الرئيسية / home slide / «حزب الله» و«القوات»: المعجّل والمؤجّل

«حزب الله» و«القوات»: المعجّل والمؤجّل

منذ 27 دقيقة

 وسام سعادة
القدس العربي
25012021

تأجّلت المواجهة المباشرة بين «حزب الله» وبين «القوات اللبنانية» عقوداً.
فهي لم تقع في ثمانينيات الحرب الأهليّة، يوم كان انهماك الحزب، في الشقّ الداخليّ، ببعثرة اليسار ثم تقويض السيطرة الترابية لـ«حركة أمل» في الضاحية وإقليم التفاح وبعلبك، علاوة على تصاعد وتيرة نشاطه المسلّح ضد الإحتلال الإسرائيلي والتشكيلات الحدودية المتعاونة معه.
في حينه أيضاً، كان انشغال «القوات» بانتفاضاتها الداخلية. ثم بمشاركة العماد ميشال عون في منع حصول انتخابات رئاسية خريف العام 1988، ثم التصادم العسكري الأول معه، وبعدها بأسابيع خوض «حرب التحرير» ضد القوات السورية والموالين لها تحت لوائه. ثم كان الافتراق عند قبول القوات والكتائب اتفاق الطائف، ورفض عون لهذا الاتفاق لما اعتبره تفريطاً بصلاحيات رئيس الجمهورية، وتجاهلاً لهدفية جلاء القوات السوريّة عن لبنان.
فكانت الإندفاعة نحو الحرب المسيحية المسيحية، على غرار تلك الشيعية الشيعية بين الحزب الخمينوي وحركة أمل الأقرب الى نظام دمشق في حسابات ذلك الوقت.
وليس من دون دلالة أن تكون «حروب حرب لبنان» قد اختتمت بالاقتتالين «الداخليين» ضمن الشيعة، وضمن المسيحيين.
ارتضت «القوات» باتفاق الطائف. صعب على قائدها سمير جعجع إقناع المسيحيين وقتذاك على أي أساس تمّ رفض الإتفاق الثلاثي إذاً قبل ذلك بسنوات ثلاث. وهل يختلف جدياً ما قبله الياس حبيقة حينها وأدّى الى الإطاحة به على يد جعجع، عما انتهى الى الموافقة عليه الأخير؟
كرهت غالبية المسيحيين اتفاق الطائف كما الاتفاق الثلاثي من قبله، وصار لجعجع مشكلة عميقة مع أكثر المسيحيين من يومها وبشكل متناقص في السنوات الماضية.
الا أن نظام دمشق ظل يتعامل مع حالتي حبيقة وجعجع كنقيضين، الأوّل يفتح له ذراعيه، والثاني يعدّ العدّة للانقضاض عليه. وهكذا لم يجد «حزب الله» الذي شجبت قيادته في حينه إتفاق الطائف هي أيضاً، ولا القوميون السوريون ولا أي حزب من معسكر «الممانعة» أيّ حرج في وحدة الصف مع حبيقة، المتهم بأنه المسؤول التنفيذي الأساسي عن مجازر صبرا وشاتيلا، وتكريسه كواحد منهم. هذا في مقابل حاجز نفسيّ وطيد تجاه سمير جعجع، المرتبط اسمه، من ناحية السجل الحربي، بتصفيات مسيحية مسيحية، بخلاف بشير الجميل وحبيقة المرتبط سجلهما بالصراع الدموي بين المسيحيين وبين التحالف الفلسطيني – الإسلامي – اليساري.
ولئن كان القوميون السوريون ثابتين مثلا على عدائيتهم في الصبح والليل ضد بشير الجميل ومباركه المتهم باغتياله، فهذه ليست حال «حزب الله» الذي يدرك ما لبشير من رمزية عاطفية هائلة عند المسيحيين، ويدرك أيضاً أن حلفاءه بين المسيحيين كانوا من عتاة البشيرية.
استطاع «حزب الله» أن يحيّد موضوع بشير. لا بل أنه، في فبراير 2019 لم يتردد في معاقبة أحد نوابه، نواف الموسوي، بمنعه لفترة عن العمل السياسي، يوم أطلق الأخير كلاماً حول مجيء بشير بالدبابة الإسرائيلية، مع أنه كلام يستند لواقعة تاريخية في نهاية الأمر، بصرف النظر عن العيار السجالي المعتمد، أو عن انضباط حزبي لم يتقيّد به النائب.

اليوم تتصاعد المواجهة بين الحزب والقوات على خلفية مقتلة الطيونة، التي يتهم الحزب القوات بشكل أساسي بالتحضير العمد لها، وتنفي القوات ذلك وتدرجه ضمن المسار التصاعدي للتوتر

وربّ قائل هنا أن تعديل نظرة وكلام الحزب تجاه من كانوا في الموقع الحربي نفسه، مع جعجع، بالنتيجة، في مقابل حاجز نفسي كثيف تجاه الأخير، يجد تفسيره في تناقض الموقع السياسي بينهما بعد الحرب، وبالاخص بعد الجلاء السوري عن لبنان.
مع هذا، فما أن يشرح الحزب مشكلته مع جعجع اليوم مثلاً حتى يعود الى زمن الحرب، وهي حرب قاتل فيها بشير وعون وحبيقة وجعجع في الموقع نفسه ضمنها، في السنوات الأساسية منها.
في المقابل، هذا الحاجز النفسي الكثيف من جهة «حزب الله» تجاه من اكتفى أمين عام الأخير بالاشارة اليه كـ «رئيس حزب القوات» دون تسميته بالإسم، لم يؤد الى التسريع بالتصادم الثنائي والمباشر بين الحزب والقوات.
لم تقع هذه المواجهة أيام الحرب، رغم الإتهام الثابت والمثابر من «الجمهورية الإسلامية» لسمير جعجع باختطاف ديبلوماسييها عام 1982، ولم يكن بعدُ تولّى قيادة «القوات». وهي لم تقع في أيام ثنائية «8 و14» آذار، رغم دور «القوات» في الحؤول دون نجاح تحالف «حزب الله» وتيار عون بسدّ مداخل العاصمة في 23 كانون الثاني / يناير 2007، في حركة تقويضية لحكومة فؤاد السنيورة آنذاك، بعيد استقالة الثنائي الشيعي منها. الاصطدام حصل وقتها بين القواتيين والعونيين. كذلك عندما انقض الحزب بسلاحه في 7 أيار مايو 2008 للسيطرة على غربي بيروت، واقتحام مراكز « تيار المستقبل» ثم أتبعها بالتوغل في الشوف، في مواجهة حزب وليد جنبلاط، وبما قوبل بردة فعل درزية أهلية متجاوزة للقسمة السياسية التقليدية، الا ان الجبهة مع «القوات» بقيت هادئة تماماً، رغم قيادة الأخيرة آنذاك للحراك السياسي ضد ما أسمته الغزوة، وما كانت نتيجته التئام الأضداد والأنداد في «صلح الدوحة».
الطاولة جمعت الحزب والقوات في حينه، كما جمعتهم قبلها وبعدها طاولة الحوار، سواء التي أدارها الرئيس نبيه بري قبل حرب تموز، أو الذي عاد وأحياها الرئيس ميشال سليمان لفترة.
اليوم تتصاعد المواجهة بين الحزب والقوات على خلفية مقتلة الطيونة، التي يتهم الحزب القوات بشكل أساسي بالتحضير العمد لها، وتنفي القوات ذلك وتدرجه ضمن المسار التصاعدي للتوتر في هذه المنطقة الحساسة على خلفية تنديد الحزب بالمحقق العدلي في تفجير المرفأ طارق البيطار وايثاره العمل المزدوج، وبالضغط من داخل مؤسسات الدولة وفي الميدان لخلعه. منطق القوات، أنى لتظاهرة الحزب المسلّح أن تجيّ سلمية. ومنطق الحزب، أن المقتلة تفسّر نفسها بنفسها وتكشف أن للقوات ميليشيا، سوى أنه يجب اعادة تذكيره باللاتوازن الكمي والنوعي بينها وبين تعبئة الحزب وترسانته.
رغم كل ذلك، فان المواجهة اذ تتصاعد فهي لا تزال غير مباشرة الى حد معين. بمعنى، ان الطرفين يتحركان أيضا في مواجهة بعضهما البعض من خلال ما لكل منهما من مدخل الى جهاز الدولة، أو من تفاهمات ضمنية مع مواقع مفتاحية في جهاز الدولة. الصراع بين «حزب الله» و«حزب الرب» يتخذ في لحظة كهذه طابع صراع على التترس بجهاز الدولة، كما بفكرتها، للتصدي للآخر. في المقابل، ورغم ان ثنائية الحزب والقوات فرضت نفسها في الاسبوعين الاخيرين، وربما لفترة ممتدة، ورغم ان الناس عموما منقسم اما مع هذا في آخر الأمر أو مع ذاك، الا ان الصراع بينهما يجري دون ان يستتبع انبثاق تحالف الى جانب هذا او الى جانب ذاك. فحركة امل لا يظهر ابدا انها ذاهبة في التصعيد مع القوات الى ما يراه الحزب، هي التي ينتمي اليها أكثر من قتلوا في الطيونة. صراع بهذه الحدة، وبهذا التحريك لمشاعر الناس مع هذا الطرف او ذاك، دون ان يمتد في السياسة لتشكيل ائتلافين عريضين.
في هذه المواجهة يسعى الحزب للجمع، الصعب، بين تصعيد التهديف الخطابي ضد القوات، وبين الانكار الخطابي ايضا، انها يمكن ان تكون ندّاً له، في العنف أو في السياسة أو بالاستناد الى اي قياس. تشدد القوات في المقابل ان مشكلة الحزب الفعلية المباشرة هي مع طارق البيطار، بل مع أساس فكرة التحقيق العدلي حول تفجير 4 آب، وان مشكلته الاوسع هي مع كل من ليسوا «حزب الله».

كاتب لبناني