حكومة نظيفة أو لا حكومة؟

قرار الرئيس سعد الحريري بالاستقالة لم يعجب شركاءه في الحكم. اقفل الطريق امام صهر العهد الوزير جبران باسيل للعودة وزيراً رغم تصريح التكتل النيابي الابرز بانه هو من يسمي وزراءه. تصريح يستشفّ منه ان اعضاء التكتل إما أنهم يكابرون وإما انهم لم يفهموا لغة الشارع.

القرار تحدى “حزب الله” وسيده. اللاتغيير الحكومي سقط بالضربة القاضية. والعقدة الداخلية والخارجية معاً، تكمن في ان الحكومة المقبلة هل تكون بالحزب او من دونه؟ والقرار لم يرضخ لتمنّي الرئيس نبيه بري الذي تأخر الرئيس الحريري في إعلامه بقرار الاستقالة. ولن يكون سهلاً إشراك وجوه بارزة ومعروفة من ممثلي القمصان السود.

بالامس، كانت رسالة واضحة، داخلية، وربما عابرة للحدود، ان لا حكومة تكنوقراط، ولا حكومة تحجّم العهد، ولا حكومة من دون “حزب الله”. قبل ان يغرد نائب سوري سابق: “لن نقبل بسعد الحريري رئيساً للحكومة في لبنان بعد اليوم… قرار سوري نهائي”.

ربما يرى البعض ان تلك العبارات لا تحمل رسائل مباشرة، وقد تكون من باب التحليل او التمني. لكن الحقيقة انها تعبّر عن جوهر المشكلة. فعدم تحديد رئاسة الجمهورية موعداً للاستشارات النيابية الملزمة (ملزمة في اجرائها أم في نتائجها؟) يعني ان الارباك لا يزال سيد الموقف، وان الاتفاق على اسم رئيس الحكومة المقبل لم ينجز بعد، وبالتالي فان لا كلمة سر صدرت للنواب.

الخيارات امام تسمية رئيس مكلف تأليف الحكومة الجديدة ضيقة للغاية. لا امل لوجوه 8 آذار الطامحين الى الموقع، جميعهم تنقصهم الكفاءة، وقدرة التواصل مع العالم الخارجي، لمحاولة انقاذ الوضعين الاقتصادي والمالي. وخيارات بعيدة من “بيت الوسط” ستشكل انتحاراً للعهد الغارق اصلاً في بحر من التعقيدات.

أما شكل الحكومة فحدِّث ولا حرج. اذا لم تكن ميّالة الى التكنوقراط، واستعادت وجوهها القديمة، البالية، فالشارع سيتحرك من جديد، ليهز الارض تحتها. لا ثقة في معظم الوجوه المجرّبة، خصوصا تلك التي تحوطها الشبهات المالية. والاجدى بالعهد وبكل المسؤولين سَوق هؤلاء الى المحاكمة لا اعادة تنصيبهم في مواقع المسؤولية.

عبَّر عن ذلك امس الرئيس ميشال عون بقوله: “ستكون للبنان حكومة نظيفة، والحراك الذي حصل فتح الباب امام الإصلاح الكبير، واذا برزت عوائق، فالشعب يعود من جديد الى الساحات”.

لكن الصراع على السلطة في اي حكومة ليس مع الشارع الغاضب، بل ما عرفناه على الدوام، هو صراع اهل السلطة انفسهم على الحقائب، وخصوصا على تقاسم الدسمة منها، وصراع “المحافظة” على مذهبية الحقائب حتى صارت المداورة ممنوعة، وصارت الحقائب المسماة “سيادية” محظورة على ابناء المذاهب غير المصنفة “سيادية” من دون اعتبار الكفاءة والجدارة والخبرة.

الحكومة الجديدة ليست في الاسماء فقط، بل في المعايير، والكفاءة، وإلا لا تكون حكومة، والارجح انه، اذا تصلّبت الاحزاب والقيادات، واستمرت وفق قواعد اللعبة ذاتها، والحسابات الضيقة والوضيعة نفسها، لن تكون حكومة.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb / Twitter: @ghassanhajjar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*