الرئيسية / home slide / حزب القسوة والصمت: قاسم قصير مثالاً

حزب القسوة والصمت: قاسم قصير مثالاً

محمد أبي سمرا|الثلاثاء19/01/2021
Almodon.com

ي شعائر حزب الله وطقوسه على الناس أن يختاروا: إما القسوة وإما الصمت (علي علوش)

نستعير من  الكاتب العراقي كنعان مكّية عنوان أفضل كتبه عن العراق: “القسوة والصمت”، لوصف حادثة تلفزيونية كلامية حدثت مع الصحافي قاسم قصير، فعرّضته لحملة غضب مسعورة من الجيش الإعلامي الإلكتروني لحزب الله وجمهوره.

ففي السادس من كانون الثاني الجاري، استضافت محطة NBN التابعة لحركة أمل الشيعية الصحافيين سركيس نعوم وقاسم قصير في واحد من البرامج المسماة “توك شو سياسي”. وهي برامج أقل كلفة من برامج المنوعات والترفيه، ولها جمهورها النهم في زمننا هذا، زمن المعرفة الشفهية والصور. وكانت حلقة البرنامج هذه ستذهب أدراج الرياح والنسيان، كأنها لم تكن كسواها من أمثالها، لولا ما قاله قاسم قصير في حزب الله وجمهوره.

قال قاسم قصير حرفياً، تقريباً: لدى حزب الله مشكلتان اثنتان:

1- علاقته بإيران: لا يستطيع حزب الله أن يكمل هذه العلاقة وفق الآلية التي كان يتبعها أو يعتمدها في الحقب الماضية. والعبارات اللاحقة التي قالها قصير، تكشف ما يقصده بآلية تلك العلاقة التي يعتبرها ماضية، بل يقدّر ويريد أن تصير ماضية: على حزب الله أن يصير حزباً لبنانياً. ولا يستطيع أن يظل يقول: أنا بأمر ولي الفقيه الإيراني. وضمناً يقصد قصير في قوله هذا أن يتوقف حزب الله عن المشاركة في الحروب الإيرانية في سوريا والعراق واليمن، وفي السير في ركاب السياسات الإيرانية وعداواتها في المنطقة.

2- مشكلة حزب الله الثانية، حسب قصير، تكمن في موضوع المقاومة: لا يستطيع حزب الله أن يظل وحده المقاومة، بل عليه أن يكون مقاومة ضمن الاستراتيجية الدفاعية، قال قصير وتابع: نحن بحاجة اليوم من حزب الله ومن الشيعة عموماً، إلى ألا يكبروا راسن (رأسهم) كثيراً، ليصيروا أكبر من البلد. هذا البلد يجب أن يتسع لنا جميعاً وسوياً. على الشيعة أن يكونوا مواطنين في لبنان. وفكرة أن يكون للشيعة دور أكبر من البلد لم تعد… صائبة.

لماذا أغضب مثل هذا الكلام جمهور حزب الله الشيعي وأثار سخطه ونقمته؟ ولماذا بادر – على وسائط التواصل الاجتماعي وسواها من الوسائط الإعلامية – إلى شن حملته الغاضبة، الساخطة والناقمة، على قصير؟ وربما علينا أن نذكر أولاً بالتالي: إنه أصلاً جمهور تربى ونشأ على الغضب والسخط والنقمة، ليصير جمهوراً.

والجواب على السؤالين، هو: الأرجح لأن من قال هذا الكلام ليس شيعياً فحسب، بل شيعياً معروفاً بأنه من بيئة حزب الله والموالين له ولسياساته. فما قاله قصير – في أعراف جمهور حزب الله الواحد الموحد الرأي والرؤية وحدة سلطانية مرصوصةً، لا نتوء فيها ولا منعطفات ولا اجتهادات – هو خروج أو ارتداد شخصٍ شيعيّ على المذهب الحزب اللهي، بأعرافه ولغته وثوابته القاطعة في يقينيتها الممتلئة، المنزلة والمقدسة: “أغواه الشيطان أم كان لابساً ثوب العفة؟”، تساءلت ماتسمى “الصفحة الرسمية لشباب الضاحية الجنوبية” في فايسبوك، وأضافت: “يا قاسم نحن قوم نجوع ونموت ولا نركع”.

وفي أعراف الوحدة السلطانية المذهبية وجمهورها المرصوص والمدرب تدريباً غرائزياً طقسياً في ولائه، ليس العالم والعيش والكلمات سوى ساحة حرب تخلو إلا من أهل الصراط المستقيم والحق السلطاني المقدس، في مجابهتهم أهل الباطل والمرتدين والمشككين وأهل الريبة.

لكن لو كان من تنطبق عليه واحدة من هذه الصفات الأخيرة غير شيعي ولا من بيئة موالي حزب الجمهور المرصوص، لهان الأمر والحال. لذا هو (قصير) مثل: “ابن عم قائد جيش الإمام الحسن، عبد ابن عباس: خانه، ودخل على معاوية دخول الذليل ويعلم في نفسه أي إثم أتى به”، كتب أحدهم، المكني نفسه بـ”حسيني”.

كثيرون ممن هم من خارج بيئة حزب الله وشيعته وجمهوره، يقولون في الحزب إياه وفي جمهوره، يومياً وجهاراً ونهاراً، ما قاله قصير وأكثر بكثير وأشد تشكيكاً وريبة وطعناً. لكن أقوالهم سرعان ما تطويها الغفلة ويطويها النسيان، قبل أن تثير غضب ذلك الجمهور المرصوص وسخط جيشه الإلكتروني والإعلامي. أو لا يعيروها انتباهاً، ولا يصلونها آيات الغضب والنقمة، ولا يصمون قائلها بالخروج والردة والشقاق والخيانة: “هل هي سقطة أم أن بهاء الحريري وصل إلى جيوب أبناء البيئة؟”، تساءل أحدهم. وكتب آخر: “قاسم قصير باع آخرته بدنياه، مقابل دولارات خضراء”.

ليس قصير إذاً من “قوم نجوع ونموت ولا نركع”، بل هو ركع وذل، ولم يستمر على ولائه اليقيني الثابت، ليردده على نحو طقسي، على مثال “إلى الأبد حافظ الأسد” و”الأسد أو نحرق البلد”. وهو في خروجه وارتداده على ذاك الطقس وشعائره وكلماته، ارتكب ما يسمى خيانة عظمى في الأدبيات الطوطمية. لذا لا بد من إخراجه من الجماعة والإجماع السلطاني، ووصمه بالعار والمروق والمعصية والردة.

وفي أعراف حزب الوحدة السلطانية وجمهوره، على أمثال هؤلاء أن يصمتوا صمت القبور قبل أن تسوّل لهم أنفسهم بالشك والريبة والارتداد لقاء دولارات خضراء. وحده هذا الصمت هو المسموح به في عالم حزب الله وجمهوره المرصوص، وإلا: “قاسم قصير طوّل لسانو عالحزب واللي نشاالله قريباً بيقصولك ياه وبتعرف حجمك. (…) يا عبد المال والوجاهة، قف وراوح مكانك”، كتب أحدهم.

وسارع قاسم قصير على التبرؤ والتنصل من ما قاله وجاهر به. فوزع على وسائل التواصل ما سمّاه “بيان إلى الرأي العام”، وذكر فيه أن ما قاله “أثار الكثير الكثير من ردود الفعل والإساءات الشخصية، وحاولتْ بعض الجهات الاستفادة منها للإساءة إلى خط المقاومة وقيادتها التي أحب وأحترم”.
وهو وصف “الطرح أو الأسلوب” اللذين اعتمدهما في كلامه، و”حتى التوقيت”، بأنها كانت “غير مناسبة”. واستدرك ما قاله عن قاسم سليماني بأنه “خطأ”. ثم ختم بيانه هذا بـ”الاعتذار من جمهور المقاومة إن مسّته مقابلتي في مكان ما”. وأخيراً وعد وعاهد نفسه بأنه “مجرد إنسان حاول ويحاول أن يساهم بقدر ما يستطيع في خدمة هذه المسيرة (مسيرة المقاومة) حتى آخر قطرة من دمي. والله شاهد على ما أقول”.

هي القسوة التي جوبه بها قصير وكلامه، ما حمله على كتابة هذا البيان وتوزيعه، متنصلاً فيه من ما قاله، ومعتذراً عن خطئه. وهو في هذا يعود إلى رشده، بما أنه لا يقوى على التزام السكوت والصمت في حضرة حزب القسوة والصمت، أو حزب سلطان الواحد المقدس وطقوسه.

ففي شعائر هذا الحزب وطقوسه على الناس أن يختاروا: إما القسوة وإما الصمت.