الرئيسية / أضواء على / “حصن أبو الحسن” الفرنجي أثر منسي في قضاء جزين

“حصن أبو الحسن” الفرنجي أثر منسي في قضاء جزين


د. الياس القطّار
http://www.archive.alanwar.com/new/article.php?categoryID=10&articleID=225415
18052020

1- لقطة بانورامية لموقع الحصن

يقع حصن أبو الحسن (Belhacem) بين قضاءي جزين والشوف في أسفل بلدة صفاريه في قضاء جزين، على صخرة ناتئة تعلو قرابة الثمانين متراً بطول 100م وعرض 30 م، وتعلو عن سطح البحر قرابة 168م. الطريق السالكة إليه اليوم من بلدة صفاريه، من مفرق قرية الأطفال SOS نزولاً إلى مجرى نهر الأولي. الطريق المعبدة التي تمرّ في أملاك خاصة تصل إلى مقربة من القلعة، وتتوقف هناك لتبدأ رحلة السير على الأقدام على صخر متدرّج أو كان، أساساً، متدرجاً نصل منه إلى حفرة صغيرة مشطوبة بيد الإنسان بعرض نصف متر. ثم تتدرج الطريق منها إلى فسحة تحيط بالقلعة، ونجد في وسطها حفرة بعرض وطول المترين مقصوصة بشكل منتظم. وفي اعتقادي أنّها كانت مخزناً تجمع فيه المياه التي تحمل، لربما بطريقة الشادوف المصريّة، أو بنواعير صغيرة، من مجرى مياه نهر الأولي (بسري) الذي يجري في أسفل القلعة وتنقل منها إلى القلعة. ولا يمكن أن يكون مكاناً تجمع فيه مياه الشتاء فقط، لأنّه لا يكفي للاستعمال عدّة أيام متتالية.

يحيط نهر الأولي – بسري بالحصن من جهات ثلاث هي: الشمال والغرب والجنوب، بحيث يقع داخل ما يشبه حرف S، ومن هذه الجهات المرور شبه مستحيل لأنّ شواهق صخرية شبه عمودية تنتصب عند هذه الجهات التي ترتفع إلى مستوى قرية المحتقرة ودير المخلص وبلدة جون.  وبذلك يكون الممر الوحيد للوصول إلى القلعة هو من جهة الشرق.

بين الأمس واليوم

في الماضي، قبل عدة قرون، كان أبو الحسن على الطريق التي تصل جزين- الشوف بصيدا. ولكن لم تكن، كما يظنّ بعضهم، الطريق الوحيدة إلاّ في ظروف معيّنة، لربما مثلاً في العهد الفرنجي -الصليبي، لأسباب أمنية.

2- واجهة “حصن أبو الحسن”

هناك طريق تمتد من الجية الرميلة إلى شحيم فالزعرورية فمرج بسري فملتقى نهري جزين والباروك، بحيث تتشعب إلى باتر أو جزين. وحيث ملتقى النهرين يقوم معبد روماني تظهر منه أربعة أعمدة من الغرانيت، وكانت توجد في حوض النهر لجهة جزين بقايا أفاريز وتيجان منحوتة من المعبد وبلاط طريق رومانية وجسر حجري. وقد عمدتُ إلى تصويرها قبل العام 1975. وعندما عدت إلى المكان سنة انسحاب الميليشيات من منطقة جزّين، وجدت بعض التيجان قد اختفت والطريق الرومانية أزيلت وبقي الجسر الذي لا أعتقد أنّه روماني، كما يشيع بعض الدارسين، بل عربي، وقد عمد بعضهم إلى الحفر في باحة المعبد بحثاً عن الكنوز. وهناك الطريق التي تسير بمحاذاة أبو الحسن، والطريق التي تمتد من جزين إلى عازور بمحاذاة شير الجوبة فأنان وصفاريه وماروس وروس الفرنج (رؤوس الفرنج) فصيدا، وهي الطريق التي كان يستعملها المكّارون عادة، والتي سلكتها، إلى حدّ ما، العربات منذ القرن التاسع عشر. وطريق أخرى من جزين فحيطورا فسنيا فصيدون إلى برتي فصيدا. وطرق ثانوية كالتي تربط ما يجاور تلة النبي ميشا بتعيد فبسري، ومن بسري إلى قلعة أبو الحسن فروس الفرنج وماروس. أو من بسري إلى قرب كنيسة مار موسى ومنها صعوداً على درج لا يزال قائماً يوصل إلى مزرعة الظهر ومنها ينحدر نزولاً. وأظنّ أنّه كان يستحيل المرور على الطرقات المذكورة في فصل الشتاء ومطلع الربيع لعلوّ منسوب المياه في مجرى النهر، ما يجعل طريق جزين عازور أنان الأكثر استعمالاً.

ومن أجل الوصول إلى القلعة من بسري، أعتقد أنّه كان على المارة استعمال الطريق المعبّدة حالياً، ومنها ينحدرون إلى كنيسة سيدة الحقلة في أسفل دير الراهبات المخلصيات. وعلى مجرى نهر يقوم تحت الكنيسة جسر صغير يوصل إلى أرض صغيرة منبسطة بمقربة من القلعة –الحصن يتمّ اجتيازها للوصول إلى تلة روس الفرنج  ومنها إلى صيدا.

الصعود إلى القلعة

يصعد إلى القلعة بدرج محفور في الصخر يلتف حول الناتىء الشاهق الذي تقوم عليه القلعة التي تضم ثلاثة مستويات.

في المستوى الأول نصل بواسطة الدرج الحجري إلى بقايا لربما برج صغير بشكل مربّع بطول وعرض عشرة أمتار من حجارة “دبش” غير مصقولة، وهو البرج الأول في حماية الحصن.

3-مدخل أحد الأقبية

بعد تجاوز هذا البرج صعوداً نصل إلى المستوى الثاني إلى قبو عقد مربّع من الجهة الشرقية فيه الباب الرئيسي الذي يخترق حائطاً شبيها بأبنية الفرنج في القرن الثاني عشر. القوس المكسور بصورة خفيفة يرتفع فوق الباب ويتمون بعوارض منحوتة بدقة. وهذه العناصر شبيهة بتلك الموجودة في قلعة صهيون في سوريا، ومدخلي قلعة الشقيف، والاثنان من القرن الثاني عشر. لربما كانت هذه الحجرة مجلس المسؤول عن الحصن، وهي بعلو 7,50 م وطول 7,70 م. ومن الداخل اتساعها 4,50 وعرضها 7 أمتار، وتبدو على حجارتها المقصّبة آثار تكحيل حديثة من الخارج. وفي وسط هذا القبو فتحة لرمي النشاب لجهة الشرق.

نخرج من هذا المكان القائم بشكل جيّد بباب لجهة الشمال، فيطالعنا حائط بقربه ملاصق به من الداخل، يوصل إلى أبنية أعلى الحصن بدرج يحمي المنتقلين داخلها لجهة الشرق، وفي وسطه ثلاث فتحات لرمي النشاب، وطوله 30 م ينتهي من الأسفل باتجاه شرق غرب بقبو شبه عقد، إذ إن حائطه الشرقي مبنيّ بشكل نصف دائري ويلقي بثقله في النصف الثاني على الصخر الطبيعي وهو 4,50 وطول 10 أمتار.

نعود لنصعد إلى المستوى الثالث من الحصن وهو الأهم، من الدرج داخل حائط الحماية، لنجد حائطاً طويلا يبدأ عند الحائط الخارجي لما اصطلحنا على تسميته مجلس المسؤول ومستوى علوه تقريبا بطول 40 متراً تقريباً.

هذا الحائطً يحتضن مجموعة من الأقبية، اثنان مهدّمان بطول 16م وعرض 6،50م  والثالث الملاصق لهما من جهة الجنوب لا يزال قائماً بعرض 3م.

4-القبو من الداخل

من جهة الغرب في طرف القبوين المهدمين، وبعد فاصل مكشوف بعرض مترين، نجد قبواً عقداً بطول 7م وعرض 3 م، وهو لا يزال قائماً، هبطت فجوة من أحد حيطانه، ويدخل إليه من جهة الشمال. يكمل هذا البناء الغربي غرفتان صغيرتان مهدّمتان بقياس 3م بـ3م الواحدة، تليهما من الجهة الغربية أيضا فتحة لقبو عقد  تظهر في سطحه فتحة. وهذا القبو سطحه قائم وهو في أعلى نقطة في القلعة يشرف سطحه على الجهات الأربع، وقد سدّ ركام الحجارة الساقطة مدخله ولم يعمد أحد لفتحها.

عرض الكلّين في القلعة متر تقريباً. وعرض البناء القائم على التلة الناتئة: البناء الأعلى 17م، يضاف إليه عرض حجرة مجلس المسؤول + العقد الغربي+ الدونجون في الأسفل.

يمكن المرور بمحاذاة القلعة بممر راجل لا يتسع لأكثر من شخص. وفي طرفها الشمالي فسحة من الأرض صغيرة منبسطة من بضعة أمتار.

قبل الدخول إلى القلعة وقبل الدرج الصخري المؤدي إليها، نجد بقايا بيوت مهدّمة قديمة وبقربها مراح حديث للماعز.

أقدم إشارة إلى الحصن

ورد ذكر هذا الحصن في المصادر العربية من دون شرح عنه. وأقدم إشارة إلى الحصن ما ذكره غليوم الصوري، أنّ غورمون دو بيكيني بطريرك القدس شارك مع البارونات الفرنج في رد حصار المسلمين لحصن أبو الحسن، ثم أصابه مرض وتوفي في صيدا في العام 1128. وهذه هي الإشارة الوحيدة عن الحصن من مؤرخي زمن الفرنج في المشرق.

5-خريطة الموقع

ومن أقدم الدراسات عنه ما ذكره ديشان الكاتب الفرنسي.

يبدو أنّ موقع الحصن كأغلبية المواقع التاريخية في لبنان يحتوي إشارات على أنه اضطلع بدور ما عبر الزمن.

في إحدى زياراتي للحصن مع طلاب التاريخ، وجدنا على أحد الحجارة في البرج الأساسي إشارة ترمز إلى الإلهة تنيت، ونتمنى متابعة البحث في الموضوع على أمل استيضاح المختصين عن ذلك.

هذا الحصن، كما مغارة جزين، التي آوت الأمير فخر الدين في آخر أيامه، كما الكنيسة البيزنطية التي وجدت في بلدة أنان، كما المعبد الروماني القائم في مرج بسري، حيث يلتقي نبع الباروك نبع شالوف جزين والمعرّض للطمر عندما يباشر العمل في بناء سد  بسري، هي برسم همّة المسؤولين في وزارة الثقافة ومديرية الآثار والمسؤولين الرسميين وغيرهم من مؤسسات المجتمع المدني، ومن يعتبر نفسه مسؤولاً في قضاء جزين قبل فوات الأوان.