الرئيسية / home slide / حقائق مطمورة

حقائق مطمورة

مروان اسكندر

مرفأ بيروت

استمعت الاثنين الماضي الى حديث للمهندس والاقتصادي المميز بصدق تفكيره وتعابيره شربل نحاس، وهو كان من أميز المهندسين والاقتصاديين الذين تولّوا دراسة مشروع اعادة اعمار وسط بيروت بعد دمار حرب 1982، وكانت له وجهات نظر بالنسبة الى التصميم باعدت بينه وبين الرئيس رفيق الحريري، فانصرف نحاس الى العمل مستشاراً رئيسياً للسيد موريس صحناوي في الشركة العامة المصرفية وعضواً في مجلس الادارة.
عام 2005، مباشرة بعد عودة الجنرال ميشال عون من الاقامة في فرنسا لمدة 15 سنة، صدرت دعوة عن “التيار الوطني الحر” الى اجتماع طويل في فندق “الحبتور” يعرض فيه التيار رؤيته الاقتصادية التي وضعها السيد سامي نادر في حينه، ودُعي لمناقشة الرؤية كاتب هذا المقال وشربل نحاس.
انتقادات عدة وجّهتُها الى هذه الرؤية من دون تنديد بالافكار، إذ اعتبرتُها غير ناضجة وغير مناسبة لتحقيق نمو مستدام. أما نحاس الذي يتميز بالصراحة، فرأى ان المشروع – الرؤية لا يستحق المناقشة بل الاهمال والنسيان.
 بعد ذلك تولى نحاس الوزارة على مرحلتين: وزيراً للعمل، ثم وزيراً للاتصالات. وقد كُلّف هذه المسؤوليات لمثابرته على المشاركة في جلسات مناقشة خطط “التيار الوطني الحر”، واصبح نتيجة مشاركته ومصارحته قريبًا من الجنرال ميشال عون، رئيس التيار آنذاك، وتولى الوزارة بترشيح منه، وقد ادخل خدمات الهاتف الخليوي المستندة الى الالياف الضوئية منذ سنوات، وخصّ قوى الجيش بـ 25 ألف خط، والمستشفيات والجامعات، تمهيدًا لتوسيع شبكات الالياف الضوئية من اجل توفير خدمات متطورة، وبالتالي واجه معارضة من جانب الكتلة التي يمثلها.
يوم الاثنين المنصرم، وفي مقابلة تلفزيونية صرح شربل نحاس بانه تشارك في جلسة مع ميشال عون، وحاكم مصرف لبنان، وجبران باسيل، وآلان بيفاني – المدير العام السابق لوزارة المال – للبحث في الاوضاع المالية والاقتصادية، وهو اكد ان المجتمعين كانوا على يقين بان لبنان مقبل على ازمة مالية واقتصادية ما لم تُتخذ خطوات وقائية تنظيمية وضريبية، مشيراً الى ان حاكم مصرف لبنان قدم عرضًا تفصيليًا حول الخطوات المطلوبة.
توجه نحاس الى الرئيس عون بدعوة صريحة للتقيد بالتوصيات الفرنسية وإبعاد التعيينات السياسية عن المواقع الحساسة. وهو قال بوضوح ان لبنان قد يستطيع البدء بمعالجة مشاكله في حال اتَّبع المسؤولون سياسات اقتصادية وانتقائية مستندة الى الكفاءة والانخراط في عملية انقاذ الوطن.
لقد اراد شربل نحاس مواجهة الازمات المستحكمة بشجاعة واعتماد سياسات واضحة وإبعاد من اسهموا في تعميق الازمة واستنزاف الاحتياط، وهو بالتالي كان يطلب من الرئيس عون التخلي عما سُمّي “خطة الطاقة”، وحشو الوظائف في الشركتين العاملتين على توفير خدمات الهاتف الخليوي والانترنت. ونبه الى ان اهمال الاصلاحات في القطاعين يعني ان لبنان سيعاني من كساد وخسارة فرص عمل وهجرة الشباب. بكلام آخر، اعتبر نحاس الذي كان من ابرز مفكري التيار، ان سياسات الأخير لا بد من تعديلها والاستماع الى نصائح الخبراء الفرنسيين، والتفاعل الايجابي مع منطلقات الرئيس الفرنسي.
يبدو لسوء الحظ ان تحذيرات شربل نحاس لم تحز اهتمام الرئيس عون الذي يطالب بإلحاح بتخصيص وزارات الطاقة والاتصالات والعدل الى ممثلي “التيار الوطني الحر”.
منهجية الرئيس ومسؤولي “التيار الوطني” واضحة. يريدون استمرار السيطرة على ابواب الهدر، واستمرار الاعتماد على سفن توليد الكهرباء، والاستمرار في التعاقد مع 40 خبيرًا في وزارة الطاقة لتوفير المشورة ، ويا لها من مشورة تسببت بتبخر 40 مليار دولار واضافة اثقال الفائدة على هذا المبلغ بحيث يساوي الهدر 65 مليار دولار ما عدا انحسار الدخل القومي سنويًا، بحسب البنك الدولي بما يساوي 2-2.5%.
اذا شاء الرئيس عون تصحيح الاوضاع قبل انقضاء عهده، واذا كان مخلصًا في قوله انه يرحب بدراسة اوضاع جميع المقربين منه، عليه ان يطلب ما يسمى المحاسبة الجزائية وتكليف أي شركة متخصصة بهذا الامر مراجعة حسابات وزارة الطاقة، وهذه الوزارة لم توفر منذ عام 2013 صفحة واحدة من الارقام، حول تسيير شؤونها، كلما تعرض العجز السنوي الذي كانت تطالب به الوزارة من خارج ارقام الموازنة كي لا يكون هنالك حساب مع المسؤولين عنها، والامر نفسه يسري على وزارة الاتصالات منذ تسلمها نقولا صحناوي.
ان هذه التحقيقات مطلوبة لتصحيح اوضاع الاقتصاد اللبناني اكثر مما هو مطلوب مراجعة حسابات مصرف لبنان التي كانت ولا تزال خاضعة لمراجعة وتحليل شركتين عالميتين للمحاسبة والتدقيق.
واذا شاء الرئيس عون إظهار حسن نياته، لربما يلتفت الى حاجات اهالي المنطقة المنكوبة، وهو اعلن في ما مضى خلال ملاحقته مؤلف وناشر كتاب “ذكريات الرئيس الهراوي” الذي وردت في ملاحقه صورة شيك بقيمة 37 مليون دولار حوّلها الرئيس الى حسابه في فرنسا، وهو اوضح ان هذه الاموال توافرت له من المتبرعين الذين كانوا يساندون دعوته للانتصار على السوريين الموجودين في لبنان. 
ومعلوم ان رئيس وزراء فرنسا اعلن بعد عودة الجنرال ميشال عون من باريس ان تكاليف اقامته تحمّلتها الميزانية الفرنسية وبلغت 15 مليون أورو أي ما يساوي 18 مليون دولار اليوم. فهل سيتبرع عون للمنكوبين من انفجار المرفأ بقسم مما توافر له من معونات؟