الرئيسية / home slide / حزب الله والمعارضون المسيحيون: توتر عشية الرئاسيات

حزب الله والمعارضون المسيحيون: توتر عشية الرئاسيات

بعد احتمالات فاتيكانية بفتح حوار مع حزب الله ونتائج الانتخابات النيابية، تغيّر المشهد السياسي، وتصاعدت التوتّرات بين حزب الله وبكركي والقوى المسيحية المعارضة. أقنية الحوار مقفلة، عشية الرئاسة، لكنها مفتوحة على احتمالات غير مطمئنة

لا يتعامل معارضو حزب الله مع ما حصل مع المطران موسى الحاج وحادثة رميش، أو حتى انهيار صوامع من إهراءات المرفأ، وصولاً إلى المفاوضات حول الترسيم البحري، على أنها منعزلة عن السياق الذي يتصرف به حزب الله في إحكامه السيطرة على القرار الداخلي، ما سيترجم بعدم تشكيل الحكومة والفراغ الرئاسي المقبل. هذا الأمر لا يخفيه المعارضون المسيحيون، ويتصرفون على أساسه، ولو أن هناك مستويات في مقاربة ما يقوم به الحزب وما يتصرف به المعارضون في المقابل.

(مصطفى جمال الدين)

بعد الكلام عن جو فاتيكاني بضرورة فتح حوار داخلي مع حزب الله، ساد اعتقاد لدى قوى داخلية بأن الأوضاع متجهة إلى تطبيع العلاقة مع حزب الله في مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية. جرت الانتخابات، لكن حصل العكس تماماً. أدرك حزب الله حقيقة ما جرى في هذه الانتخابات ليس فقط بنتائجها. فبعيداً من عدد المقاعد التي حصّلها مؤيدوه من الأحزاب والشخصيات المسيحية، أو أمّنها لهم، تلمّس الحزب مدى تفاعل الجو المعارض له وتطوره تصاعدياً في الوسط المسيحي. المفارقة أن الحزب الذي يبقي عادة مسارب حوار أو طريقاً يمكن النفاذ عبره لم يترك باب التواصل مفتوحاً، بل تصرف منذ ما قبل الانتخابات في شكل معاكس كلياً. لا تقتنع البطريركية المارونية بأن حزب الله ليس وراء ما حصل مع المطران الحاج رغم كل التبريرات التي تعطى لها، ولا تقتنع القوات اللبنانية بأن الحزب ليس وراء القول إنها سبب ما حصل في رميش، رغم أن ما جرى في اجتماع البلدية قال العكس، ورغم أن الأمر ليس جديداً في الخلاف المزمن بين الطرفين ولا سيما بعد حادثة الطيونة. وقبلهما، تكرر شخصيات معارضة الأمر نفسه في أكثر من حدث. هذا الاعتقاد يقود إلى محاولة فهم أسباب ما استجدّ بين الحزب والمسيحيين، بعد مرحلة تهدئة، حتى تتحول الخشية من فتنة سنية – شيعية جرى التعامل معها على سنوات على أنها من المحرمات، إلى خشية من فتنة مسيحية – شيعية، لكنها تتم في الشارع المسيحي وبين المسيحيين. لأن ما جرى بعد الانتخابات والكلام الفاتيكاني أدى إلى ما يشبه رد فعل معاكساً، ما يقود إلى أسئلة تبحث عن أجوبة: هل يريد حزب الله عزل البطريركية ومعها القوى المسيحية المعارضة سواء القوات أو الكتائب أو الشخصيات المستقلة داخل المجلس النيابي وخارجه عن انتخابات رئاسة الجمهورية فقط، في وقت يستظل به حليفاه المسيحيان، التيار الوطني الحر وتيار المردة، اللذان تصرفا في قضية المطران ودور بكركي وحادثة رميش، وحتى في تأييد التيار الوطني هدم أهراءات المرفأ، كما موقفهما من انفجار المرفأ، بطريقة ملتبسة أقرب إلى السكوت عما جرى؟ والحليفان اللذان يعتبران أن من حقهما الحصول على رئاسة الجمهورية لم يحصل كلاهما على وعد نهائي وواضح كما حصل سابقاً مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. قد لا تشبه المرحلة الراهنة مرحلة نهاية الثمانينيات وما حصل من حرب إلغاء واقتتال مسيحي داخلي، لكن المواجهات السياسية بين القوى المسيحية الحالية أصبحت بحكم الأمر الواقع محتدمة، ليس بفعل الخيارات السياسية المتناقضة فحسب، إنما نتيجة الظروف الناشئة عن مجريات العهد وانتخابات الرئاسة المعلقة على خيط دعم حزب الله لواحد من حليفيه. وهو الأمر الذي سيزيد التشنجات السياسة بين مؤيدي حزب الله ومعارضيه في الشارع المسيحي في شكل تدريجي.

الحزب الذي كان يقارب موضوع الرئاسة حتى الآن بحذر يمسك أطراف اللعبة بقوة


ما حصل أخيراً على أبواب استحقاق داهم، أي رئاسة الجمهورية، هو أن حزب الله تصرف من خلال إمساك القرار لدى حليفيه التيار والمردة. حتى أن القوى المعارضة الأكثر انفتاحاً على الرئيس نبيه بري وجدت في جوابه عن قضية المطران الحاج تهرباً من المشاركة في قرار التهدئة، والأمر نفسه ينسحب على رميش التي له فيها علاقات قديمة وصداقات. وهذا يعني أن الحزب الذي كان يقارب موضوع الرئاسة حتى الآن بحذر، يمسك أطراف اللعبة بقوة. في المقابل، يتصرف معارضوه من زاوية رد الفعل فحسب. فلا البطريركية ولا القوى السياسية المعارضة التي وصلت إلى المجلس النيابي بقوة متفاوتة، لديها خطة عمل، أو «مشروع مواجهة». حتى أن لقاء معارضاً على مستوى بكركي و«مؤيديها» لم يحصل. كل ما يجري حتى الآن لا يتعدى رد الفعل، لا الفعل، ولا يرتقي إلى مستوى التطورات السياسية التي يعتبر كل طرف من أطراف المعارضة على حدة أنها خطرة، من دون وضع خريطة طريق لكيفية التعامل معها. وهذه ليست المرة الأولى التي يحصل فيها التخلي الطوعي عن أداء سياسي واضح لا يعكس بالحد الأدنى فحوى الخطب المعارضة. وقد يكون هنا موقع اختبار موازين القوى أكثر دقة في المرحلة الراهنة، في ظل حوارات إقليمية، لبنان جزء منها، فيما يغيب معارضو الحزب في الخارج والداخل عن فرض حيثيتهم في انتخابات رئاسة الجمهورية وما يدور حولها من استحقاقات مصيرية.