حصرم حلب ومقبرة الأمم المتحدة!

راجح الخوري
النهار
20102018

تجاوز ستافان دو ميستورا صبر أيوب قبل ان يصل الى النتيجة التي كانت واضحة قبل ان يتسلّم مهمته مبعوثاً للأمم المتحدة في سوريا خلفاً لزميله الأخضر الإبرهيمي، الذي كان قد أعلن فور تعيينه في سوريا أنها “مهمة مستحيلة”.

يستحق دو ميستورا فعلاً التهنئة، ليس لأنه قدم لنا إثباتاً جديداً يؤكد فشل الأمم المتحدة في أزمة سوريا وغيرها من الأزمات الكثيرة طبعاً، بل لأنه تحمل أربعة أعوام من الشقاء، وهو ما عجز عنه الإبرهيمي، الذي استقال بعد عامين من تسلّمه المهمة المستحيلة، التي كان قد استقال منها سلفه كوفي أنان بعد ستة أشهر فقط، عندما جاء بعد فشل مهمات المراقبين الدوليين وقبلهم المراقبين!

في تموز من عام 2014 وصل دو ميستورا الى دمشق حاملاً خريطة لمدينة حلب باللونين الأحمر والأخضر، وداعياً الى وقف للنار يبدأ من المدينة المنكوبة ويتدرّج ليشمل كل الأراضي السورية. بالتأكيد واجهه النظام السوري ومن ورائه الروس والإيرانيون بالسخرية، هذا واهم جديد يصلنا من نيويورك. وأذكر أنني كتبت يومها مقالاً في هذه الزاوية بعنوان “دو ميستورا… يا حصرماً”!

في 24 كانون الاول من عام 2016 طلب دو ميستورا من بان كي – مون إعفاءه من مهمته، لكنه تعرّض [على ما قال لي الإبرهيمي] لضغوط قوية ليستمر الى يوم الثلثاء الماضي، عندما أعلن أمام مجلس الأمن أنه سيتخلى عن منصبه “لإسباب شخصية” نهاية تشرين الثاني المقبل، بعد أن يكون قد بذل المحاولة الأخيرة للدفع في إتجاه التسوية السلمية. ذلك أنه سيزور دمشق الأسبوع المقبل للبحث في تشكيل اللجنة الدستورية، التي يفترض ان تصوغ دستور جديد، ثم سيدعو ممثلي الدول الضامنة الثلاث الى إجتماع في جنيف سعياً الى إستكمال الإتفاق على حصص النظام والمعارضة والمجتمع المدني في هذه اللجنة!

دو ميستورا الديبلوماسي المخضرم والمحنّك، الذي يجيد ست لغات بينها العربية، تعرّض تماماً لما تعرض له سلفاه كوفي انان والأخضر الإبرهيمي، سواء من النظام السوري أو من الروس، الذين يتعاملون مع سوريا وكأنها الحديقة الخلفية للكرملين. سبق لأنان أن إتّهم بالإنحياز وعدم الفاعلية لأنه في نقاطه الست المشهورة دعا الى وقف للنار والدخول في عملية سياسية. الإبرهيمي ووجه بالإتهامات عينها. وها هو دميتري بيسكوف يعلّق على قرار دو ميستورا الإستقالة بطريقة لا تخلو من الفظاظة، عندما قال: “لم تكن تحركاته ذات فعالية”!

عجيب، لكأن الروس يريدون لغير طائراتهم ان تتحرك بفاعلية في سوريا، أولم يتهمه سيرغي لافروف عام 2016 بأنه يقوّض عقد محادثات من دون شروط مسبقة لمجرد انه يدعو الى حل سياسي، بينما تمضي موسكو في تطبيق الحسم العسكري!

طبعاً ليس من الواضح من ستكون الضحية الأممية الجديدة التي ستفشل في سوريا، لكن من المؤكد والثابت ان الأمم المتحدة هي الضحية الأولى وأن صدقيتها وفاعليتها دفنتا منذ زمن بعيد من فلسطين الى القرم وصولاً الى سوريا!

rajeh.khoury@annahar.com.lb

Twitter:@khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*