“حزب الله” يستوعب عصف العقوبات… هل تستمر واشنطن بالضغوط لتنفجر لبنانياً؟

بات واضحاً أن العقوبات الأميركية على #حزب_الله ستطاول حلفاء له وشخصيات من طوائف مختلفة في لبنان والخارج. ووفق سياسي لبناني متابع لحركة الاتصالات مع الأميركيين، أن واشنطن بإدارتها الحالية ستواصل الضغط على الحزب مالياً وسياسياً وستستمر في فرض الحصار عليه، غير آبهة بما قد ينتج من ذلك لبنانياً. هذا الموقف أكده مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون مكافحة الارهاب وتبييض الأموال مارشال #بيلينغسلي في زيارته الاخيرة للبنان، إذ إن الضغوط لا تستهدف الحزب فحسب، بل هي أيضاً “للتشجيع على اتخاذ الخطوات اللازمة للبقاء على مسافة من حزب الله وغيره من الجهات التي تحاول زعزعة استقرار لبنان ومؤسساته”. هذا الموقف لم يعلّق عليه الحزب مباشرة، إذ هو تكرار لما أعلنه مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شنكر، وهو أي “حزب الله”، بدأ منذ أكثر من سنتين اتخاذ إجراءات لتجاوز العقوبات ونجح، وفق السياسي، في الحد من آثارها على بنيته وإن كان تأثر بها في ما يتعلق بمشاركته في النظام.

منذ أن قرر الحزب مشاركته في السلطة وتمثيله مباشرة في الحكومة، كرّس نهجاً جديداً مرتبطاً بارتدادات العقوبات، فلم تثنه الإجراءات الأميركية عن المجاهرة بأنه الطرف الأقوى في لبنان، وهو الأقوى فعلاً اليوم بفائض قوته وباستمرار دعم إيران التي تستخدم كل أوراقها في المواجهة مع الأميركيين، وضمان قدرتها على تصدير نفطها، ما يعني أن إيران نفسها تمكنت من كسر العقوبات خصوصاً في قطاع النفط الذي لا يزال يدر أموالاً ودولارات على الخزانة الإيرانية، حتى أن الاميركيين اليوم يفكرون، وفق السياسي، في العمل على تقييد حركة انتقال ناقلات النفط الإيرانية أو التضييق عليها ليكون الحصار فاعلاً على مختلف المستويات، وهو أمر قد يؤدي الى تحويل مضيق هرمز الى حالة من الفوضى، إذ إن الإيرانيين سيردون بمزيد من ضرب منشآت نفطية في منطقة #الخليج وغيرها عبر حلفائهم أو أدواتهم.

تمكن “حزب الله” حتى الآن من تجاوز العقوبات، وهو يدير بنيته المستقلة عن الدولة والمتداخلة فيها بطريقة تجعل استمرار التمويل متاحاً بالحد الادنى. وقد ساعده تدخّله في سوريا وانتشاره في غير محور إقليمي في الحصول على تمويل ورفع قدراته القتالية والامنية واللوجستية واستعداداته، على رغم الحصار المفروض. وينقل السياسي عن أوساط عراقية أن “حزب الله” لا يزال يحصل على الأموال، وأن الإدارة الاميركية لن تستطيع تجفيف منابعها، فإذا بها تقرر في شكل غير مباشر معاقبة لبنان وإنزال أشد العقوبات بأسماء ومؤسسات وشركات، وهي تعرف أن هذا الامر يؤثر على المالية العامة اللبنانية وعلى المصارف وعلى الشركات وعلى تصنيف لبنان الذي يئن تحت الوجع النقدي وفقدان العملة الصعبة، ما يعرّضه، إذا استمرت الأمور على هذه الحال، للإنهيار أو الإفلاس أو الفوضى. ويقول السياسي المواكب إن #إيران مثلاً تستخدم كل أوراقها في المواجهة، فيما بات “حزب الله” هو الأقوى بسبب ضعف الموقع المسيحي بالدرجة الأولى، ثم الموقع السنّي، إذا كانت الأمور تقاس طائفياً. فالموقف الإيراني ليس منفصلاً عن العقوبات الأميركية، التي لها تأثير على الداخل اللبناني و”حزب الله” الذي تمكن حتى الآن من تجاوز سلة العقوبات السابقة، على رغم أن مخاوفه تبقى على بيئته الحاضنة، ومؤسساتها وجمعياتها وحتى بلديات ونواد تتعرض لضغوط وتضييق، وهذا الأمر الذي يشكل بالنسبة إليه مأزقاً، إنما يدفعه إلى مزيد من التشدد والمواجهة.

يشير السياسي إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه برّي قدم خلال استقباله بيلينغسلي قراءة شاملة حول العقوبات وآثارها على لبنان، وشدد على أنها تستهدف لبنان بشعبه ومكوناته، ولا تستهدف “حزب الله” فقط. وهي لا تؤدي إلى ابتعاد الناس عن الحزب، إنما تزيدهم تم

سكاً به. هذا الموقف يعني في شكل غير مباشر أن “حزب الله” تمكن من تخطي العقوبات وتأثيراتها، ويعني أيضاً من خلال مرجع لبناني أن الحزب هو بنية قائمة بذاتها، وبالتالي فإن العقوبات لن تؤدي الى حلول لإضعاف “حزب الله” إذا بقيت الدولة في مسارها الإنحداري، خصوصاً أن الإدارة الاميركية، وفق السياسي، تفصل في تعاملها بين الجمهورية الإيرانية وبين الحزب، فهي مستمرة في فرض إجراءات ضد “حزب الله” ولبنان أيضاً بينما تسعى الى الدخول في مفاوضات مع طهران.

للتأكيد أن “حزب الله” استطاع تجاوز سلة العقوبات، أن الإدارة الاميركية باتت تعلم أن الحزب كرّس واقعاً في لبنان بفائض قوته، إذ باتت الموازين لمصلحته واضحة على القرار، خصوصاً أن له امتدادات في بيئات طائفية أخرى، إلى حد أنه يستحيل خروج أي طرف سياسي على هيمنته، وإن كانت القوى المعارضة له لا تزال ترفع صوتها إنما بلا تأثير، وهي تخشى مواجهته وتتجنّب إحراجه، بحيث ان بعضها يطلق مواقف ترضي “حزب الله” والأميركيين معاً. وعلى رغم تأثير العقوبات على بعض نشاط الحزب، إلا أنه لا يزال مرتاحاً سياسياً ويعلن أن لديه أوراقاً يمتلكها ضد الحرب المفتوحة عليه مالياً وبالطبع عسكرياً.

يذكّر السياسي نفسه بموقف السيد حسن #نصرالله في الرد على العقوبات ومطالبة الدولة بموقف واضح من الإجراءات، لكن ذلك يعتبر رداً سياسياً، إذ ان الحزب يمتلك القوة في ملفات عدة، بينها موضوع الترسيم والتنقيب عن النفط، وكذلك وضع الحدود، إلى ملفات حساسة كثيرة يمكن أن تشكل مجالاً مفتوحاً لتحسين وضعه وشروطه في المواجهة. ويقول السياسي المواكب إن الحزب يسير بخريطة طريق مختلفة لبنانياً، لكن مشاريعه الاقليمية لن تنتهي، فهو الطرف المسلح الوحيد الذي يملك صواريخ متطورة والأكثر تنظيماً، ووجوده في سوريا يكرسه أحد الأطراف الأساسيين، وهو يستطيع أن يحصل على المال والسلاح على رغم العقوبات والضغوط والحصار، طالما أن بنيته القتالية قائمة بذاتها. لذا تبدو العقوبات تطاول اللبنانيين اليوم أكثر من “حزب الله”.

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*