الرئيسية / مقالات / حقائق مقلقة وبهلوانيّات مملّة

حقائق مقلقة وبهلوانيّات مملّة

يوم الجمعة بتاريخ 2019/8/9 وفي القصر الجمهوري وبعد انقضاء نصف عمر العهد من دون أي انجاز، استفاق السياسيون الى ضرورة المصارحة والمصالحة وفرح اللبنانيون على رغم معاناتهم العديد من المصارحات والمصالحات.

الدور الاول في تأمين أرضية المصالحة ووجوب انجازها اضطلع به الرئيس بري صاحب الخبرة الاشمل بين الرؤساء الثلاثة واللواء عباس ابرهيم صاحب الخبرة المميزة في التفاوض لحل المشكلات. وساعدهما البيان الذي أصدرته السفارة الاميركية في بيروت.

البيان الأميركي أيقظ طلال ارسلان الذي كان الأكثر تصلبًا في مطالبته بإحالة حادث قبرشمون على المجلس العدلي، في حين كان وليد جنبلاط الزعيم الدرزي الابرز مستعدًا للمصارحة ومن بعد المصالحة لانه كان مقصودًا من الفريق الآخر. والبيان الاميركي أيقظ الجميع على خطورة النزعة التسلطية وغير القانونية التي كانت سائدة لدى الفريق المساند لمطالب طلال ارسلان، وبعد هذا البيان أحال “حزب الله” حل القضية على نبيه بري الذي كان الرجل المفاوض والمزيل للتحدي.

اتفاق بعبدا لن يكون كافياً لاستعادة لبنان عافيته وقدرته على استقطاب الاستثمارات والمبادرات.

استعادة لبنان دور الدولة الجاذبة للاستثمار يحتاج الى تعديلات جذرية في منهج الحكم، والى اقتناع بأن النصف الثاني من هذا العهد سيشهد نهضة اقتصادية، ونحن نخالف هذا الرأي لأن الثقة بغالبية الطاقم السياسي في لبنان معدومة لدى البلدان العربية والأوروبية فضلاً عن اليابان والصين وبالتأكيد الولايات المتحدة.

الثقة لن تعود قبل معالجة موضوع الكهرباء ببرنامج غير البرنامج المقترح الذي يشمل ربما استيراد بواخر لتأمين 1400 ميغاوات، وهذا الأمر إذا حصل يزيد عجز الكهرباء 1.2 مليار دولار سنوياً، والثقة لن تعود ما دامت مشاكل المياه، والاتصالات، والنقل والانتقال، وتوسع التلوث على ما هي. والسؤال المطروح على الحكم هو، لماذا لم تعالجوا أيّاً من هذه القضايا أيها السادة وقد سمعنا عن انجازاتكم الكثير وبحثنا بمصباح ديوجين عن انجاز واحد فلم نجده.

ادعاء حصر عجز الموازنة دون نسبة 7 في المئة غير حقيقي للآسباب الآتية:

إن أرقام هذه الموازنة المتأخرة تسعة أشهر استندت بداية الى القاعدة الاثني عشرية، ولو كان ذلك صحيحًا دون تأخيرات لمستحقات أساسية سواء للمتعهدين، والمستشفيات الخاصة، والمؤسسات الاجتماعية التي توفر نسبة 50 في المئة من تكاليف العناية للآلاف من اللبنانيين من الاطفال المعاقين وغيرهم، لكانت نسبة العجز ارتفعت الى 7/12*11.5= 5.83 يضاف اليها نصف العجز الذي كان متوقعًا أي 7.6/2*3.8= 9.63. كذلك يضاف عجز الإيرادات عن التوقعات حتى تاريخه حسب أرقام مصرف لبنان، إذ انخفضت الايرادات الضريبة خلال الأشهر الخمسة الاولى بنسبة 9.2 في المئة مما يترجم ارتفاعاً في العجز بنسبة 3.3 في المئة، والايرادات غير الضريبية تراجعت بنسبة 10.8 في المئة، والتسليف المصرفي انخفض بنسبة 5 في المئة، وتالياً فإن لبنان يواجه وضع انكماش واضحاً وإيرادات الموازنة مع التراجع المشار اليه لن تترك العجز على مستوى يقل عن 12 في المئة.

لقد أصبح معلومًا ان خفض العجز لن يحصل بسبب انحسار الإيرادات المفترض تحصيلها وهذا الامر شهدناه عام 2018، وبدأنا نعانيه حاليًا، اضافة الى جوانب أخرى ربما تستحق الانتباه الى حد بعيد وتفرض الاحتياط.

هنالك من يأملون في زيادة ودائع المصارف وحتى تاريخه تشير الأرقام الرسمية الى غير ذلك. وهنالك من يأمل في ارتفاع حجم الاستثمارات في لبنان، وهذا أمر لم نشهده منذ بداية العهد الحالي، والاستثمارات خصوصاً من غير اللبنانيين العاملين في الخارج انحسرت كليًا خلال السنتين المنصرمتين، ومرجح استمرار هذا الانحسار لثلاثة اسباب نعددها ويعصرنا الالم لما يواجه لبنان واللبنانيين. وقبل ذلك نقول إن الاستثمار العقاري انكفأ، فأسعار الشقق الفخمة انخفضت في السنوات الثلاث الاخيرة بنسبة 50 في المئة.

أولاً: “التيار الوطني الحر” الذي يشتكي رئيسه من العراقيل، ويدعي تمثيل غالبية المسيحيين، لا يحوز هذا الموقع. الانتخابات الأخيرة، على رغم بدعة الصوت التفضيلي، حققت فيها “القوات اللبنانية” نتيجة رقمية لأصوات الناخبين فاقت نتائج “التيار الوطني الحر”، واذا أضفنا الاصوات التي تحصلت لـ”المردة”، والاصوات التي توافرت للكتائب، تصبح نسبة الاصوات للتيار دون الـ30 في المئة من الناخبين المفترض أن يكونوا مسيحيين.

ثانياً: “التيار الوطني الحر” بوزرائه الذين تناوبوا على وزارة الطاقة اغرقوا البلد حتى تاريخه ومع مخصصات عجز الكهرباء في 2019 بمقرضات تبلغ 43 مليار دولار تمثل نسبة 52 في المئة من الدين العام، والوزير باسيل صرح منذ أسبوع بأنهم لو تنبهوا لعجز الكهرباء منذ 2015 لكانوا وفروا على لبنان اقتراض 10-12 مليار دولار.

السؤال المطروح بعد هذا العجز الذي أشرف عليه وزراء التيار منذ عام 2008 وحتى تاريخه، كيف لنا نحن اللبنانيين ان نقتنع بصلاحية خطة الكهرباء التي تقول عنها الوزيرة إنها قد تستوجب التعاقد مع سفن أو شركات لتوليد الكهرباء على الارض لمدة ثلاث سنوات بطاقة 1400 ميغاوات؟ ومعلوم ان السفينتين المتعاقد معهما يفترض ان تؤمنا توليد 260 ميغاوات، لكن الحقيقة ان توليد السفينتين لا يتجاوز الـ220 ميغاوات مع احتساب أيام الصيانة، وتكاليف السفينتين 250 مليون دولار سنويًا، وتالياً إذا تم التعاقد مع سفن لتوليد 1400 ميغاوات لفترة ثلاث سنوات سيزيد عجز الكهرباء من هذه العقود مع سفن اضافية مبلغ 1250 مليون دولار سنويًا، وهكذا وعلى مدى ثلاث سنوات، نكون قد أهدرنا 3750 مليون دولار، كانت تكفي لانجاز محطات جديدة بطاقة 4000 ميغاوات خلال سنتين. فقد عرض الألمان انجاز محطتين بطاقة 3000 ميغاوات على سنتين مع تمويل طويل المدى وبمعدل فائدة 2 في المئة سنوياً، فرفض الوزير سيزار أبي خليل العرض.

والسؤال المطروح أيضاً، وهنالك 1500 ميغاوات من المولدات الخاصة التي تتوقّع الخطة متابعتها للانتاج طوال فترة بناء معامل جديدة، هل هنالك فرصة للاتفاق مع بعض أصحاب هذه المولدات على تخصيص انتاجها لحاجات مصلحة كهرباء لبنان كما تفعل شركة امتياز زحلة (سابقًاً وقد انتهت مدة الامتياز بنهاية العام الماضي، لكن الشركة القائمة بين أصحاب الامتياز، وشركة بريطانية تحوز طاقات انتاجية متنقلة طاقتها 12000 ميغاوات، لا تزال هي التي توفر الكهرباء 24/24 لمدينة زحلة و13 قرية قريبة من المدينة).

يجب ان يعرف أصحاب الشأن والقرار ان إلغاء عجز الكهرباء هو الامتحان الاساسي لحيازة مساعدات مؤتمر “سيدر” والخطة المعتمدة لن توفر الاقتناع المطلوب.

ثالثاً: اذا شئنا تفادي اشتداد أزمة الانكماش وتحولها الى أزمة كساد، نأمل ان يبقى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء (ولا نقول رئيس مجلس النواب لأنه يبدو المتعقل بين الثلاثة) بعيدين عن الانضمام الى فئة أو الى آراء وتوجهات وزير ان كان على خطأ وأياً كان موقعه.

وللتذكير، موضوع النفط والغاز الذي يفترض أن يستقطب شركات اضافية للبحث والتنقيب في وقت قريب، يستوجب انتخاب أعضاء الهيئة المشرفة الذين انتهى دورهم، وان يكون انتقاء الأعضاء مستنداً الى الكفاءات، ومن الأعضاء الحاليين من يحمل كفاءات وأخلاقاً عالية ومن لا يحوز أيّاً من الكفاءات المطلوبة، فعسى ألا يسيّس الاختيار كما حصل في المرّة الأولى.

اضف رد