الرئيسية / مقالات / حكومة تفليسة… وانقلاب دستوري

حكومة تفليسة… وانقلاب دستوري

متظاهرون على أوتوستراد جل الديب (رينه معوّض).

ليس في ما تسرب من معلومات حول الحكومة العتيدة ما لا يلبي فقط مطالب اللبنانيين الذين انتفضوا قبل اكثر من شهر ونصف الشهر رفضا للفساد، بل يخشى ان الحكومة لن تتمتع بالثقة التي يسمح لها ان تكون على مستوى المرحلة الحرجة والخطيرة جدا التي يعيشها لبنان. فهل هذه الحكومة على مستوى المرحلة او على مستوى اعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها او انها لمهمة اخرى؟ هي ليست كذلك على الارجح ولن يعفي الافرقاء السياسيين الذين يستخدمونها كواجهة التنصل من تبعة الدفع بالبلاد الى الانهيار الكلي او الى طلب الحكومة الاستعانة بصندوق النقد الدولي من اجل ادارة الشأنين الاقتصادي والمالي على رغم التعقيدات التي تحوط بهذا الموضوع.

فالاحزاب والقوى السياسية تعاملت مع الازمة على الاسس نفسها التي حكمت تعاملها سابقا مع عملية تأليف الحكومات مع فارق جوهري هو انهم يعيشون حال انكار لمدى الخطورة وحال تجاهل لا سابق لها. وكأنهم بذلك يضحكون على اللبنانيين ويستخفون بهم على قاعدة ان الهم، كل الهم، هو الاتيان بحكومة جديدة يوزر فيها بعضا من انصارهم في الحراك لارضاء هذا الاخير في ظل استهانة مخيفة بالمشاكل المطروحة والرغبة في ايجاد حلول فعلية. فلا يتوقع للحكومة التي تنطلق على القواعد التي ارستها هذه القوى ان تحظى باي ثقة بقدراتها على ادارة شؤون البلد في هذه الظروف ويخشى ان تكون الحكومة “وكيلة تفليسة” اريد للسيد سمير الخطيب الذي تم اختياره ولم يرفض العرض بان يكون حاملا للقب رئيس الحكومة. وليس خافيا على الوزراء الذين سيحظون بفرصة ان يكونوا اعضاء في الحكومة العتيدة انهم وكما رئيسها وزراء لمرة واحدة يتوقع ان تفشل في اتاحة مرحلة انتقالية معقولة للانهيار الحاصل. فاذا كان الرئيس سعد الحريري لم ير للمرحلة الحالية سوى ما عرضه من حكومة انقاذ فان اي حكومة لا تتمتع بالمعايير نفسها رئيسا واعضاء ستكون دون المستوى بطبيعة الحال ولن تحظى بثقة اللبنانيين مما يؤدي عملانيا الى عدم تمتعها بثقة الخارج ايضا. والسؤال في هذا الاطار يتمحور حول جملة عناصر من بينها كيف يمكن الافرقاء السياسيين التنصل في ظل حكومة مماثلة من تحمل المسؤولية المباشرة عن الانهيار؟

يخشى وزراء في الحكومة المستقيلة ان هناك اجندة سياسية ستترافق مع حكومة من هذا النوع من خلال برنامج عمل يهدف الى التضحية السياسية بكبش محرقة او باكثر من واحد في ظل تفاقم الحال الانهيارية على خلفية ان توجيه الانظار الى مسؤولية بعض الشخصيات على غرار ما يحصل بالنسبة الى حاكم المصرف المركزي رياض سلامه انما يرمي الى اصابة اكثر من عصفور بحجر واحد. وهو امر سيطاول بنسب مختلفة المعارضين للقوى المسيطرة عبر ممارسات ترهيبية لمنع المعارضة او الحؤول دون تصعيدها. فليس صحيحا في ظل الصراع الاميركي الايراني ان تسجل ايران خسارة لنفسها او لنفوذها في بيروت وذلك من خلال السعي الى تدعيم مرتكزات هذا النفوذ وتأمين تمدده الى قطاعات اخرى على غرار ما حصل بالنسبة الى الحكومة العتيدة. ففي نهاية الامر اعتبر كثر ان ما صرح به مسؤولو الحزب او نوابه حول طبيعة الحكومة هو الذي سيسري في مؤشر يوحي او يراد منه تسجيل انتصار رمزي او عملاني على ما يعتقد ان الاميركيين دفعوا في اتجاهه اي حكومة من التكنوقراط برئاسة سعد الحريري من اجل ابعاد الحزب عن الحكومة فانتهت النتيجة الى خروج الحريري من رئاسة الحكومة وفشل تأليف حكومة تكنوقراط فقط. والمخاوف من الاهداف السياسية يعبر عنه التجاوز الكبير لرئيس الجمهورية في المماطلة ازاء الدعوة الى الاستشارات النيابية الملزمة وتأليف الحكومة بالنيابة عن رئيس الحكومة الذي سيكلف ايا يكن كأنما رئيس الحكومة هو تحت مظلة كل من التيار العوني و”حزب الله” وليس موقعا دستوريا قائما بذاته ومستمدا شرعيته من واقع الطائفة السنية. والجدل الاعلامي والسياسي الذي نشأ بين رؤساء الحكومات السابقين ورئاسة الجمهورية انما يشكل مؤشرا الى رفض الطائفة السنية هذا التجاوز الدستوري بما يحرج الحريري نفسه كما يرفع الغطاء عن اي رئيس محتمل لرئاسة الحكومة يعمل على تلبية شروط الاحزاب السياسية ويرتضي تسلم حكومة جاهزة مؤلفة من هذه الاحزاب والطوائف قبل تكليفه. والاتهام في هذا السياق الذي يطاول رئيس الجمهورية حول نسف اتفاق الطائف عبر هذا الاداء وقد اشار اليه ايضا رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط من مقر عين التينة بالذات يؤشر الى ان الازمة قد تفتح او هي بالاحرى مفتوحة على افق سياسي خطير في ظل استرهان رئيس الجمهورية موقع رئاسة الحكومة للضغط على الحريري او على الطائفة السنية ككل. والاقتناع نفسه ازاء المجيء بحكومة مماثلة انما يستند الى واقع ان القرار السياسي سيبقى في يد الاكثرية السلطوية في حين ان الحكومة ستكون واجهة ليس الا لتأكيد او تثبيت هذه السيطرة.

ومن ضمن المخاوف نفسها لدى الوزراء الخارجين ان انطلاق الحكومة بهذا المستوى من المشكلات والتشكيك سيفشل عملية اقلاعها بحيث قد تهوي بسرعة لانها لن تحظى بفرصة سماح لا لثلاثة اشهر ولا لشهر حتى. ويخشى ان المؤشرات التي اعطيت من السلطة السياسية حتى الان بالغة السلبية في ظل سعي الافرقاء السياسيين الى تعويم انفسهم سياسيا بعدما اهينوا في الشارع لكن من دون ايلاء اي اعتبار لما قد تحمله الاشهر القليلة المقبلة لانه قد يكون كارثيا بكل ما للكلمة من معنى. فالسياسيون لا يقاسمون اللبنانيين همومهم وهواجسهم وهؤلاء بات يتملكهم الرعب من المرحلة المقبلة بحيث يخشى ان الفوضى والانفجار الاجتماعي والاقتصادي هما ابرز عناوين الاشهر المقبلة.

اضف رد