الرئيسية / أضواء على / حسان دياب “ولايته” في التربية تحت الوصاية السياسية ملفات “طُبخت” مع جبران باسيل وعبد الرحيم مراد

حسان دياب “ولايته” في التربية تحت الوصاية السياسية ملفات “طُبخت” مع جبران باسيل وعبد الرحيم مراد

قدم رئيس الحكومة المكلف حسان دياب سيرته كشخصية مستقلة، أقله وفق ما أعلن رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل خلال تسميته في الاستشارات أنه مستقل ونظيف الكف. قيل عنه هذا الكلام والكثير من التعليقات أيضاً حين تسلم وزارة التربية والتعليم العالي في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في حزيران 2011، والذي سماه شخصياً، وهو الذي نشر سيرة ذاتية بإنجازات أكاديمية وجوائز لا تعد ولا تحصى، حتى أن من قرأها اعتقد أن تجربته في التربية ستكون نموذجية واصلاحية قد تنعكس على الحكومة برمتها. لكن الرهان على تجربته الأكاديمية في الجامعة الاميركية في بيروت، أظهرت بعد مدة وجيزة أنها ليست على مستوى الهالة التي رسمت حوله، وان الوزير “الاصلاحي” حمل ملفات سياسية إلى التربية بالرغم من إظهار شخصيته انه لا يتعامل بالسياسة، فيما كل ملفات التربية كانت تذهب لمصلحة أطراف سياسية مهيمنة.

لم تنعكس تجربته الاكاديمية على عمله العام في الوزارة. كانت تتضح الأمور يوماً بعد يوم في التربية التي كانت في عهدة عدد من المستشارين الذين يقررون بوصاية سياسية، من تمرير ملفات لحسابات خاصة، ليتبين أن المقرر في الوزارة كان من خارجها، فإذا أصبح دياب رئيساً للحكومة، اجتمعت حوله الأسماء ذاتها التي تهيمن على القرار السياسي في حكومة الاكثرية. هنا لا يعني أن رئيس الحكومة من الاختصاصيين مستقل فعلاً، طالما أن تجربته في وزارة التربية لم تعكس أي استقلالية يمكن الاسترشاد بها. ويمكن الاستدلال في ذلك على قرارات اتخذها دياب في الوزارة، منها مثلاً تنفيذ قرار اتخذه وزير الطاقة في حكومة ميقاتي جبران باسيل، حين أصدر مجلس الوزراء في أواخر 2012 مرسوماً بلا مقدمات قضى بإدخال استاذ موظف في قطاع رسمي، ومتعاقد في الوقت نفسه الى ملاك الجامعة وهو كان سيحال الى التقاعد بعد سبعة أيام من اصدار مرسوم ادخاله الى الملاك من التعاقد مباشرة. وقد نص المرسوم رقم 9748 على انهاء خدمة رئيس مصلحة الوصاية الكهربائية في ملاك وزارة الطاقة والمياه بناء لطلبه، لبلوغ خدماته أكثر من 20 سنة كاملة، وتعيينه في ملاك الجامعة اللبنانية التعليمي، في كلية العلوم الاقتصادية وادارة الاعمال. وأقر بناء على اقتراحي وزيري الطاقة والمياه والتربية والتعليم العالي.

الوصاية التي قدمت دياب في التربية هي نفسها التي تقدمه اليوم، باختلاف وحيد، هو ان الرئيس نجيب ميقاتي لم يتبناه، فيما كان في عام 2011 أحد الشخصيات المفضلة لديه، من أصوله الطرابلسية وحياته البيروتية. يستطيع مثلاً جبران باسيل أن يمون على دياب ويسير وإياه في خط واحد، كما يمكن لممثلي الثنائي الشيعي أن يكونوا مرتاحين في التعامل معه ضمن إطار الوصاية السياسية. وللتذكير مثلاً أن دياب حين تولى التربية قرر منع التصريحات وتسريب التعاميم الصادرة عن الوزراة وأنذر الموظفين بذلك من خلال تعميم صدر بتاريخ 16 كانون الأول 2011، بعدم تسريب أي معلومات أو ابلاغ أي نصوص صادرة عن وزير التربية او عن المراجع المعنية في الوزارة، وعدم تسليم اي صورة عن هذه النصوص الى اي كان، ويطلب أيضاً عدم الإدلاء بأي تصريحات لوسائل الإعلام من دون أخذ الموافقة المسبقة من الوزير شخصياً. وهو يعرف أن أي تعميم يذهب إلى الآلاف لإبلاغهم وتسليمهم نسخاً منه، ما يعني أن هذه السياسة كانت تحمل وجهة قمعية من دون أن يتقدم الوزير نفسه بأي مشروع لإعادة هيكلة وزارة التربية. علماً أنه عمد حينذاك الى تغيير أقفال أبواب مكاتبه وتغيير الموظفين الذين ينقلون أوراقاً ما بين المكاتب.

الاستنساب في القرارات طبعت تجربة دياب في التربية. ففي ليلة في منتصف عام 2012 طبخ مع الوزير السابق عبد الرحيم مراد والنائب السابق عباس هاشم لساعتين ملف ترخيص جامعة لامراره في مجلس الوزراء. لم ياخذ دياب بتقرير اللجنة الفنية للتعليم العالي وقف التراخيص للجامعات الخاصة، اذ رفع الى مجلس الوزراء ملف الجامعة الدولية في بيروت BIU فأقر في مجلس الوزراء رغم الخلاف القائم في شأنها. أصر دياب على أهمية الترخيص وداعياً الى امراره، ومشدداً على انه يستوفي الشروط، علماً أنه شكّل مادة خلاف قانونية، خصوصاً مع اعضاء جمعية وقف النهضة الخيرية الاسلامية في البقاع، والتي هي صاحبة الترخيص للجامعة اللبنانية الدولية LIU، اذ ان مشروع المرسوم يستبدلها بالجامعة الدولية في بيروت، علماً أن المستشار القانوني في رئاسة مجلس الوزراء السابق الدكتور يوسف نصر، رفع تقريرا افاد فيه ان اللجنة الفنية المكلفة دراسة الطلب لفتت الى انه لا يستوفي الشروط القانونية الاساسية. كما ان هناك تضاربا في المصالح ناشئاً عن كون مقدم طلب الترخيص، مدير شركة ديبلوماكس هو نائب رئيس الجامعة المذكورة، وان ابناء رئيس الجامعة عبد الرحيم مراد يملكون ثلثي الحصص في الشركة طالبة الترخيص، فيما مدير الشركة هو صهر رئيس الجامعة.

أدت سياسة دياب في التربية الى خلل في الإدارة كلها، إذ أنه سمح بالتدخلات السياسية لأطراف كانت لديها مصالح في الوزارة. تسبب ذلك مثلاً في تسريب أسئلة مادة الاجتماع في دورة الامتحانات الرسمية الاولى 2013. لكن أكثر الملفات التي خلخلت بنية التعليم الرسمي بمراحله المختلفة، كانت عمليات التعاقد التي ضربت بنية التعليم. ففي ولاية دياب في وزارة التربية التي استمرت 3 سنوات، دخل إلى التعاقد أكثر من 8 آلاف متعاقد، ويقال أن هناك أرقاماً مخفية إذ أنه في عام 2013 وحده جرى التعاقد في شكل عشوائي مع أكثر من 3500 أستاذ في المراحل كافة، وهي تركزت في بيروت والجنوب والضواحي والشمال، من دون أن تكون هناك حاجات حقيقية، وليتبين الخلل حينها في تقرير للمركز التربوي للبحوث والانماء عن المعلمين والتلامذة عام 2011 بأن عدد المعلمين ارتفع أضعافاً بحيث أصبح لكل معلم في الصف 8 تلامذة. وحتى في حالات التكريم، قرر مثلاً اطلاق اسم والدته على احدى مدارس منطقة الزيدانية، وهو موضوع يرتبط عادة بتكريم أسماء حققوا انجازات في البلاد.

على مدار “ولاية” الوزير السابق الذي أصبح دولة الرئيس المكلف، كان الاصلاح مجرد شعار. وبين “الولاية” التي تصّدرت كمصطلح عنوان كتاب الصور والخطب والكلمات الذي أصدره، وبين “العهد” فرق كبير. وما حكي عن انجازات يحتمل الكثير من التأويل والنقاش. فهو قرر اختصار الحديث عن انجازات لم تتحقق. أما الإنجاز الرئيس فهو الذي أخرجه الوزير السابق بكتابين ضخمين، الأول يجمع مئات الصور والكلمات والخطب، والثاني كتاب يتناول أهم انجازاته، مفرغة من الملفات التي أثيرت حولها علامات استفهام كثيرة عن مخالفات على غير مستوى وصعيد. ويذكر دياب في انجازاته انه حقق وفراً مالياً في نفقات الصرف في الوزارة، انطلاقاً من حرصه على المال العام، فيما طبع الكتابين كانت كلفته أكثر من 70 مليون ليرة، والشركة المكلفة هي نفسها التي فازت بطبع الكتاب المدرسي، فقدمت حسماً للإنجازات، لكن الإضافات على الكتابين رفعت من الكلفة مجدداً، ما يخبئ الكثير من المفاجآت في جعبة الوزير السابق الذي خرج من الوزارة ولم نسمع عنه شيئاً. وها هو اليوم يعود رئيساً مكلفاً للحكومة، فيما القصور الذي شهدته تجربته في الوزارة يحتاج إلى تقويم. أما الأكيد فإن حسان دياب الرئيس ليس مستقلاً ووصايته السياسية واضحة كوضوح الشمس.

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

Twitter: @ihaidar62

اضف رد