حقائق رهيبة عن مغارة “الكاف” غرفة عمليات “داعش”… ووادي الفزع ومعبر ميرا المحتلين

إذا ما أردنا اختصار المنطقة التي لا يزال يحتلها “داعش” في الجرود البقاعية، نقول إنها منطقة استراتيجية، لم يخترها التنظيم الارهابي عبثاً ليبني فيها مركز قيادته. جبل “الكاف” او جبل القبو كما يحب القاعيون تسميته، يطلّ على منطقة آرا والاراضي السورية على السواء، ويشرف على القرى البقاعية من القاع الى رأس بعلبك وعرسال، ويكشف المحافظة البقاعية في كليّتها، لكونه الجبل الأعلى في المنطقة. تسميته تعود الى كونه يتشكّل من مغارةٍ صخرية ٍضخمة قادرة على استيعاب 10 شاحنات ضخمة في جحرها، وبامكانها ان تؤوي ثلاثمئة عنصرٍ، مما جعل “داعش” يحتكم اليها، مختاراً اياها غرفة عملياته. قرارٌ كهذا لم يتخذ عبثاً، اذ ان العدو يقطن منطقة معقّدة جغرافياً، في تضاريسها وتعاريجها، وفي محاذاتها يربض وادي الفزع الشديد الانحدار، والتي تملأه الصخور والحجارة.

مجد بو مجاهد
النهار
23082017

تاريخياً، حريٌّ وصف جرود القاع بالمنطقة العريقة، ذلك ان جبل “الكاف” اشتهر في اربعينيات القرن الماضي، واعتبر مأهولاً سكنياً من الأجداد القاعيين الذين عاشوا في المنطقة التي بقيت مأهولة من الرعيان، قبل احتلالها من “داعش”. حتى ان زنوبيا، ملكة تدمر، كانت قد مرّت في جبال كاشفة على وادي ميرا في اتجاه سوريا. اذ انها منذ الأزل، منطقة عبور يمكن استخدامها كطريق من الاراضي السورية واليها. لكن أحداً لا يستطيع الوصول الى “القبو” اليوم، الا بواسطة دراجة رباعية الدفع، وهي مغامرة اعتنقها القاعيون وأهالي رأس بعلبك مراراً وعادوا ليخبروا الأصدقاء تفاصيل مدهشة عنها.

ومن بين هؤلاء المتضلعين من دهاليز منطقة جبل “الكاف” وتضاريسها، وما يحاذيها من سهولٍ وأودية لا يزال يحتلها “داعش” في جرود القاع ورأس بعلبك حتى الساعة، نائب رئيس بلدية القاع داني عوض، الذي تحدّثت اليه “النهار” مفصلاً للدخول في الخبايا الديموغرافية. في رأيه، “يصعب الوصول الى مرتفع “حقاب الكاف” الجبلي من جهة القاع. ذلك انه مرتفع وانحداره قوي وتحته يربض وادي الفزع، أكثر التضاريس الجغرافية قساوة، اذ تتشكّل من صخرٍ وحجر”. وفق مقاربة عوض، “يصعب على آليات الجيش أن تقصد القبو وجبل الكاف من ناحية القاع، بل يسهل عليها التوجّه من جرود رأس بعلبك وعرسال. فيما يمكن عناصر “داعش” استطلاع ما يجري في المنخفضات، لكونها النقطة الأعلى في المنطقة”.

وعن مغارة “الكاف”، غرفة عمليات “داعش”، يشرح عوض ان “تضاريس المغارة صعبة، وباستطاعة الارهابيين اقفال مدخلها بواسطة الصخر او الدشم الرملية ودشم الباطون، او من خلال بوابة حديد كما يشاع، رغم انها مسألة صعبة لأن مدخلها كبير”. وعن اتساع المغارة واستخدامها غرفة عمليات استراتيجية للتنظيم الارهابي، يقول انها “مغارة صخرية كبيرة تتسع لمئات العناصر الارهابية. وهي متمركزة على مستويين من الصخر. المستوى الاول اقل انخفاضاً من المستوى الصخري الداخلي في حدود المتر ونصف المتر. فيما أرضية المغارة صخرية وتفتقر الى المياه”. هذا ما يؤكّد، وفق عوض، “امكان استثمارها كمخزن، ذلك ان تحصينها قوي والوصول اليها صعب، وضربها عملية مضنية تحتاج تدخّل الطيران الحربي والمدفعية”.

للمغارة مدخل واحد، ودائماً وفق عوض، مما يعني ان امكان دخولها او الخروج منها متاح من منفذ طبيعي واحد فقط. لكن العناصر الارهابية حفروا الأنفاق بمساحات هائلة، وباستطاعتهم اختراق الارض والخروج من مقالب أخرى. وعن امكان استصلاح المنطقة التي يحتلها “داعش” زراعياً، يقول عوض انه “يمكن زرع محاصيل الحبوب مثل القمح والشعير، في المنطقة المحاذية لـ”الكاف” اعتماداً على مياه المتساقطات للري”. أما منطقة آرا، فتتميّز بـ”نبع مياه صالح للشرب تتوافر فيه سبل الحياة”. وعن مواصفات معبر وادي ميرا الجغرافية حيث تتجمع غالبية عناصر “داعش”، يقول: “انها منطقة سهلية كبيرة في قلب الوادي، في داخلها مزروعات، وفيها انفاق”.

المرحلة الأخيرة

اعتمد الجيش خطة واعية ورصينة، لا تسرّع فيها او هدر للوقت. ظهر ذلك جلياً في التنظيم والسرعة القياسية التي استطاع من خلالها تحرير المساحة الأكبر من الجرود ودحر العدو الى الخلف، مما يعني ان المسألة أشبه بتقسيم عمليات تحرير مناطق الجرود الى مراحل، في مهلة يوم او يومين لكل مرحلة، بمساحة تراوح بين 20 و30 كلم لكل مرحلة. وهي مهلة تحددها طبيعة الأرض وحجم القوى والمراكز الارهابية فيها. هذا ما يجمع عليه المحللون العسكريون، في دلالة واضحة على أن الجيش نفّذ خطة عملانية عالية المستوى من حيث الاحتراف والمهنية. فماذا عن المواجهات المتبقّية في المرحلة الأخيرة من معركة “فجر الجرود”؟

يقول الخبير العسكري والاستراتيجي العميد أمين حطيط لـ”النهار”، ان “داعش نظّم دفاعاته على اساس توافر 5 مسلّحين في المنطقة الواحدة، وهو عدد قليل من المقاتلين استفاد منه الجيش، مع الاحتكام الى مدفعية قوية وزخم ناري يعوّل عليه من الجانب السوري”. وعمّا يدور في رأسه تحضيراً لمرحلة ما بعد التراجع، يقول انه “سلك سلوكاً من اثنين: اما انه تهيب الموقف لأن قدراته العسكرية لا تخوله فرص الثبات بعد حصارٍ دام سنتين، فقرر التراجع والامتناع عن المواجهة، هو الذي لا يقدر على القتال المستميت. واما انه يتلافى الصدام مع الجيش في الأرض المفتوحة الواسعة، وتتجمع عناصره في بقعة تتناسب مع حجمه، في رقعة 10 كلم، اي بمعدل 60 شخصا لكل كلم، فيختلف نمط القطاع. لكن الجيش واع للسيناريو الثاني، فبدل حصرهم في بقعة واحدة، شتتهم الى قسمين، ليحرمهم المناورة المريحة”.

ماذا يمكن “داعش” فعله في المرحلة الأخيرة؟ “انه أمام خيارين رئيسيين: القتال حتى الموت او الاستسلام للقوى المهاجمة. والخيار الثالث الاحتياطي، يكمن في الاستسلام الفردي، او اللجوء الى عمليات كسر الطوق والنفاذ الجماعي. لكن ثمة أكثر من حزام أمني في الأراضي اللبنانية، فيما الجيش السوري يترصد من الجهة المقابلة. كما في امكان عناصره التسلل ليلاً والهروب في البادية، والوصول الى مراكز التنظيم في ريف حماه الشرقي، على امتداد مساحة 3000 كلم، تبعد عن الجرود اللبنانية 200 كلم”.

وعن فرضية القتال وجهاً لوجه، يقول انها “غير مستبعدة، والطيران الجوي فعّال، وفي استطاعته استهداف مراكز المسلحين في دقّة عالية. ولكن ذلك لا يلغي فرضية القتال المباشر، بل يحدّ منها. ولا يغيب عن الظنّ، ان “الجيش يتقيد بحذافير القانون الدولي الانساني، وهي قيود تعرقل بعض العمليات”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*