“حزب الله” في حاجة إلى مقاربات جديدة

مبدئياً، لا يحتاج “حزب الله” الى فائض قوة، فلديه الحشد الكبير من الشيعة الى مناصرين من طوائف اخرى، ولا يحتاج الى مال، اذ لديه الفائض من المصدر الايراني ومن أعمال تجارية واستثمارية، ولا يحتاج الى الدعم السياسي الخارجي، اذ يستند الى الوليّ الفقيه والحرس الثوري الايراني.

لكن قراءة متأنية في مجمل الامور تستوجب على الحزب، قبل غيره، اعادة النظر في كل الحسابات الآنفة الذكر وغيرها. والنصيحة لا تنطلق من محبة، أو تقية، أو تودد، ولا خوف، بل من منطلق وجوب اعادة كل الاطراف النظر لاعادة التموضع، ورسم سياسات جديدة في التعامل مع الشركاء، طمعاً في العيش ببلد يحظى بكل مواصفات الوطن، لان اللبنانيين سئموا تكرار سيناريوات الحروب والاقتتال والصراعات العبثية.

واذا كان الكارهون للحزب، وألدّ اعدائه، غير قادرين على إلغائه، فالأحرى التحاور معه، شرط ان يكون الحزب جاهزاً لحوار بنّاء، غير ممسك بأوراق القوة لفرض ارادته على الآخرين، وهو ما أثبتت الايام انه غير ممكن، لان هؤلاء، اي الآخرين، سيتحيّنون كل فرصة للانقضاض عليه.

منطلق هذا الكلام، ما حصل في الايام الماضية منذ بدء انتفاضة الغضب الشعبية. وهي انتفاضة محقة، وكان الاجدى بالحزب وغيره، ركوب موجتها، لتحقيق سياسة محاربة الفساد التي يدّعيها، والدفع الى تغيير ايجابي لا ينقل لبنان الى حالة سياسية مقابلة، بل يحاول وضعه على سكة بناء الدولة.

في قراءة اولية، ان الحزب حقق مكاسب من الحراك المدني. يعتبر مراقبون ان اصابة حليفيه حركة “امل” و”التيار الوطني الحر” جعلت قوته السياسية مضاعفة، اذ بات الحليفان رهن اشارته، وهما يحتاجان الى رافعة لا يملكها إلا الحزب.

لكن قراءة معمقة تظهر ان الحزب حقق انتصاراً على حليفيه، وهذا النصر سيولّد عليه نقمة لدى جمهور الحليفين، لا تعاطفاً، لانهما يعتبران ضمنياً، ان الحزب مسرور بإضعافهما وسحب البساط من تحتهما. اما الفريق الآخر، الوسطي، والذي لا يكنّ العداء للحزب، فقد مال الى الضفة المقابلة تماماً، بعد احداث الشغب والترهيب يوم امس، شعر هؤلاء ان لدى الحزب النية لمنع التغيير، وانه تحوّل سلطة القمع ضد الحراك، وانه يدافع عن سلطة فاسدة، مارقة، سارقة، بدل الالتقاء مع الارادة الشعبية، ولو في منتصف الطريق، خصوصاً بعدما اعلن الامين العام للحزب ان لا تغيير حكومياً، كأنه بذلك رسم الخطوط الحمر مصادراً الارادة الشعبية والقرار السياسي، وهو امر يزيده بُعداً عن الآخرين.

وضعف الحليفين، ليس مصدر قوة، لان مجموع عناصر القوة بدأ يتبدل خصوصاً مع تبدل الموازين على الساحة المسيحية، اذ لم يعد الحليف هو الاقوى. والدعم الشعبي وإن كان كبيراً، إلا ان الاصوات التي ارتفعت في النبطية وصور تؤسس لحركة اعتراض لاحقة في الوسط الشيعي نفسه، وقد كان قمعها منظماً لعدم تمددها سريعاً. والمال الايراني، والمال الذي كان يحوَّل من الخارج، بدأ يتقلص، ما يعني انه لن يكون هناك اكتفاء حقيقي.

لذا وجبت اعادة النظر في ردات الفعل وفي الفعل ذاته، والعمل على التحوّل شريكاً لا البقاء في دائرة الخصومة.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb / Twitter: @ghassanhajjar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*