الرئيسية / مقالات / “حزب الله” سلطة بعد 20 عاماً على التحرير… كيف يوظّف المقاومة بسلاحها داخلياً وإقليمياً؟

“حزب الله” سلطة بعد 20 عاماً على التحرير… كيف يوظّف المقاومة بسلاحها داخلياً وإقليمياً؟

من اجواء العيد في بيروت.

يفرض “حزب الله” أجندته في الداخل اللبناني، فيسهل للحكومة إقرار الخطة المالية والاقتصادية، ومفاوضة صندوق النقد الدولي شرط ألا يمس بدوره وبموقعه وسلاحه، وألا يشكل ذلك مساساً بالسيادة. ويدفع الحكومة الى الحسم في بعض الملفات الداخلية، مقدماً قوته كمرجعية في القرار مع الخارج بالعلاقة مع حليفه العهد والتيار الوطني الحر، وفي القرار المتعلق بالحرب والسلم. هذه القوة المقررة اليوم في الدولة، في إطار محور المقاومة، وإن كانت باتت داخل النظام بالتوازي مع مشاريعها الخارجية التزاماً بالقرار الإيراني، تطرح في ذكرى مرور 20 عاماً على تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، مسألة القرار من خارج الدولة، والاستمرار في الدفع بلبنان نحو مواجهات بحسابات إقليمية لا تصب ولا تتماهى مع المصلحة الوطنية اللبنانية، ولا تعزز مناعتها، إذا كان هدفها الرئيسي يتصل باصطفافات خارجية، ولا يتركز في ساحة المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي.

في ذكرى 25 أيار يستطيع الامين العام لـ”حزب الله” أن يستعيد شعارات كبرى تأسيساً على تحرير الجنوب قبل 20 عاماً، وهو يوم مجيد لكل اللبنانيين. ومن الشعارات التي يعيد الحزب اطلاقها ان تحريرالقدس بات أقرب من اي وقت، فيما قوات المقاومة كانت غرقت في الداخل السوري، فإذا كان قرار الحزب في الداخل يستطيع أن يأخذ البلد الى سياساته التي لا يجمع حولها اللبنانيون باستثناء تلك المرتبطة بمواجهة العدو الإسرائيلي ولحسابات لبنانية بحتة، وهو ما يؤكده نصرالله مراراً، منها ما يتصل بسوريا وبالمواجهة الإيرانية الاميركية، فإن قراراته وسياساته، وفق سياسي متابع لا مجال للنقاش معها في معادلة القوة التي أرساها الحزب مع العدو الاسرائيلي وفي المنطقة والنزاعات الإقليمية، وبالتالي لا نقاش في السلاح الذي أحدث توازناً للرعب حاسماً ولا استراتيجية دفاعية غير التي يحددها الحزب، إذ أن نصرالله يعتبر أن “من يراهن على أنه من خلال حروب عسكرية أو عقوبات أو تجويع أو تضليل يمكن أن يغير موقفنا من فلسطين، فهو مشتبه”.

يواصل الحزب رفع شعار المقاومة لتحرير فلسطين “مهما تعاظمت الضغوط الأميركية” وفق قول نصرالله، وهذا يعني ان لا نقاش في السلاح. لكن اللبنانيين لا يناقشون في سلاح الحزب وفق السياسي، ولا يريدون نزعه بالتماهي مع الضغوط الأميركية، انما يريدون أن يعرفوا وظيفته، وهو السلاح الذي نجح في مواجهة إسرائيل وهزم جيشها، بتضامن اللبنانيين ودعمهم. فمعادلة القوة التي أرساها “حزب الله” مع الاحتلال الإسرائيلي، فرضت نفسها في الداخل اللبناني وأصبح لها فائض يمكن التحكم به عند الحاجة. يذكّر السياسي المتابع في ذكرى 25 أيار، ان المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي قبل عام 2000 أي قبل إنجاز التحرير كانت أكثر قوة بقتالها على رغم هيمنة المرجعيات الإقليمية على قرارها. أما اليوم، فاستثمار فائض القوة ومعادلاتها لا يدرج في مسار مواجهة إسرائيل فحسب، إنما في الصراع الإقليمي من سوريا إلى العراق التزاماً بقرار المرجعية الإيرانية، حيث لا يخفي الحزب تبعيته الإيرانية وتمويله، ثم استثمارها في الداخل لتغيير موازين القوى التي كرّست نوعاً من الهيمنة على البلد. وها هي المقاومة التي قادها حزب الله منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي بعد تفكيك نسختها الأولى اليسارية التي انطلقت عام 1982 عبر جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، قد قاتلت محتضنة من الداخل اللبناني، حيث شكلت محطات الاعتداءات الإسرائيلية 1993 و1996 تكريساً داخلياً لحمايتها عبر اتفاق نيسان، فكانت السنية السياسية داعمة لها على رغم أن المرجعيتين السورية والإيرانية استثمرتا فيها لحساباتهما. وفي كل الحالات كانت المقاومة قوية باللبنانيين في الداخل أكثر وفق السياسي اللبناني، على رغم انها كانت تقاتل بامكانات لا تقاس بما هو متوافر اليوم.

لا يزال “حزب الله” يستثمر قوته في مشاريع محلية وإقليمية، فبقدر ما تشكل توازناً للقوة مع الاحتلال إلا أن الاستمرار في استثمارها في الداخل مستقلة عن الدولة ساهم في تغيير موازين القوى. وهي اليوم تتحكم بالقرار النهائي في البلد، فيقرر الحزب في مختلف الملفات بما فيها العلاقة بالنظام السوري وموضوع المعابر غير الشرعية وملف اللاجئين السوريين وفي الملف الفلسطيني، وفي ترسيم الحدود وغيرها.

وأياً تكن أهداف معادلة قوة الحزب، فهي لا علاقة لها بوظيفة المقاومة، حين كان لبنان ساحتها الأولى ومنزلها، فيما هي اليوم منتشرة في ساحات أخذت الكثير من رصيدها. يريد “حزب الله” وفق السياسي وبعد 20 عاماً على التحرير ان تبقى قوته بفائض يستطيع معه مواجهة اي مشاريع تحاول النيل من إيران، علماً أن الأميركيين لا يكترثون لما قد تذهب اليه الأمور في بلد يعتبرونه تحت سيطرة الحزب. لذا ليس المهم إعادة التذكير بأن لبنان هزم الاحتلال، بل أن يقرأ اللبنانيون كيف تم استثمار إنجاز التحرير قبل 20 سنة. أما قوة الحزب، فيمنع التدخل في شؤونها، لا في السلاح ولا في المشاريع الإقليمية.

تغير الكثير منذ 25 أيار 2000، فيما وظيفة المقاومة باتت متصلة بالملفات الإقليمية، وتحويل لبنان إلى جزء من المعركة الدائرة بين المحاور. بعد 20 عاماً على التحرير، لم يعد الحزب ومقاومته نفسهما لبنانياً وعربياً، عندما تحول سلاح المقاومة جزءاً من التوازنات الداخلية اللبنانية، وسلاحاً إقليمياً خلال السنوات التي تلت التحرير، إلى حد أن اللبنانيين فوتوا فرصة التحرير لإعادة بناء الدولة، فيما استقرار الجنوب يبقى قلقا طالما بقي “حزب الله” جزءاً من المشاريع الإقليمية، واستمرت التهديدات الإسرائيلية ضد لبنان.

اليوم يتقدم الحزب ليمسك بالبلد ولا مشكلة لديه إذا كانت المعركة الإيرانية الأميركية تحط رحالها في لبنان، ولا مشكلة ايضاً بالعقوبات التي تؤدي الى تفكيك الكيان، ولا الأزمة المعيشية والمالية للبنانيين إذا كانت أولوية الحزب إعادة مد جسور العلاقة مع النظام السوري وتبرير سياساته، ولا مشكلة اذا كانت الدولة تنهار وتنزلق الى المجهول، حتى إذا جاع اللبنانيون، فلا وقت الا للمواجهة والحفاظ على القوة، وإن كانت فقدت وظيفتها الأصلية.

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

Twitter: @ihaidar62