حقول الموت في زمن “السلام”

 

 

الياس خوري
عن القدس العربي
16102018

منذ سبعين عامًا، أي منذ التطهير العرقي الكبير الذي أعقب حرب النكبة 1948، والعالم العربي يعيش في شرنقة خطاب كان اسمه الصراع العربي-الإسرائيلي، ثم صار اسمه عملية السلام. وفي الحالين: الصراع والسلام، سادت مجموعة من المفاهيم التي صار من الضروري إعادة النظر فيها بشكل جذري.

هل كانت الحروب حروبًا؟ وهل قادنا السلام مع إسرائيل إلى سلام حقيقي؟ أم إن علينا، ونحن في منعطف قرار أمريكي-إسرائيلي يشارك فيه النظام العربي بشكل علني أو موارب ويجد غطاء له في انهيار المشروع الوطني الفلسطيني، أن نبحث عن الحقيقة قبل أن تُفرض علينا وقائع تقول بإنهاء فكرة فلسطين وتأسيس نظام تمييز عنصري سيكون ذروة المشروع الكولونيالي الصهيوني؟

تعالوا في البداية نقدم قراءة أولية للحروب النظامية التي خاضتها الدول العربية، بمشاركة فلسطينية على الأقل في حرب النكبة، لنكتشف ما يلي:

أولاً: إن الحروب الثلاث الأولى لم تكن حروبًا إلاّ بالمعنى المجازي: قيادات الجيوش العربية في حرب 1948 كانت إمّا بيد البريطانيين بشكل مباشر، وإمّا خاضعة لحكومات “صديقة لبريطانيا”، أمّا حرب السويس 1956 فكانت الجزء الختامي لأفول الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية، وكانت إسرائيل تلعب آخر جولاتها قبل أن تلتحق نهائيًا بالإمبراطورية الأميركية الصاعدة. حرب السويس لا يمكن أن نحسبها جزءًا من الصراع العربي-الإسرائيلي إلاّ من ضمن قراءة هذا الصراع كنضال من أجل التحرر الوطني. أمّا حرب حزيران-يونيو 1967، أو حرب الأيام الستة، فكانت إعلانًا صارخًا أن المشروع القومي العربي كان أسير بنيته الاستبدادية الاستخباراتية، ولم يكن يملك قيادة عسكرية حقيقية، فكانت الحرب أشبه بالفضيحة.

ثانيًا: الحرب الوحيدة التي يمكن أن نطلق عليها اسم الحرب هي حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، وقد أثارت مفاجأة اقتحام خط بارليف، بعد عبور القناة، الهلع في إسرائيل، لكن الحرب مثلما رسمتها القيادة السياسية المصرية، وكما حدث على أرض الواقع، قادت إلى نصف انتصار.

ثالثًا: كانت حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 آخر الحروب التي خاضتها الجيوش العربية النظامية ضد إسرائيل، وبعدها بدأت عملية سلام معقدة، من كامب ديفيد إلى أوسلو إلى وادي عربة، وهي عملية بات من الواضح أن أطرها، مثلما ارتسمت في كامب ديفيد وأوسلو، لن تصل إلى تسوية تاريخية للقضية الفلسطينية، لأن أقصى وعود التسوية لم تتجاوز إطار حكم ذاتي فلسطيني، من دون المسّ بالتوسع الاستعماري الاستيطاني، الأمر الذي يعني أن هذا السلام الموعود لن يعوّض أو يصلح شيئًا من الواقع الكارثي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني.

تعالوا نقبل الافتراض الأساسي بأن السلام ضرورة لتخليص المنطقة من مناخ الحرب والدم الذي تعيشه منذ سبعين عامًا.

لكن مهلاً، علينا في البداية أن نحصي خسائر الحرب، ونعدد مكاسب السلام، مثلما تجلّت في الواقع.

لن نحتسب هنا الخسائر الكارثية التي مُني بها الشعب الفلسطيني لأنها خارج صفقة السلام، بل تعالوا نبدأ بالخسائر البشرية التي مُنيت بها الجيوش العربية، وهنا ستكشف لنا الأرقام عن حقيقة مذهلة، فخسائر الجيوش العربية في الحروب العربية-الإسرائيلية الأربع، يضاف إليها قرابة 15,000 من المقاتلين الفلسطينيين خلال حرب النكبة، وصلت إلى نحو 72,000 قتيل، بينما بلغت الخسائر العسكرية الإسرائيلية خلال الحروب نفسها 23,000 قتيل تقريبًا.

(هذه أرقام تقريبية يجب أن يضاف إليها أرقام الأسرى والمعوقين والمفقودين).

طبعًا، إن أرقام خسائر الحروب لا تُحتسب فقط عبر أرقام الجنود القتلى، بل يجب احتساب الدمار العمراني والاقتصادي الذي يرافقها، من دون أن ننسى تأثيرها في البنى السياسية والاجتماعية والنفسية.

السلام لم يُنهِ الحروب الإسرائيلية على الفلسطينيين والعرب

الفكرة التي نحاول طرحها انطلاقًا من ظاهرة جزئية هي الخسائر البشرية، تتمحور حول الدعوة إلى مقارنة خسائر الحرب بخسائر السلام، لنكتشف أن السلام لم يُنهِ الحروب الإسرائيلية على الفلسطينيين والعرب؛ لاحظوا هنا أنه صار لزامًا علينا استبدال تعبير الحرب العربية -الإسرائيلية بتعبير الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين واللبنانيين، لأنها مسلسل من الحروب شنّها ويشنّها جيش نظامي على قوى شعبية مقاومة، وهي حروب بدأت في اجتياح 1982، واتخذت أشكالاً متعددة من احتلال الشريط الحدودي اللبناني، إلى اجتياح الضفة الغربية ومخيماتها، إلى الحروب المتواصلة على غزة.

تعالوا ننسَ فلسطين والفلسطينيين قليلاً، فماذا تقول لنا مشاريع السلام؟

في حمّى الإعداد لهذا السلام قُتل في الحرب الأهلية اللبنانية 120,000 شخص.

وتوالت حقول القتل، كأن الانسحاب من الصراع مع إسرائيل كان إعلانًا ببداية زمن الحروب الأهلية العربية، ومرحلة الحروب الحمقاء: من الحرب العراقية–الإيرانية، إلى اجتياح الكويت، إلى احتلال العراق، إلى تهاوي شرعية الأنظمة العربية في حقول القتل والدم المتواصلة منذ سبعة أعوام.

مَن يجمع أعداد الضحايا من قتلى ومفقودين ولاجئين: الجزائر؛ العراق؛ سورية؛ ليبيا؛ اليمن؛ البحرين؛ وإلى آخر ما لا آخر له…

ما هذا السلام الذي لم يكن سوى مدخل العالم العربي إلى الجحيم؟

وماذا ربحنا من هذا السلام ومن وعوده الخادعة؟

الفكرة التي نحاول التمهيد لها كمشروع ثقافي سياسي، هي محاكمة افتراضات وهمية صارت من شدة تكرارها أشبه بالبديهيات: فالافتراض أن الصراع العربي-الإسرائيلي قاد إلى تدمير المنطقة العربية يحتاج إلى إعادة نظر على مستويين:

المستوى الأول هو قراءة خطاب الصراع بصيغه التي فرضتها الأنظمة الاستبدادية، كغطاء أيديولوجي ـ سياسي للاستبداد، ثم التخلي عنه عندما لاح في الأفق أنه يهدد بقاء هذه الأنظمة إذا استمر حتى ولو على مستوى الخطاب.

إذا لم نكن قادرين على التصرف كمواطنين صالحين ندافع عن وجودنا وبقائنا، فإن واجبنا هو أن نكون على الأقل مثقفين يبحثون عن الحقيقة ويعلنونها مهما يكن الثمن

المستوى الثاني هو قراءة تكلفة ما سُمي سلامًا، فهذا السلام أكثر تكلفة من الحرب أو من جولاتها المتعددة.

كيف إذًا يكون السلام هدفًا؟ هل ذهب النظام العربي إلى تفككه الشامل نتيجة عجزه عن خوض الحرب في المكان الذي يجب أن تخاض فيه، فحوّل الجغرافيا العربية كلها إلى حقول للموت والأسى؟

إن البحث عن الحقيقة هو واجبنا، فإذا لم نكن قادرين على التصرف كمواطنين صالحين ندافع عن وجودنا وبقائنا، فإن واجبنا هو أن نكون على الأقل مثقفين يبحثون عن الحقيقة ويعلنونها مهما يكن الثمن.

***

افتتاحية العدد الجديد من “مجلة الدراسات الفلسطينية”، خريف 2018.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*