حكومة تصنع العجائب؟

راجح الخوري
النهار
18102018

لا معنى للحديث عن وصول “كلمة السرّ”، التي قيل إنها انتشلت عملية تشكيل الحكومة العالقة في الصراع على الحصص والأحجام منذ خمسة أشهر، لا ليس هناك من أسرار، لا الإيراني العالق في مشاكله الإقتصادية يمكنه مواجهة العقوبات الأميركية بتعطيل قيام السلطة التنفيذية في لبنان، ولا السعودي العالق في اليمن ومتطلبات الأحداث الأخيرة، يمكنه مواجهة التحديات الإيرانية بالفراغ الحكومي عندنا!

كلمة السرّ ليست سراً وقبل ان يسمعها الرئيس ميشال عون من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أرمينيا، كان السفير الفرنسي في بيروت برونو فوشيه والسفير بيار دوكان المكلف متابعة مقررات مؤتمر “سيدر”، قد أعلناها صراحة للمسؤولين اللبنانيين وعلى الملأ: أحزموا أمركم وإلا فإن المليارات الـ١١ التي رصدت للبنان ستدوّر الى دول أخرى !

ولأن لبنان تعلكه أزمة إقتصادية مستفحلة، ولأن “سيدر” يمثل فرصة أخيرة للبدء بالخروج من الأزمة وإن لم نستغلّها فلن تتاح لنا أي فرصة من الدول المانحة، دبت الحرارة في الساعات الأخيرة في عروق عملية التشكيل، التي كانت مجمّدة بسبب الجشع والمحاصصة وحب تكسير الرؤوس، وباتت الحكومة في متناول اليد!

قياساً بما تردد عن لون هذه الحكومة وطعمها وروائحها، ليس من عاقل في هذا البلد السعيد، يأخذه الوهم بأنها ستكون قادرة على تنفيذ الإلتزامات، التي تعهد لبنان أمام الدول المانحة القيام بها، وخصوصاً لجهة تنفيذ البرنامج الإصلاحي. ويكفي ان نتذكر آخر الفصول الفاضحة التي يشهدها اللبنانيون، وهي قصة تشريع المولدات وتكبيد الناس مبالغ كبيرة لتركيب العدادات، بما يعني ان الدولة السعيدة لا ولن تعرف متى وكيف يمكنها ان تؤمن الكهرباء!

بالعودة الى الحكومة واضح ان أسس المحاصصة السياسية التي تقوم عليها لن تكون قادرة على القيام بالإصلاح المطلوب، على الأقل بسبب الذهنية الزبائنية والشعبوية، التي تبيّن أنها لم تتوقف عن التوظيف حتى في ظل فترة تصريف الأعمال.

يحتاج المواطن اللبناني الآن الى كثير من الغباوة، لكي يصدّق أن الذين تراشقوا بالإتهامات ونبشوا القبور من كل الأفرقاء، سيخلعون كل هذه الكراهيات السياسية والحزبية على مدخل السرايا ويدخلون جنود إصلاح وإنقاذ، ليشكّلوا فريق عمل متجانساً متفاهماً ومتعاوناً يستحق تسمية “حكومة وحدة وطنية” التي يصرّ عليها الرئيس سعد الحريري، الذي قد يجد نفسه من جديد حكماً وسط حلبة الملاكمة يتلقى من اللكمات أكثر من المتلاكمين، وهو ما سبق له ان تعرّض له!

كان يمكن الإحتفاظ ببقية من الأمل، لو أننا سمعنا منذ خمسة أشهر كلمة واحدة عن تصوّر لحلٍ، أو خطة لعملٍ، أو برنامج لإصلاحٍ، أو خريطة لتطويرٍ، أو إنهاء لهدرٍ، أو محاسبة لفسادٍ، أو وقف لسرقةٍ، لكننا سمعنا دائماً بنعمة الله تعالى، صراخاً لمحاصصةٍ، وصراعاً لحجمٍ، وخلافاً لمقعدٍ، وخناقاً لإسمٍ، ولهذا لا ننتظر عجائب الحلول من معظم السياسيين الذين يغرقوننا في عجائب الفضائح، وكان الله في عوننا وعون سعد الحريري!

rajeh.khoury@annahar.com.lb

Twitter: @khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*