حسن داود باحثاً عن السرد في سفينة الذات


أنطوان أبو زيد
الحياة
16022018

في الرواية الجديدة للكاتب حسن داود الحائز على جائزة «نجيب محفوظ» للأدب عام 2015، وهي بعنوان «في أثر غيمة» الصادرة العام الفائت (2017) عن دار الساقي يختار أن ينخرط في مغامرة سردية لم يسبق له في ما خبره من أعمال روائية سالفة– منذ روايته الأولى «على شرفة آنجي» وبناية ماتيلد و «مئة وثمانون غروباً» و «أيام زائدة «

إلى «لعب حي البياض» مروراً بـ «غناء البطريك» و «أيام زائدة « و «لا طريق إلى الجنّة» وانتهاء بـ «نقّل فؤادك» وروايات أخرى- أن خاض فيها عنيتُ بذلك حصر الإطار المكاني في الرواية بحيّز ضيّق جداً، هو حيّز السفينة التي تقلّه وأزواجاً آخرين في رحلة مفترضة إلى مكان واختبار مدى قدرة الراوي- الكاتب على نسج خيوط الحكي بعضه من بعض وتجديد زاوية النظر كلّ حين حتى البلوغ بالسرد إلى حدّه المتوّتر المطلوب– في أوج الحبكة– والمنساب بسلاسة إلى ختامها. لا يقول الروائيّ ذلك أو قد يشير إليه على نحو غير مباشر إنما يقوله القارئ –شأني- إذ لا يقع على أي إشارة إلى مكان الرحلة ولا إلى ما ينطق سياق القص بما يشير إلى طبيعة السفينة العابرة بالمسافرين إلى جهات مجهولة كذلك.

إذاً، تنقل رواية «في أثر غيمة» وقائع مغامرة عاشها الراوي «سالم الشريف» وبلسانه وحده طبعاً، على متن سفينة بلا اسم من أجل أن ينصرف إلى الكتابة باعتباره كاتباً، وقد أحيل لتوه على التقاعد، بيد أنه وهو على قيد الدخول في عالم الكتابة، وبينما كان يهمّ بإخراج الجزء الأول من رواية هاروكي الضخمة، وبينما لا يزال في الطائرة التي تقلّه والمسافرين في الرحلة النهرية ذاتها (1Q84) موراكامي، فإذا بباب الحشرية أو السرد ينفتح على مصراعيه ولا ينغلق إلاّ في ختام الرواية على مصير شخصية «فريال» التي سوف تكون «حرّة «على لسان أحد الركّاب من سلطان رجل أو ذكر كان لا يزال آسراً إياها بحكم اللعبة المفروضة منذ البدء أن يكون الداخلون إلى السفينة أزواجاً على صورة سفينة نوح ربما لتخليصهم من طوفان الحياة المألوفة التي يحياها كلّ منهم في حياته الزوجية ما قبل الرحلة.

وتبعاً لهذا، سوف يكون لشخصية الراوي «سالم شريف» وهو المستوحد الوحيد على ظهر السفينة أن يحيا تجربة البحث عن رفيقة الرحلة لمى مع ما لازمها من كشف عن علاقات خفية وعقود مستترة وراء عناوين ووجوه ذات تواريخ غامضة، والأهم من ذلك كله أن الراوي «سالم» وهو الآخذ بتلابيب الكاتب سوف يتسنى له أن يختبر مشاعره الذاهبة إلى حدها الأقصى في تمدده إلى جانب «لمى» بعد مطاردة طويلة على متن السفينة ووشك دخوله في علاقة جسدية حميمة معها لولا «اكتفاؤه بتلك الرغبة في النساء» (ص186)، وإدراكه أنّ ثمة شخصاً يسعى في إثرهما ليحدّ من ذلك الانغماس، عنيت «عبدالإله» وقبله «تميم» اللذين تبدّى له أنهما مشغّلاها وأنّ أحدهما (تميم) يمكن أن يكون ملاحقاً أو أنه «يعيش على الباخرة- هو ورضوان وتميم– وربما قتل أحداً، ربما قتل أكثر من واحد، ربما ارتكب

مجزرة ..» (ص259) على حدّ قول فريال. وعلى هذا النحو تتنامى وقائع الرواية بفضل الحبكات العميقة والدقيقة والمماثلة لجراحات وانغرازات في جسد الحكاية الذي لا يني يمطّ ويتّسع ويتلوّى على صورة العلاقات وخيوطها التي راحت تتكشّف كلما تقدّم السرد واتّضحت حقيقتها العميقة من تحت غلاف المظاهر التي غالباً ما تبيّن الأمور منقوصة.

تُدخل رواية حسن داود القارئ في عالم من مشاعر بل في سيرورة من المشاعر تخلق الحدث أو تضفي على ملامحه (الحدث) الضئيلة ما يجعله جديراً بالحياة والنماء والتصاعد الهادئ، وصولاً إلى التحوّل. ولربما سوف يسعى الباحثون في ما بعد إلى درس ظاهرة «التحوّل» البطيء الذي يصيب الشخصية الرئيسية في روايات حسن داود من مثل «أيام زائدة» و «لا طريق إلى الجنّة» و «نقّل فؤادك»، إضافة إلى رواية «في أثر غيمة» التي نحن بصددها. ولو شئنا أن نمضي في سرد الحبكة الرئيسية التي تتمحور حولها الأحداث ولو أردنا الحديث عن الإطار المكاني الذي شرع المؤلف في رسمه مسرحاً لهذه الأحداث لقلنا أن لا مكان حقيقياً أو طيفياً في رواية «في أثر غيمة» وفي أغلب رواياته الكاتارثية أي المفعول التطهّري ذاته على ما وصفه أرسطو في كلامه على الدراما المسرحية. لا مكان حتى إن مضى الكاتب في بناء ذلك الوهم بالمكان على امتداد الرواية وببراعة المخرج السينمائي الذي يسلط كاميرته

من البعيد ومن أعلى، لتتبدّى الباخرة للناظر من المستوى الإجمالي العام ولا تلبث أن تهبط لتلتقط تفاصيل أكثر دقة وصغرا ونفاذا كلّ مرة. وبهذا المعنى تخلق كاميرا حسن داود المكان على عموميته، فيصير خاصاً وحميماً وتبتدع مشاهد كمشهد القرية التي صادفتها الباخرة بوجودها إلى إحدى ضفتيها، فتغدو ممكنة التصديق وقابلة لأن تمثّل لو أوتي له مخرجٌ متمكّن.

لا فصول في الرواية. ولا ترقيم ولا تبويب. ثلاث نجوم مطبعية تفصل كل مشهد روائي عن آخر. وقد يكون المشهد كناية عن ليلة سردية تضاف إلى ليلة في مجرى كتابي يعرف مساره غيباً، كما تعرف مياه النهر مصبّها الأخير. ذلك أن مفهوم الرواية الاستبطانية القائمة على التحوّل الداخلي الذي يصيب الشخصية الرئيسية في الرواية بمثل ما يصيب الشخصيات المحيطة بها، لا يستدعي بالضرورة تأطيراً نمطياً كالذي ذكرناه، فالراوي سالم الذي خبِرَ وحدته على متن الباخرة وقاسى نظرات الأزواج إليه وضاق مرارات الفشل من نيل الحظوة لدى «لمى»، في خلال السهرات المتعاقبة والحفلات الراقصة التي كان يمتنع عن الدخول في حلبتها الصاخبة ثم أيقن بوجود عقود مضمرة بين من اصطفاهم (لمى على سبيل المثال) لرفقته القصيرة وبين عتاة ومشتبه بشخصياتهم الأولى التي يظهرونها للناس.

«إن لم يتغيّروا في الرحلة ليصيروا غير ما كانوا قبلها إن لم يتغيروا هم أنفسهم فإن الآخرين الذين يعرفونهم أو يتعرفون إليهم سيجدون أنهم سريعاً ما يفارقون هيئاتهم الأولى..» (ص115). «أنا نفسي لم أعد كما كنت، وكذلك رضوان..» (ص107) ومع ذلك ثمة الكثير مما لم يتسن لنا قوله في اللغة الروائية العالية الضنينة بفصاحتها الحية الهادرة براهنيتها حتى في الحوارات. والكثير مما يقال أيضاً في رمزية الرحلة غير الحقيقية بل المتخيلة التي يسوقنا إليها السرد المتين والوصف العدّاء وعابر الحواجز والجدران.

«- في الرحلات لا شيء مما يحدث حقيقة. تلك كانت حكمته، خلاصة تجربته خلاصتها المتفائلة التي لا تخصّني وحدي بل تجمعنا معاً أنا وهو: أنا لم أخسر شيئاً مما فاتني مع لمى أما هو أما عنه فإن فريال ستفيق من منامها لا بدّ وهي ستبدأ ذلك من لحظة ما يسير بنا الباص…» (ص264).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*