حسين ابن الضاحية في الثورة مع يارا وبولا

حسين ابن الضاحية في الثورة مع يارا وبولا

محمد أبي سمرا|الثلاثاء10/12/2019
Almodon.com

قرر حسين أن يمضي معظم أوقاته في ساحات بيروت (مصطفى جمال الدين)

في ليلة 17 تشرين الأول الماضي (2019)، قفز حسين من عطالته واكتئابه المديدين، وعزلته في بيت أهله في الرمل العالي، قفزته الأولى إلى “الثورة” التي كان يحسبها هرجة أو عراضة عنيفة، من تلك التي يقوم بها فتيان وشبان من جمهور “حركة أمل” و”حزب الله” على أطراف أحياء ضاحية الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي خارجها. هنا تتمة لسيرة خروجه من الضاحية إلى وسط بيروت:

ليلة “الثورة” الأولىعلى دراجته النارية وصل إلى طريق المطار في تلك الليلة: نيران تشتعل في إطارات مطاطية وسط الطريق، وحولها فتيان وشبان عاطلون و”جائعون” مثله، ويختلفون عنه في أنهم من جمهور الثنائي الشيعي اللصيق في تلك الأحياء المكتظة ببشر العمران العشوائي. فهو – على ذمته –  لم يكن يجاري أولئك الشبان والفتيان في هرجاتهم تلك التي خبرها وعرفها، من دون أن يشارك فيها، لأن انتماءه الشيعي يقتصر على تأييده السيد حسن نصرالله في حربه “الوطنية” على إسرائيل و”دفاعه عن لبنان”.

وكان فتيان الدراجات النارية وشبانها حملوا الإطارات، فرموها وسط الطريق ودلقوا عليها البنزين من زجاجات يحملونها، وأشعلوا فيها النيران. وهذا سلاحهم المعتاد في هرجاتهم التي يخرجون فيها إلى الطرق الرئيسية على أطراف أحيائهم وفي خارجها.

وحسين الذي يعرف فتياناً وشباناً كثيرين من شلل تلك الأحياء، يجزم أنهم من تلقاء أنفسهم، وبلا إيحاء أو أمر من منظميهم في “أمل” و”حزب الله”، خرجوا وتجمعوا وأشعلوا حرائقهم في تلك الليلة على طريق المطار. سمع بعضهم يقول: “لازم ننزل نولعها في ساحة الشهداء”، بعدما كانت القوى الأمنية ووحدات من الجيش قد جابهتهم بعنف على طريق المطار، وضربت بعضهم ضرباً عنيفاً.

على دراجته النارية توجه إلى وسط بيروت. في شارع بشارة الخوري المنحدر نحو ساحة الشهداء، رأى فتيان الخندق الغميق وشبانه – وهم يشبهون الذين يخرجون من أحياء الضاحية الجنوبية، ويفعلون مثلهم – يشعلون حرائق في ذلك الشارع. منهم من دخلوا بناية وحطموا فيها مكاتب وأشعلوا النيران في حطام خشبها. وبعضهم دلق المازوت على المولد الكهربائي في البناية وأراد حرقه. ومن كلام سمعه في أيام “الثورة” التالية لتلك الليلة، قد يكون حسين اتخذ من شعار “سلمية، سلمية” مثالاً جعله يرفض العنف في تحطيم الأملاك العامة والخاصة والمكاتب وحرقها، ليؤيد الهجوم على المصارف وتحطيمها، لأنها “هي التي مصّت دماء الشعب، وأفقرته”، على ما يقول، وقد يكون سمع هذه العبارة من مجموعات “الثورة” لاحقاً في ساحاتها.

ومن مخيلته وصورها المختلطة بوقائع شهدها في أيام “الثورة”، يستخرج أحكاماً يجزم فيها أن فتيان الأحياء الشيعية وشبانها هم وحدهم من أشعلوها وتصدروها، فيقول : “ما تقنعني أنو أبو حلقة (من يضع في أذنه قلادة)، وينادي papa وmama ، يتجرأ على الحرق والتكسير وقطع الطرق. فهو وأمثاله يحنّون أيديهم ألف مرة في النهار، ويستعملون  كريمات أكثر من أمهاتهم”.

ومكث حسين بين بشارة الخوري وساحة الشهداء حتى الرابعة من فجر نهار الجمعة 18 تشرين الأول الماضي. وشاهد مجموعات كثيرة من فتيان وشبان الضاحية الجنوبية والخندق الغميق، ومن سواها ويختلفون عنهم، يقومون بالحرق ويكرون ويفرون من مطاردات القوى الأمنية والجيش في نواحي رياض الصلح وساحة الشهداء. وهو في الرابعة فجراً غادر على دراجته النارية إلى بيته في الرمل العالي، بعدما كان المتظاهرون والحراقون قد غادروا وسط بيروت أيضا.

المسافرون و”ثوار الأحد”
في بيت أهله بالرمل العالي، بدّل حسين ثيابه، وفي السادسة من صبيحة الجمعة 18 تشرين الأول المنصرم، عاد على دراجته النارية إلى ساحة الشهداء التي كانت خالية تقريباً. وهو الذي منذ صغره يصلي، وحملته عطالته واكتئابه وعزلته في البيت في السنوات الأخيرة من حياته، على أن يتعوّد وحدته ويأنسها، فلا ينضوي في شلل الفتيان والشبان في الرمل العالي – على ما يقول – دخل وحيداً إلى جامع محمد الأمين في ذلك الصباح، فتوضأ وصلى وجلس في زاوية من زوايا الجامع، ثم نام حتى الثامنة صباحاً. ولما خرج ووقف في باب المسجد، أبصر الخيم منصوبة في ساحة الشهداء، ومكبرات الصوت تصدح بالأغاني، وبالدعوة إلى إقفال الطرق.

جال في الساحة، فتبين له أن المتظاهرين والمعتصمين والمخيمين نوع آخر من الناس، مختلف تماماً عن أولئك الذين أحرقوا وحطموا في الليلة الماضية. ففكر أن يرى ويعلم ماذا يحدث على طريق المطار. ركب دراجته النارية وتوجه إلى هناك، فرأى الطريق لا تزال مقفلة بالحرائق يشعلها فتيان وشبان ليلة الأمس إياهم.

وكان قد راج على طريق المطار المقفل بالحرائق أن ينقل فتيان الدراجات النارية وشبانُها المسافرين على دراجاتهم إلى المطار مع حقائبهم، لقاء 20 دولار على الراكب المسافر. فنقل حسين على دراجته عدداً منهم، وحصّل حوالى مئة دولار، ثم عاد ظهراً إلى ساحة الشهداء.

نهار السبت 19 تشرين الأول، وربما في ليله، كان بين المتظاهرين قرب مباني العازارية، عندما انهمرت عليهم القنابل المسيلة للدموع غزيرة، فركض حسين هارباً إلى حيث ركن دراجته النارية. لكن قنبلة سقطت على الدراجة مباشرة وعبق دخانها في وجهه وكاد يخنقه، فولى هارباً تاركا الدراجة في مكانها، وظل يركض وصولاً إلى مدخل شارع الجميزة لجهة ساحة الشهداء، لكنه وقع أرضاً يلهث مختنقاً، فحمله أحدهم على دراجته النارية وأوصله إلى مستشفى الوردية في الجميزة، فأجريت له إسعافات، عاد بعدها إلى حيث ترك دراجته، فلم يجدها. رأى جموعاً من شبان الخندق الغميق والضاحية الجنوبية يحملون سلاسل وقضبان حديد، وعصياً وسكاكين، ويشتبكون مع القوى الأمنية، ويرشقون عناصرها بالحجارة، ويهاجمون المتظاهرين ويعتدون عليهم أيضاً، بحجة أنهم يريدون بهتافهم – ” كلن يعني كلن” – إسقاط الأستاذ نبيه بري، الذي شتمه وسماه باسمه بعض من متظاهري ومعتصمي ساحات وسط بيروت وشوارعها. وكانت تلك واحدة من حملات فتيان “حركة أمل” وشبانها في الخندق الغميق، وهجماتهم على المتظاهرين لتأديبهم والثأر منهم لزعيمهم، الذي أرادوا رفعه إلى مستوى السيد حسن نصرالله في القداسة. وكانت المجابهات عنيفة في وسط بيروت في تلك الحملة، فأبصر حسين شاباً من شبانها يحمل بلاطة اقتلعها من رصيف، ويقذفها مباشرة على وجه ضابط من القوى الأمنية، فتحطمت نظارتاه وسال الدم من وجهه.

ظل حسين يجول على أطراف ساحة الشهداء مشاهداً مستطلعاً، وصولاً إلى أسواق بيروت. وظلت الحملة العنيفة والاشتباكات بين كر وفر حتى منتصف ليل السبت – الأحد تقريباً، فقرر حسين أن لا ناقة له ولا جمل في ما يحدث، وفكر ألا يشارك في “الثورة”.

لذا غادر إلى بيت أهله في الرمل العالي، لكنه عاد ظهيرة الأحد إلى ساحة الشهداء فوجدها تغصّ بحشود هائلة من المتظاهرين الملوحين بالأعلام اللبنانية على إيقاع الهتافات والأغاني التي تبثها مكبرات الصوت. حشود ضخمة تتظاهر في الساحات والشوارع، وفي خفة لاهية فرِحة يغنون ويرقصون مبتهجين بألوانهم الزاهية الراقصة، تخالطهم جموع غفيرة من الفتيات والصبايا والنساء الراقصات. أذهلته مشاهدهم وحيرته: من هم هؤلاء الذين كانوا ضدنا وتعرضوا للحملة العنيفة أمس، وجاؤوا اليوم (الأحد) إلى الساحات يغنون ويرقصون ليصنعوا ثورتهم؟! تساءل حسين الذي قال أنه لاحقاً اكتشف من هم وهنّ وهؤلاء: إنهم وإنهن ثائرو الأحد وثائراته، ويجيئون في “الويك اند” إلى الساحات للتعبير عن آرائهم غناء ورقصاً، ويذهبون إلى أعمالهم وأشغالهم وحياتهم المرفّهة الناعمة، وينامون في بيوتهم وأسرتهم في باقي نهارات الأسبوع ولياليه. فأهلا وسهلا بهم وبهنّ في ثورتنا التي خرجت من الضاحية الجنوبية والخندق الغميق في بدايتها، ليلتحق بها هؤلاء الذين صاروا يريدون إسقاط الرئيس الأستاذ نبيه بري وسيد المقاومة السيّد حسن نصرالله!

ثورة حسين وبولا
وهنا اعترف حسين أن شيئاً من الضياع تلبّسه، مضيفاً جازماً أن شبان الضاحية الجنوبية والخندق الغميق وفتيانهما تحركوا من تلقاء أنفسهم في أيام الثورة الأولى، لكنهم بأمر من مسؤوليهم تحركوا في هجماتهم التالية على المتظاهرين وصداماتهم مع القوى الأمنية. وبعد هذا الفاصل من الحيرة والضياع والتفكير في أنه عاطل عن العمل ومكتئب في عزلته البيتية منذ نحو سنتين، وأن هذه الثورة ثورته وأمثاله من العاطلين المفقرين، قرر الالتحاق بها والمطالبة بحقوقه. وهكذا قرر أيضاً ألا ينام في البيت، بل في ساحة الثورة، فاشترى خيمة ونصبها في ساحة الشهداء، إلى جانب سواها من الخيم. وراح ينام في خيمته حتى قرر جمعٌ من “ثوار الأحد وثائراته” التخييم على جسر الرينغ وتعطيل السير عليه.

قبل ذلك أمضى حسين أيامه ولياليه متنقلاً بين خيمته وساحات الاعتصام في الشهداء ورياض الصلح واللعازارية، ومخيماتها. وراح يحضر ما يسميه “مؤتمرات” وندوات ولقاءات كثيرة تدور فيها مناقشات في ساحة سمير قصير ومبنى “السيتي سنتر” البيضاوي العتيق، وسواهما من الأماكن في وسط بيروت. فتعرّف على كثيرين من أشباهه والمختلفين عنه، ومن سائر المناطق والأحياء والفئات والبيئات والاجتماعية والطوائف. أعجبته اللقاءات والحوارات، مستمعاً مستطلعاً في البداية، ثم معرِّفاً عن نفسه باسمه ومعلناً طائفته، وأنه من الرمل العالي، ومتحدثاً عن عطالته وبطالته وأمثاله في أحياء ضاحية الضاحية الجنوبية. فيقول له السامعون والسامعات: برافو عليك يا حسين، انت عم تحكي صح وكثير منيح. ليش ما بتقول للناس اللي متلك ورفقاتك وبتعرفهم، أن يكونوا مثلك ويعملوا مثلك، ويأتون إلى الساحات ويحضرون المناقشات ويتظاهرون؟ وكان جواب حسين على مثل هذه الاسئلة أنه حاول ويحاول أن يفعل، لكن رفاقه وأمثاله لا يريدون ذلك. وحين عرضت عليه “الجمعيات” أو “المجموعات” في الساحات أن تساعده وتعطيه مصروفه وثياباً وتقدّم له وجبات من المآكل، قال إنه لا يريد. وكان بين الراغبين والراغبات في مساعدته ومستحسني حضوره وكلامه، فتيات وصبايا أسماؤهن غريبة الوقع في سمعه، مثل مسلكهن وهندامهن وتصرفهن، ومنهن ميسا ويارا وناهد وسيلفانا… وبولا المسيحية التي أخذت تستلطفه، وترافقه في تجواله بين الساحات وتستمع إلى كلامه عن أحواله وأوضاعه، راغبة في التعرف إليه أكثر فأكثر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*