“حزب الله”: “موازنة” القوة إقليمياً… لا معارك ومواجهات في الداخل اللبناني

أن يتخذ “حزب الله” قراراً بعدم السجال أو التصعيد مع اي طرف سياسي داخلي في شكل مباشر، فهذا يدل على أنه ينصرف إلى الاهتمام بملفات اقليمية، خصوصاً احتمالات المواجهة الإيرانية – الأميركية وتفجُّر جبهة الجنوب اللبناني مع الاحتلال الإسرائيلي. الكلام الوحيد الذي سمعه اللبنانيون أخيراً من مسؤولين في الحزب أنه معني بالمواجهة، وأن لبنان لن يكون في منأى عن الحرب إذا ما أشعلتها الولايات المتحدة الأميركية ضد إيران، وهو موقف لم يستسغه اللبنانيون انطلاقاً من عدم قدرة البلد على تحمّل أي حرب بكلفتها الكبيرة، حتى لو كان “حزب الله” معنياً بها.

المفارقة أن الحزب لم يعلن مواقف مباشرة من مناقشات الموازنة، باستثناء ما نُقل عنه أنه ضد ضرائب إضافية أو اقتطاع من رواتب موظفي القطاع العام، وقبل ذلك دعوة السيد حسن نصرالله المصارف إلى تحمّل المسؤولية في انقاذ المالية العامة اللبنانية. لكن الحزب، وفق مصادر سياسية، لم يكن معارضاً شرساً لما تضمّنه مشروع الموازنة، وكذلك لم يعلن اي موقف مباشر من الاتصالات التي يقوم بها نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد ساترفيلد، ما يدل، وفق المصادر، على أنه لا يريد في هذه المرحلة المواجهة في الداخل كي لا تؤثر على استعداداته في الخارج، ولا يريد فتح معارك في ظل العقوبات الأميركية التي تضغط على بنيته وجمهوره.

يتصرف “حزب الله” راهناً على خطين، أحدهما في الداخل مفضّلاً التهدئة والتواصل وعدم استثارة اي طرف في ملفات خلافية، كي لا يتم استثماره خارجياً، والآخر مرتبط بالتطورات الإقليمية في ضوء الضغوط الأميركية على إيران، ومنها ما يعتبره الحزب ساحته التي يستطيع التحكم بها جنوباً عند اشتعال المواجهة. لذا هو ينصرف الى ترتيب أوراقه وأوضاعه ويكرس جهده استعداداً لأي مواجهة، وفي المقابل يعيد ترتيب وضعه المالي الذي تعرّض للنزف بسبب العقوبات. والأهم أنه يفصل بين الخطين، مطمئناً في الداخل إلى قدرته على السيطرة وإلى ارتياحه لموقف العهد وحليفه “التيار الوطني الحر”، فضلاً عن الطرف الشيعي الآخر، اي حركة “أمل”، وبالتالي يسلّم الحزب أمام المواجهة الإقليمية الأوراق في الداخل باطمئنان كامل، ما دام في إمكانه أن يعتمد على أوراق وحلفاء في بيئات الطوائف الأخرى، وليس مضطراً الى المواجهة مباشرة. لذا يبدو موقف “حزب الله” من جولة ساترفيلد أو رحلاته بين لبنان وإسرائيل غير تصعيدي، طالما أن النقاش لا يتعرض لسلاح الحزب، وهناك تقدم في المفاوضات المتعلّقة بترسيم الحدود. ويبدو أن الحزب قد سلّم هذا الأمر الى رئيسي الجمهورية ميشال عون ومجلس النواب نبيه بري، خصوصاً أن هناك طرحاً أميركياً جديداً يرى الحزب، وفق المصادر، أنه يجب استغلاله، اقتناعاً من الأميركيين بأن “حزب الله” قادر على ضرب المنطقة كلها، وهذه وجهة نظر الحزب، إذ يعتقد أن الأميركيين لا يريدون حرباً بين لبنان وإسرائيل بسبب تعاظم قوته، بصرف النظر عن الضغوط والتهديدات.

أمام التصعيد الراهن، بدا “حزب الله” ملتزماً أكثر القرار الإيراني، فهو غير معني بالرد مثلاً  في سوريا وإن تعرضت مواقع إيرانية للقصف الجوي الإسرائيلي، ولا يستطيع التحرك في جبهة الجولان بعد سيطرة جيش النظام السوري على المنطقة وضبط حدودها، لكن عدم تعليقه على الوساطة الأميركية يطرح أسئلة لاحقة حول وضعه، علماً ان سياسته تُفهم بالتماهي مع الموقف الإيراني الذي لا يريد حتى الآن التصعيد أو المواجهة المباشرة مع الأميركيين، وأن الأجواء تشير الى أن ساترفيلد عكس في محادثاته اللبنانية جواً إيجابياً وموافقة إسرائيلية على التكامل في الترسيم براً وبحراً، في رعاية أميركية، على أن يتم تحضير الأرضية اللازمة لإحياء اللجنة الرباعية التي تضم لبنان، إسرائيل، الامم المتحدة والولايات المتحدة، للشروع في مفاوضات الترسيم، واختيار اللجان اللازمة لتحديد الخرائط ودراستها. وطالما اقتصر الأمر على الترسيم ولم يكن سلاح “حزب الله” مادة أميركية أولى فلا بأس بالنسبة إليه ان يتولى حليفاه المتابعة مع الأميركيين، إذ هو قادر على قلب الطاولة ساعة يشاء.

المشكلة أن “حزب الله” يرى، وفق المصدر، أن الوساطة الأميركية في الترسيم البري والبحري جاءت لتخفيف ضغوط الحزب على إسرائيل، لكنه لا يتنبه إلى المشكلة الأصل المتعلقة بالعقوبات والضغوط الأميركية عليه وعلى إيران، علماً أن الضغوط الدولية والإقليمية تسلط الضوء على بنيته وتبقيه تحت المجهر. وفي هذه المرحلة يضطر الحزب محكوماً بالتطورات الإقليمية والدولية إلى الإنسحاب من المواجهات الداخلية، فيما الأجواء في داخله تشير الى أنه في حالة تعبئة قصوى اليوم، لذا هو سيبقى يستثمر فائض قوته في ترتيب نفوذه في الداخل حتى لو كان الوضع يستدعي اليوم التواصل مع كل الأطراف بمن فيهم القوى على المقلب الآخر، وهو يأخذ في الاعتبار امكان أن تحصل مفاوضات بين الأميركيين والإيرانيين، وهو المسيطر في حلقات كثيرة في الداخل اللبناني.

مواضيع ذات صلة

  • ماذا حمل سليماني إلى بيروت كي يبقى “حزب الله” هادئاً؟
  • ساترفيلد في لبنان: “حزب الله” يؤجّل “موقتاً” لبنانية مزارع شبعا؟
  • هل يأخذ “حزب الله” لبنان إلى مواجهة مع واشنطن عبر وزارة الصحة؟

في ملف الداخل يرتب الحزب موازنة سلاحه ومقاتليه وتمويله، ولا مشكلة كيفما جاءت موازنة البلد 2019، ويتصرف مهادناً ويترك راهناً للأطراف التصرف مطمئناً. أما في الملفات الإقليمية المؤثرة على لبنان فيتصرف من خارج الدولة، وعندما يعود الى الدولة يفرض فائض قوته بفرض كلمته النهائية كصاحب قرار وهيمنة…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*