الرئيسية / مقالات / “حزب الله” وطريق التناقضات… دفاع هش

“حزب الله” وطريق التناقضات… دفاع هش

الصورة عن “أ.ف.ب”.

لا يشكّل إطلاق سراح عامر الفاخوري سوى رصيف على طريق التناقضات التي يسلكها “حزب الله” منذ أشهر. كان أول الغيث مع انطلاق شرارة الانتفاضة اللبنانية في السابع عشر من تشرين الأول الماضي. لم تستطع مساعي “الحزب” الحثيثة إقناع فئات واسعة من بيئته الشعبية قبل معارضيه، بأنه جندي في صفوف الشعب المنتفض. كال بمكيالين. صنف “الثوار” واحتكم إلى منطق التجزئة بحسب التحركات والمواقف التي تتناسب وتطلعاته. أضحت الانتفاضة في منظوره نظيفة صباحا ومشبوهة في ساعات الظهيرة. إنها التقلبات. ولم تلبث اعتداءات مناصري “حزب الله” المتكررة على شباب الانتتفاضة في غير منطقة لبنانية، أن أطلقت العنان للانتقادات والاستنكارات المسطرة في انطباعات وجوه بارزة من داخل بيئة “الحزب” المؤيدة له. قتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني. توعد محور الممانعة الولايات المتحدة الأميركية بإخراج قواتها من المنطقة. اعتبر “حزب الله” نفسه معنيا بالمعركة.

تفاقمت الأزمة المالية في لبنان. برزت الحاجة إلى حبل نجاة عنوانه صندوق النقد الدولي. رفض “الحزب”، ثم قبل بالمشورة التقنية. هاجم قادته فكرة الاحتكام إلى “الصندوق”. لجأت إيران إلى صندوق النقد تحت وطأة الهشاشة الاقتصادية المتزامنة مع الطارئة الصحية. تبدل موقف “الحزب” على لسان أمينه العام السيد حسن نصرالله. باتت البلاد أمام قبول مشروط بالاحتكام إلى صندوق النقد. مضت أيام. خرج عامر الفاخوري من السجن. نددت كتلة “الوفاء للمقاومة” النيابية بالحكم. تزامن التنديد مع شكر تقدم به الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحكومة اللبنانية على المساعدة في إطلاق سراحه. تسمى الحكومة في لبنان على اسم “حزب الله”. تزامن إطلاق الفاخوري مع إطلاق إيران سجناء رأي، من بينهم مواطنين غربيين.

لا شك في أنه الزمن الأصعب على “حزب الله”. تتضاءل القدرة على الاقناع، في زمن تتقدم فيه جماهيرية الثورات من بغداد إلى بيروت. في المعلومات، أن ملامح التغيير تنمو في المناطق الخاضعة لنفوذ “الحزب” وبيئته وأن تصدي الأخير للمعارضة الشيعية العفوية والمتجردة كان اتخذ في الاشهر الماضية أساليب قمعية. في السياق، ترى أوساط قيادية في الانتفاضة أن الأشهر الأخيرة شهدت إقبالا واسعا من البيئة الشيعية على الساحات وتعاظم تواصلها مع المجموعات وهذا ليس بحدث مستغرب، باعتبار أن المواطنين الشيعة هم من المنتفضين الأوائل على مر التاريخ. ويشكل الصوت الشيعي ثقلا كبيرا في الانتفاضة، خصوصا في صفوف الناشطين الفاعلين على الأرض. وتروي الأوساط أن مضايقات جمة تعرض لها الناشطون في بيئة “حزب الله” ومناطق نفوذه في الاشهر الاخيرة، وهناك من بينهم من لا ينامون في منازلهم ويتجنبون زيارة قراهم الاصلية. ويأتي تخوين الناشطين من مناصرين ل”الحزب” دليل ضعف، خصوصا انهم معروفون في قراهم ومتحدرون من عائلات مناضلة. ويتظهر أن رقعة الاعتراض على أداء “الحزب” في تخوين الناشطين، قد توسعت في المرحلة الأخيرة في ظل الظروف الاقتصادية التي تشهدها البلاد. ولا يغيب عن المشهد أن الطارئة الصحية التي استجدت بعد استفحال فيروس “كوفيد 19″، كان لها أن أسمهت في توثيق الصلة بين المجموعات وتعارف الشباب على بعضهم البعض عبر الوسائل الافتراضية المتاحة، مع الاشارة الى أنها حدت من امكان القيام بالأنشطة المعتادة على الأرض.

قد يكون طريق التناقضات الذي يسير به “حزب الله” خارجا عن إرادته. لا يعتبر التنازل والقدرة على محاكاة الواقع القائم في مقاييس الربح والخسارة جديدا في قاموسه. لطالما تصرف “الحزب” ببرغماتية في تقويم مصادر سياسية معارضة، ترى في الحضور الإعلامي المندد باطلاق الفاخوري بمثابة تغطية للمعادلة التي أدت إلى إخراجه من السجن. إذا خرج “الحزب” عن إرادة إيران يفقد نفوذه وقوته. قاعدة “الحزب” واضحة: “نحن لبنان في إيران… وإيران في لبنان”. تحسم الرؤية الايرانية المواقف من القضايا والتطورات. المعادلة خارج نطاق الإرادة الداخلية. بيت القصيد في التسويات الإيرانية. يتراءى في الرؤية السياسية المعارضة أن مأزق طهران كبير، بما في ذلك الأوضاع في العواصم المحسوبة عليها بما فيها بغداد وبيروت. واذا كان الهم الاقتصادي في هذه الدول هو الأساس، إلا أن الطارئة الصحية وتبعاتها من شأنها أن ترمي بثقلها على هذه الدول ومثيلاتها ذات القدرات الاقتصادية الضعيفة والمتهالكة. واذا كانت تبعات الأزمة الصحية العالمية تلقي بثقلها على الدول المحصنة اقتصاديا وتنذر بنظام عالمي جديد على طريق الولادة، فما بال الدول النامية والرازحة اقتصاديا؟ لا بد من أن إيران تلقفت الصورة المستقبلية ما اضطرها إلى تقديم تنازلات ستكون بداية في طريق تراجع طويل، لا بد “حزب الله” ان يتلقفه بالخروج من كادر صورة الخطب الاقتصادية والصحية من خلف الشاشات رغبة في البقاء في الصفوف الأمامية والإشارة إلى أن القرارات تخرج من عنده.

لفت الشكر الذي تقدمه به الرئيس الأميركي إلى الحكومة اللبنانية الشارع الداخلي. ويدفع هذا التطور إلى دعوات ونصائح تحفيزية بدأت تحكى في الكواليس، تدعو الحكومة إلى التفلت من سيطرة “حزب الله” بما يشكل لها فرصة جدية لإثبات ذاتها دوليا في وقت يحتاج فيه لبنان أكثر من أي وقت إلى دعم المجتمع الدولي. في أكثر من إطلالة اعلامية، حيد مسؤولون بارزون في الإدارة الأميركية الحكومة عن “حزب الله” وانتظروا برنامجها وأداءها. ليس ثمة تبدل في الإستراتيجية المستدامة تجاه فرض عقوبات على أذرع إيران في المنطقة… لكن هل لا يزال أمام الحكومة متسع من الوقت لتبدل منهجيتها وتعمل على استقلاليتها فعلا لا قولا؟!

majed.boumoujahed@annahar.com.lb

اضف رد