توقيع الدمشقي هاني الجلاد عنوانها: “باب سوريا لا حارس ولا خافر ولا رقيب، ينابيع يلان وبحيرة انطاكية ومنعرج العاصي”، وفيها استعاد الكاتب بلغة أدبية وجدانية تاريخ عدد من المناطق التي استعادها تركيا، وقال في الختام: “قل لهؤلاء الذين يدعمون الصداقات الدولية على حسب البلد السوري، رفقاً بهذا البلد الذي تفيض عيناه بالدموع حزناً من جراء سياسة التطويق والتجزئة، فهو لا يستطيع أن يبسط يده في تناول لقمته لأن هذه اليد المغلولة قد أصبحت مقطعة الأصابع لا يجد بها ظفرا يحك به جسده، بينما الدهر ينتظره بكالحات الخطوب وحالكات المفاجآت”.

استقرّت الأوضاع في السنوات التالية، وارتسمت الحدود بين الجمهوريتين التركية والسورية، ولو بشكل غير كامل بالمطلق. في العام 1948، تحت عنوان “تركيا لا تطمع في ضمّ حلب”، نشرت صحيفة “النهار” اللبنانية خبرا يقول: “سرت أخيراً أنباء من مصادر شتى تشير إلى وقوع مظاهرات في حلب وشملي سوريا للمطالبة بالانضمام إلى تركيا، وقالت هذه الأنباء ان العلم التركي رُفع على قلعة حلب، ولكن جريدة “اولوس” شبه الرسمية نشرت بياناً أوضحت فيه الموقف وقالت أنه لا صحة لهذه الأنباء، وقد روّجها الذين يرون من مصلحتهم تعكير صفو الأمن في الشرق الأوسط. وأضافت الجريدة: “اننا واثقون من أن عهد الغزوات قد أُبيد من تاريخ العالم، ولن تقذف تركيا بنفسها في هوّة المغامرات، فنحن بحاجة إلى تحسين بلادنا، وعزّة أرضنا أهم بكثير بالنسبة إلينا من غزو بلاد جديدة، والمكانة التي اكتسبناها في الشرق الأوسط كعامل من عوامل السلم أهم لدينا بكثير من كل المغامرات الأخرى”. بحسب ما ورد في صحيفة “النهار”، على أثر صدور مقالة “أولوس”، قيل “في الأوساط العليمة ان الحكومة التركية تستنكر حملات بعض الصحف التركية التي تنوّه بأن حلب منطقة تركية وتطلب ضمّها إلى تركيا”.

يعود هذا الصراع الخفي في عهد “العثمانيين الجدد”، وينفجر اليوم في ظروف مغايرة مع اشتداد الصراع في إدلب ومحيطها. يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إنشاء منطقة آمنة بعمق 30 إلى 40 كيلومتر داخل الحدود السورية، ويرى برهان دوران، مدير مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية “سيتا”، ان القتال الذي يدور اليوم في ادلب بإمكانه أن “يمتد إلى حلب وتل رفعت وعين عيسى وشرق الفرات” في سبيل تحقيق هذا الهدف.

اضف رد