الرئيسية / home slide / حكواتي إسطنبول: رسائل المؤرخ أيلبير أورتايلي عن تركيا اليوم

حكواتي إسطنبول: رسائل المؤرخ أيلبير أورتايلي عن تركيا اليوم

 محمد تركي الربيعو
القدس العربي
27032021

في فترة الثمانينيات، كان المؤرخ التركي أيلبير أورتايلي قد عرف من خلال أطروحته «أطول قرن من الامبراطورية» في إشارة للقرن التاسع عشر، الذي عرف تطورات كبيرة على صعيد الحياة السياسية والاجتماعية العثمانية، ورغم أنّ هذا الكتاب لم يكن الأول الذي صدر له في هذا السياق، إذ سبقه كتاب آخر صدر في عام 1980 بعنوان «النفوذ الألماني في الإمبراطورية العثمانية»، إلا أنّ كتاب القرن الأطول، كشف آنذاك عن إدراك كبير من قبل هذا المؤرخ لحساسية تلك الفترة، ولطبيعة الفاعلين الجدد، الذين أخذوا يلعبون دوراً في الحياة العامة مثل، مدحت باشا وغيره من الإصلاحيين في البلقان، أو العالم العربي.
مع ذلك، لن يتعرّف القارئ العربي على هذا المؤرخ، وتحديداً على هذا الكتاب، إلا بعد مرور عقدين وأكثر تقريباً، مع صدور الطبعة العربية بعنوان مختلف «الخلافة العثمانية: التحديث والحداثة في القرن التاسع عشر»، وطُبِع يومها عن دار قدمس بالتعاون مع الملحقية الثقافية التركية في دمشق، التي كانت قد تولّت مهمة دعم بعض الترجمات عن التركية، بدعم من وزارة الثقافة التركية، ما مثّل فرصة لبعض دور النشر للسير أكثر في خطوة ترجمة الروايات والمؤلفات التاريخية التركية، وربما بدت هنا حظوظ أورتايلي أفضل من غيره من المؤرخين الأتراك، فرغم تأخره، إلا أنه وبعد سنوات قليلة من الخطوة، ترجم الكثير من كتب هذا المؤرخ غزير الإنتاج للعربية، وهي كتب صدر معظمها عن الدار العربية للعلوم، بترجمة الراحل عبد القادر عبد اللي، وجاءت متنوعة في موضوعاتها، وغالبا ما ركزت على التاريخ الثقافي العثماني، والعلاقات العثمانية الأوروبية. ولم يتوقف الاهتمام بمؤلفاته على ترجمة هذه السلسلة، وإنما سيشمل كتابه الماتع عن «الغازي أتاتورك»، الذي أعاد فيه قراءة جذور هذا البطل القومي، من خلال ربطه بالتاريخ العثماني، فهو لم يعد، وفقاً للسرديات الجديدة، ذئب الأناضول (في إشارة للبعد القومي التركي)، بل هو الغازي والجندي العثماني الأخير، الذي اضطر إلى إلغاء الخلافة لأسباب جيوسياسة وتكتيكة، كما يذهب لذلك أستاذه أينالجيك، ما يعني إعادة الوصل مع التاريخ التركي الطويل.

التاريخ التركي الطويل

ولعل الجميل في ما كتبه أورتايلي في السنوات الأخيرة، أنه عوضا عن الاهتمام بالقرن التركي الأطول (في إشارة للقرن التاسع عشر)، كان يسافر بنا إلى شوارع إسطنبول ومقابرها وحماماتها والحياة العامة في المدينة منذ القرن السادس عشر. كما أنه كشف، في كتابه الأخير، عن أسلوب آخر من الكتابة التاريخية، أقرب ما يكون للأسلوب الروائي منه للكتابة المنهجية، التي ميّزت كتبه الأولى، وهو ما دعا بعض القراء والمتابعين له إلى وصفه بـ»الحكواتي»، كونه لم يعد يكتب، كما يفعل المؤرخون عادة، إلى كم كبير من المراجع، وإنما يعتمد على خلاصات ما قرأه وكتبه على امتداد عقود طويلة، وهو ما قلل وفقا لهؤلاء القراء من قيمة ما يكتبه.
ويبدو أنّ أورتايلي بدا مدركاً لهذه الإشكالية، لكنه خلافاً لهذا النقد المتسرع، لا يرى أنّ أسلوبه الجديد في الكتابة التاريخية أمرا سلبيا، بل على العكس من ذلك، فهو يرى أنّ واحدة من أزمات الكتابة التاريخية، تكمن في عدم قدرة بعض المؤرخين على تجاوز الأسلوب التقليدي، فـ»التاريخ باعتباره نوعا من أنواع الكتابة ليس علم فيزياء، وليس علم طب، بل هو فن، ونوع آخر من الإبداع»، ويبدو من خلال هذا الكلام كأنه يعكس حالة القلق التي تبديها أقسام التاريخ، مع دخول علوم ولاعبين آخرين على هذا الحقل من علماء الأنثروبولوجيا والألسنيات، الذين كان لهم دور بلا شك في انفجار حقل التاريخ الفرنسي، وولادة مدرسة الحوليات، كما يرى جاك لوغوف مثلاً، كما أنّ النظر للكتابة التاريخية بوصفها فنا، تكشف أيضا الحيرة التي بات يشعر بها بعض المؤرخين حيال ما يكتبونه مقارنة مع بعض الروايات التاريخية، التي ظهرت أيضا كمنافس سردي، يحظى بمتابعة كبيرة من قبل الجمهور، إضافة إلى ظهور أفلام الوثائقيات وغيرها من أدوات التاريخ الشعبي، إن صح التعبير، كمنافس جديد يكسر احتكارهم لسرد الأحداث.
وسيعود أورتايلي ليعبر عن هذه الإشكالية في كتاب صادر له حديثا بالعربية «العصر الذهبي للأتراك» ترجمة مجد صالح، من خلال التساؤل حول كيف تصل المؤلفات التاريخية للجمهور؟ وفي سياق الإجابة عنه، يرى أنّ ذلك مرتبط بالمؤرخ، الذي عليه إنشاء نص يمكن للجميع الاستفادة منه، بدلاً من التركيز على النصوص الأكاديمية التي بالكاد تُقرأ. ولن يقف عند هذا الحد، بل نراه في مقدمته لهذا المؤلَّف يؤكد على عدم ضرورة وجود أقسام لدراسة التاريخ، بل على الطلاب الصغار دراسة أقسام مثل الهندسة والطب والحقوق أو أي مجال آخر، وبعدها بسنوات يمكن للمهتمين إكمال دراساتهم العليا في هذا الحقل «لأنه أشبه بالجريمة، أن نأخذ شابا في الثامنة عشرة من العمر ونجبره على دراسة التاريخ»، بل يجب تنشئته على الكتابة التاريخية بعد إدراكه لعدد من العلوم والأفكار الأخرى، كما أنه يؤكد في هذا الشأن على ضرورة أن لا يقتصر اهتمامنا على عالم العثمانيين مثلا، وإنما يرى أنّ أي إدراك له لا يكون، بدون التأسيس لتاريخ عالمي مواز في المقابل، وهنا يبدو عاتبا بعض الشيء على المؤرخين الأتراك، الذين لا يبدون اهتماما بتأسيس تاريخ ثقافي عالمي، بل يقتصرون في دراساتهم على دراسة المصادر المحلية.

والممتع في ما كتبه أورتايلي، أنه سيقترب بنا أكثر من مشهد ما بعد الدخول، وشخصية هذا الشاب الذي قاد المعارك وانتصر، قبل أن يأتي حفيده (سليم يافوز) وابن حفيده (سليمان القانوني) ليؤسسا لأكبر امبراطورية إسلامية وعالمية في فترة القرن السادس عشر.

الحكواتي الأكاديمي وتركيا اليوم:

وعودة إلى كتابه الاخير المترجم للعربية، والصادر بالتركية عام 2017، يظهر هذا المؤرخ الأكاديمي، حساً حكواتياً يُحسد عليه ربما، فهو يقرر هنا السفر بنا عبر عوالم الأتراك، ولأن طريقة الكتابة ظلت هاجسا مرافقا له، لذلك سيعتمد هنا أسلوب السؤال والجواب، بدءا بغزوات المغول وتيمورلنك، وما أفرزته من ظروف لظهور قوى جديدة، ومن بينها العثمانيون، ليقف بنا عند أبواب القسطنطينية (إسطنبول) عام 1453. يومها كان يقود جيوش الأتراك شاب صغير في العمر، 21 عاما، لكنه بدا آنذاك يعرف العالم بشكل جيد، ولذلك نراه في معركة غزو أو فتح هذه المدينة، لن يقتصر على الحديث عن مجريات المعارك، وما عرفته من لحظات طاحنة للعثمانيين فقط، بل يكشف لنا أيضاً أنّ أبناء المدينة الأصليين لم يسلموها بسهولة، بل قاتلوا بشراسة، حتى إنّ ملكها (قسطنطين الحادي عشر باليولوج) فضّل أن يُقتل مع جنوده عوضا عن تسليمها، ما دفع الفاتح إلى إقامة مراسم دينية له، تقديراً لموقفه الشجاع.
والممتع في ما كتبه أورتايلي، أنه سيقترب بنا أكثر من مشهد ما بعد الدخول، وشخصية هذا الشاب الذي قاد المعارك وانتصر، قبل أن يأتي حفيده (سليم يافوز) وابن حفيده (سليمان القانوني) ليؤسسا لأكبر امبراطورية إسلامية وعالمية في فترة القرن السادس عشر. ومما يذكره عن محمد الفاتح، أنه بعد أن استولى على المدينة جعلها عاصمة له، ولكن المدينة كانت بحالة سيئة، لدرجة أنه لم يتمكن من المكوث فيها إلا بعد ست أو سبع سنوات، ولذلك أمر الباشوات بإعمار منطقة من المناطق، ولكن بشرط أن يبني مسجدا صغيرا، وإلى جواره حمام وبعض الدكاكين، ثم أخذ الحي يتطور وأطلِق عليه اسم الباشا الذي قام بإعماره مثل مراد باشا وإسحق باشا. كما سنّ بعد دخوله مراسم أخرى للقصر، فوضع مجموعة من القواعد تنظم كيف يأكل السلطان، وكيف يشرب، وكيف يستيقظ وينام، كما رفض تناول الطعام مع الآخرين من باب تمييز نفسه عن حكام العصور الوسطىن الذين كانوا يتناولون طعامهم مع جنودهم. كما نكتشف أنّ الفاتح كان يدرس تاريخ روما، وأنّ معرفته بإيطاليا وجغرافيتها فاقت كل من يحيطه، و أتقن العربية والفارسية واللاتينية، كما أنه أقام علاقات وثيقة مع علماء الإنسانيات في ذاك العصر. ولعل في إشارة أورتايلي الأخيرة هنا، رسالة مبطنة عن الوضع التركي الحالي، إذ اعتاد في السنوات الأخيرة على إرسال رسائل شبيهة للرئيس التركي أردوغان، الذي عادة ما يصفه مؤيدوه بـ»الفاتح الجديد» وكثيرا ما توضع صوره إلى جانب صور تخيلية عن محمد الفاتح، بينما يبدو أورتايلي من خلال أسلوب الحكواتية، الذين كانوا أحياناً ينقلون واقعهم اليومي، ويرسلون رسائل نقد للسلطات المحلية في زمنهم عبر سير الأبطال الشعبيين، وكأنه يقول إنّ الرئيس التركي، خلافا للفاتح الأكبر، ليس قريبا اليوم من علماء الإنسانيات، وإنما أحاط نفسه برجال الأعمال ورفاقه المطيعين، بينما أزيح المثقفون الأتراك وأفكارهم عن دائرته ورؤيته لتركيا الحالية.

كاتب سوري