الرئيسية / home slide / حسابات مخيفة ومقابلة غير مقنعة

حسابات مخيفة ومقابلة غير مقنعة

أحدهم سطّر لنا حساب ما يساوي 100 دولار من عملات دول الممانعة التي اعتبر ان لبنان مرشح للانضمام إليها. المائة دولار تساوي من عملات دول الممانعة: لبنان 130 ألف ليرة لبنانية + 100 ألف ليرة سورية + 24 ألف دينار عراقي + 300 ألف تومان ايراني.

لا شك في ان هذه الحسابات المبدئية، وقد تتعدل سلبًا، تبين مدى فداحة خسارات هذه البلدان نتيجة انعدام التحويلات اليها، ومحاصرة صادرات النفط من ايران والعراق، ومدى التبذير الحاصل في دول الممانعة. ونحن في لبنان تسببنا في تبخر الاحتياط من العملات الأجنبية وتراجعنا عن تسديد القسط الأوّل من قروض “اليوروبوندز” وبدأنا نبحث عن وسائل تمويل الحاجات الأساسية، ومستشفياتنا، التي كانت مستشفيات الشرق الاوسط، تحتاج الى الأدوية والتجهيزات. ولا نستطيع تخيل تجاوز الأزمة إلّا إذا اخترنا شفافية العمل في القطاع الحكومي الذي يمثل 55 في المئة من الدخل القومي وكل ما نسمع ضرورة تشجيع الصناعة والزراعة، علمًا بأن تكاليف الكهرباء للصناعة تلغي أي قدرة على المنافسة، والمنتجات الزراعية تشكو من تلوث مياه الري وتأخر عمليات تنظيف مجاري الأنهر الأساسية، ويضاف الى كل ذلك المخاوف التي برزت من مقابلة وزير الطاقة مع مذيع الاخبار في محطة الاستاذ تحسين خياط أي تلفزيون “الجديد” منذ أسبوع.

الوزير سارع الى نفي انتسابه الى “التيار الوطني الحر” وأكد أنه لا يخضع لتوصيات سياسية من أي جهة وردت، ومن ثم تحدث مطولاً عن شؤون الطاقة الكهربائية من غير ان يضيف أي جديد سوى حديثه عن محطة دير عمار المتعاقد عليها منذ 2013 والتي تأخر تنفيذها حسب المتعهد الذي لجأ الى فقرة التحكيم بسبب تأخر السلطات اللبنانية في المبادرة الى دفع القسط الأول المستحق قبل بداية التنفيذ، علمًا بأن المتعهد – أي شركة قبرصية يونانية – كان قد ابتاع محركات الانتاج من شركة “جنرال الكتريك” الأميركية ووضعها في مستودعاته بانتظار دعوته الى التنفيذ، ولم يحصل الأمر، فانتهت القصة بمحكمة لفض النزاع على أسس التحكيم المتفق عليها.

الوزيرة السابقة للطاقة كانت قد صرحت بأن أسس الاتفاق مع طرف جديد على إنشاء وتشغيل المحطة بطاقة 450 ميغاوات شبه منتهية، وتالياً أن العمل على إنجاز المحطة لا يحتاج إلى أكثر من سنتين.

أمّا الوزير الجديد، الذي يبدو أكثر إلماماً بالشؤون التقنية، فقال عندما سئل عن توقيت بدء تشغيل هذه المحطة، إن الأمر يحتاج أولاً الى انتظار قرار التحكيم في لندن، وهذا الأمر قد لا يتوافر قبل سنتين، وتالياً لا يمكن انجاز أي اتفاق على أعمال الانشاء قبل سنتين وربما نصف سنة اضافية للاتفاق على المواصفات، ولذا قد تكون المحطة جاهزة خلال ثلاث سنوات، أي بعد ستة أشهر من انتهاء العهد الحالي.

اضافة الى ما قاله الوزير، ويبدو انه يعني ان لا اتفاق موقعاً حتى تاريخه وربما هذا الامر من حظ لبنان الذي كان سيئًا للغاية في مجال انتاج الكهرباء بكلفة معقولة، فمشروع الاتفاق – لا الاتفاق كما أكدت الوزيرة السابقة – تركز فيه البحث على مجموعتين، احداهما لمستثمر اكتسب الجنسية اللبنانية منذ سنة وهو لا يحوز أي أهلية في تسيير محطات الكهرباء وانجازها، كما ان أوضاعه المالية عرضة للتساؤل الجدي في هذا الوقت الذي نتفحص فيه سياسات إقراض بعض المصارف ومدى تعريضها استقرار سعر صرف العملة اللبنانية.

الشريك المشار إليه مدين لأكبر مصرف لبناني بما يساوي 400 مليون دولار – منها 350 مليون دولار في بيروت و50 مليون دولار في القاهرة في فرع للمصرف الأكبر في بيروت – وقد انجزت وكالة التمويل الدولية IFC التابعة للبنك الدولي دراسة عن أوضاع هذا المستثمر ووجدت انه لا يحوز الأهلية للاقتراض، وذلك عوض البحث عن مستثمرين من ذوي الخبرة العالمية والنشاط الدولي مثل شركة “سيمنز” الألمانية، وشركة كهرباء فرنسا، والشركة الايطالية السويسرية، وشركة “جنرال الكتريك” الاميركية. ولو بحث الوزير حقًاً عن شركات أخرى لاكتشف ان كوريا الجنوبية تنتج معامل حديثة للانتاج الكهربائي وكذلك الصين التي لديها احدى كبرى الشركات العالمية وقد حققت اختراقات في مجال نقل الكهرباء توفر متاعب مد خطوط التوتر العالي.

الشريك اللبناني ممثل بشركة ناجحة في مجال توفير حاجات القوات الاميركية في العراق ومنها الغذاء ومنذ وقت قريب استطاع أصحابها شراء مصفاة متقادمة العهد في بلد أوروبي اشتراكي سابقًاً، وهم يسعون الى تطوير هذه المصفاة بمساندة شاب لبناني ذي خبرة في عالم النفط في المقام الأول. وبما أنّه ظهر ان أصحاب الشركة اللبنانية أو المصفاة المعنية بين من يطالهم الادعاء باستيراد كميات من مشتقات الديزل غير المستوفية الشروط الفنية، بات من الصعب بل المستحيل متابعة المناقشات مع هذا الفريق في شأن أي مشروع كهربائي مهم.

الوزير أكد ان توافر الكهرباء 24/24 ساعة يمكن انجازه خلال ثلاث سنوات شرط انشاء معمل جديد ثانٍ في دير عمار – غير المتعاقد عليه والمتوقف – ومعمل في الزهراني، ومعمل في سلعاتا، وكانت شركة كهرباء فرنسا، التي كلّفت مسؤولية اختيار المواقع حسب الشروط الفنية – قد استثنت موقع سلعاتا لعدم مناسبته.

بعد كل هذا تناسى الوزير موضوع انتاج الطاقة المستدامة من المراوح الهوائية، والألواح الزجاجية التي تحتفظ بالحرارة وتحولها الى طاقة كهربائية، وقد أشرنا مرارًا وتكرارًا الى أمرين: أولاً، ان مجرى الليطاني يحوز ثلاث محطات كهرومائية طاقتها 190 ميغاوات متوقفة عن العمل منذ عام 2006 بسبب عدم الصيانة لعدم توافر الأموال، التي توافرت بأكثر من المطلوب لاستئجار السفن، وثانيًا، ان الأردن ينتج 1000 ميغاوات من حقول للألواح الزجاجية الكهربائية ويمكننا الاستفادة من خبرة الأردنيّين.

ان المآخذ على ما يسمى خطة الكهرباء وموقف صندوق النقد الدولي، وقبله منذ عشرين سنة وتزيد أن مصلحة كهرباء لبنان في حاجة الى اصلاح جذري سواء على صعيد الطاقم البشري والفني الاداري أو على صعيد تطوير وسائل متابعة الاصلاحات وتحصيل الفواتير، وفي حال تأخر هذه الاصلاحات كما يبدو من كلام الوزيرة ومن ثم الوزير الأوسع إلمامًا بشؤون الكهرباء يمكن التقدير أن سلطات صندوق النقد الدولي لن توافق على إقراض لبنان 10 مليارات دولار ما دامت وسائل الانفاق والتحقق من منافعها معدومة.

الانقاذ يحتاج الى تفكير منفتح على التغييرات الدولية والى تجاوز مقولة الاعتماد على الصناعة والزراعة والابتعاد عن الاقتصاد الريعي، ونسمع هذه الاقوال وكأنها انشودة منسية، والواقع ان المتحمسين لهذا التحليل غائبون عن تتبع التطورات العالمية في مختلف جوانب تحصين العمل الاداري الحكومي وتطويره، سواء العمل الروتيني أو الاستشرافي، والمواطن العادي الذي ينُوء بأثقال الاهمال ليس له سوى الأمل في توافر عجائب تحمي لبنان وأهله.