الرئيسية / مقالات / حكومة التناقضات والاختلافات تهتزّ ولا تسقط

حكومة التناقضات والاختلافات تهتزّ ولا تسقط

تسير حكومة “إلى العمل” في طريق محفوف بالتعقيدات والمشاكل، تبدأ من التجاذبات الخارجية وتنازع قواها من أكثر من محور، في استعادةٍ لاصطفافَيّ 14 و8 آذار، وإن بطبعة جديدة. وهذا الصراع الخفي سرعان ما يتفجّر بين الحين والآخر بمواقف تهدّد بتعطيل عمل مجلس الوزراء، كما هو واقع الحال الذي نتج عن لاءات رئيس “تكتل لبنان القوي” جبران باسيل، التي أعلنها في ذكرى الرابع عشر من آذار.

في مرحلة التأليف، عندما ظنّ “الثنائي الشيعي” أن الرئيس سعد الحريري ورئيس “التيار الوطني الحر” عقدا اتفاقاً ثنائياً من تحت الطاولة حول كل الملفات، وصولاً إلى تقاسم التعيينات في الادارات والمؤسسات الرسمية، تعثّرت عملية التأليف الحكومي. اليوم، ومع ظنّ الفريق “السيادي” بأن الوزير باسيل يرشقه بالاتهامات، ليخطب ودّ فريق “الممانعة” بمسايرته في أكثر من ملف، يُستنفَر في هجوم دفاعي يهدّد بتعطيل الحكومة. وليس الردّ القاسي لتلفزيون “المستقبل” على ما قاله الوزير باسيل إلاّ جانباً من ردود الفعل التي تكبر ككرة الثلج.

صحيح أن مصادر رئيس الحكومة ورئيس التيار الوطني الحر تؤكد أن لا علاقة للخارج بهذا السجال المستجّد، وأنه لا يعدو كونه انعكاساً طبيعياً لمقاربتين مختلفتين لقضايا داخلية وأخرى ذات طابع خارجي، إلا أن هذا الصراع يجعل الحكومة في موقع العربة التي يشدّها حصانان كل منهما في اتجاه، ما يؤدّي تلقائياً إلى توقفها وشلّ عملها.

من جهة، تقول المصادر المطلعة على موقف الوزير باسيل، “إن في كلامه مبادئ عامة ومعادلات لا تنطوي على أي خلاف حكومي، فلماذا يعتبرون أنفسهم مستهدفين فيها؟ كلام الرئيس الحريري في مؤتمر النازحين كان ممتازاً، كذلك ما قاله عن الفساد والمرتشين من بعبدا. لكن في موضوع النازحين، ليس المهم أن نتفق على سياسة موحدة في البيان الوزاري بل المهم تنفيذها. وفي مكافحة الفساد، لا يجوز أن يتحوّل الأمر إلى قضية طائفية كلما فُتح ملف، تُقام. كيف يكون الاصلاح إذا قال كل فريق فلان خط أحمر؟”. وفق هذه المصادر، هناك عملية قطع حساب ستتمّ. وهناك مسألة مال عام مهدور. وبانتظار انتهاء عمل لجنة المال والموازنة النيابية وإنجاز عملية قطع الحساب، وتدقيق البنود المالية، لا اتهام لأحد. مجلس النواب هو من يتخذ الموقف المناسب، والقانون يجب أن يُنفّذ. فإما يكون هناك إصلاح أو لا يكون. وإذا كانت الغاية تعطيل العهد فعندئذ فلتتعطّل الحكومة أيضاً”.

في المقابل، تصرّ مصادر رئيس الحكومة على تبني مقدمة نشرة أخبار “تلفزيون المستقبل” في قراءتها لكلام الوزير باسيل. فهو عندما يقول عمن ذهب إلى “مؤتمر بروكسيل”إنما ذهب إلى “مؤتمر تثبيت النارحين”، وعندما يقول “لا حكومة ولا حكومة ولا حكومة”، إذا كان يتكلم عن مبادئ عامة، فيكون ردّ “تلفزيون المستقبل” أيضاً مبادئ عامة. الرئيس الحريري ومن مؤتمر بروكسيل تكلّم عن العودة الآمنة بحسب القانون الدولي وكما جاء في البيان الوزاري. وفي هذا الموضوع يجب أن تكون الرؤية واضحة انطلاقاً من قواعد ثلاث:

– أولاً: نريد عودة النازحين اليوم قبل الغد. وهذا مبدأ نكرّره في كل مناسبة. ولكن بانتظار أن تتحقّق العودة الآمنة، لن نفوّت الفرصة على لبنان بالحصول على مساعدات دولية تساعده على تحمّل أعباء النازحين. ومن يرى عكس ذلك، فليقم بإعادتهم ولا أحد يمنعه.

– ثانياً: تكليف المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبرهيم بهذا الملف لم يُعِد النازحين.

– ثالثاً: تكليف فريق لوزرائه بالذهاب إلى سوريا والعمل مع النظام السوري لإعادة النازحين لم يُعِدهم.

– رابعاً: هناك مبادرة روسية لإعادة النازحين، ولم يتعاون معها من الدول المعنية إلا لبنان، وهي أيضاً لم تُعِد النازحين.

لكل ما سبق، بدلاً من المزايدة يجب على الجميع العمل على إعادة النازحين. وبالانتظار، هناك مؤتمر دولي من أجل النازحين، فهل نقاطعه؟”، تسأل مصادر رئيس الحكومة.

“ولمن يصرّ على “الإبراء المستحيل” طريقاً للإصلاح، فوفق مصادر الحريري أن هذا هو الافتراء المستحيل، لأن مكافحة الفساد لا تكون بالكيدية السياسية بل بتطبيق القوانين. وليس مقبولاً مهاجمة الرئيس الحريري و”تيار المستقبل” كل ما دقّ الكوز بالجرّة”.

تصرّ المصادر نفسها على تبني ما اتهم به تلفزيون “المستقبل” بأن “كلام وزير الخارجية لا خلفية له سوى المزايدة وتقديم أوراق اعتماد لفريق الممانعة أي حزب الله وسوريا، إلا إن كلامه لن تكون له أي مفاعيل على عمل الحكومة، وإلا فإن مثل هذا التوتير للأجواء سيؤدي إلى فركشة الحكومة والعهد، فهل هذا ما يريده باسيل أم أنه يريد إنجاح العهد؟”.

لا ترى مصادر رئيس الحكومة أي رابط بين موقف الوزير باسيل، وزيارة الرئيس الحريري إلى المملكة العربية السعودية ولقائه الملك والمسؤولين السعوديين، ولا مع زيارة وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو المرتقبة إلى لبنان. مذكِّرة بالجلسة الجيدة التي عقدها باسيل مع رئيس الحكومة عشية سفره إلى مؤتمر بروكسل وغداة عودته من الرياض وفيها لم يظهر أي خلاف بينهما.

وفيما ظنّ البعض أن انتقال الرئيس الحريري من بروكسل إلى باريس تحت عنوان إجراء فحوصات طبية، قد يكون نوعاً من الاعتكاف، نفت مصادره أي كلام عن اعتكاف، وقالت إنه عائد بعد انتهاء فحوصاته الطبية، وأن مجلس الوزراء سيدعى للانعقاد هذا الاسبوع.

من جهته، رئيس الجمهورية وكما ينقل عنه زواره أن وراء هذا الصراع الخفي مفهومين مختلفين في مقاربة الأمور داخل الحكومة، إلا أنه يعبّر عن تصميم على الإصلاح كما على إعادة النازحين. ويلاحظ زواره أن ما قاله باسيل في هذين الملفين هو لسان حال الرئيس عون الذي يذكّر من يراهن على نفاد صبره، أنه وكما تشبّث بوضع قانون انتخاب جديد ونجح رغم كل محاولات العرقلة، كذلك سينجح بتحقيق الإصلاح وبإعادة النازحين رغم كل ما يتوقّعه من عراقيل.

ورغم كل ذلك، يبدي الرئيس عون اطمئناناً إلى أن الأمور ستبقى مضبوطة ضمن هذا الهامش من العمل السياسي.

تحت هذا السقف العالي من المواجهة، تعود حكومة “إلى العمل” إلى جلساتها، وكل فريق يجلس مع نقيضه الآخر، متسلحاً بعدة المواجهة التي يضعها جانباً عند عقد الاتفاقات التكتية بالمفرّق، متأهباً لإمكان سقوط التسوية الكبرى التي يقوم عليها العهد ومعه الحكومة في أي لحظة، لا سيما إذا ما خرج منها إحدى ركائز السيبة الثلاثية: رئيس الحكومة وفريقه، الفريق الرئاسي والثنائي الشيعي.

Twitter: @HodaChedid

Email: hodashedid@hotmail.com

houda.chedid@annahar.com.lb

اضف رد