الرئيسية / مقالات / حرّاس الجولان

حرّاس الجولان

 صبحي حديدي 
القدس العربي
14102019

شهادتي في الجولان السوري مطعون فيها، أو هكذا ينبغي أن تبدو من حيث المنطق البسيط، ليس لأنني مواطن سوري يُبدي تعلقاً فائقاً بأرض سورية مغتصبة، فحسب؛ بل كذلك، وربما أساساً، لأنني لا أفوّت فرصة دون التعبير عن ذلك التعلّق، وجدانياً بادئ ذي بدء، ثمّ وطنياً بمعنى دوام احتساب الجولانيين والجولانيات في قلب النسيج السوري التاريخي التعددي الأغنى، وسياسياً ضمن مصائر الهضبة وأهلها/ أهلنا في هزائم نظام آل الأسد أمام الاحتلال الإسرائيلي وصفقات البيع والتنازل والانسحاب والاتجار. والحصيلة، الخيانية بامتياز، لهزيمة 1967 أسفرت عن تهجير نحو 130 ألف مواطن جولاني، وتدمير 340 مزرعة وقرية وبلدة، بالإضافة إلى مدينة القنيطرة عاصمة الجولان، وفرض العيش تحت الاحتلال على قرابة 25 ألف نسمة في خمس قرى، مجدل شمس وبقعاثا ومسعدة وعين قنية والغجر؛ في مقابل 33 مستوطنة زراعية أقامها الاحتلال، تستوعب اليوم من المستوطنين ما يفوق أعداد أهل الأرض الجولانية المحتلة.
وهذه عناصر سبق لي أن تناولتها في مقالات مختلفة، وعلى مدى زمني يعود إلى ثلاثة عقود، خاصة وأنّ الجولان ليس ملفاً يمكن أن يُطوى في مختلف جوانبه. وفي هذا كلّه لم أكن غريباً عن الهضبة الفريدة، بمعنى أنني لم أكن محض مواطن سوري ينحاز إلى أهله في أرضهم المحتلة، فقط؛ بل أمضيت قرابة سنتين في بطاح الجولان، ولكن من الجانب السوري غير المحتل، بين 1980 و1982، خلال عملي مع الأمم المتحدة في وحدات فكّ الارتباط، الـ UNDOF. وهكذا أُتيحت لي فرص، ثمينة واستثنائية، لزيارة القنيطرة الشهيدة، والتعرّف على جغرافية جولانية شاسعة وآسرة، من نبع الفوار وخان أرنبة ومزرعة بيت جن، إلى تل الفرس والرفيد وجبل الشيخ وبير عجم، وسواها من القرى والبلدات والهضاب.

شاءت الأقدار أن أكون على معبر القنيطرة يوم 14 كانون الأول (ديسمبر) 1981 حين صوّت الكنيست الإسرائيلي على «قانون الجولان»، ولم تكن البرهة تلك عادية في ناظر أيّ مواطن سوري، فكيف إذا كان على مبعدة 25 متراً فقط عن الاحتلال!

وضمن نطاق عملي توجّب أن أناوب ثلاثة أيام شهرياً على معبر القنيطرة المواجه لحاجز الاحتلال، والمخصص لعبور أفراد الأمم المتحدة وطواقم الصليب الأحمر والطلاب السوريين القادمين من الجولان والمتوجهين إلى الداخل السوري للدراسة في مختلف كليات جامعة دمشق. وشاءت الأقدار أن أكون على هذا المعبر تحديداً، يوم 14 كانون الأول (ديسمبر) 1981، حين صوّت الكنيست الإسرائيلي على «قانون الجولان»، الذي يقضي بـ« فرض القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية على هضبة الجولان»؛ ولم تكن البرهة تلك عادية في ناظر أيّ مواطن سوري، فكيف إذا كان في تخوم القنيطرة فعلياً، وعلى مبعدة 25 متراً فقط عن الاحتلال!
ومنذ زيارتي الثانية إلى فلسطين، وكانت في مثل هذه الأيام من العام الماضي، ألزمت نفسي بقرار حسبته في عداد أضعف الإيمان تجاه أهلنا في الجولان؛ وهو ألا أزور فلسطين دون أن أصعد إلى الهضبة الحبيبة، وإلى مجدل شمس تحديداً، درّة الجولان الراهنة. في الزيارة الأولى سعدت بصحبة الصديق والرفيق المؤرّخ والناشر السوري فاروق مردم بك، حين قصدنا المجدل بعد إحياء الذكرى العاشرة لرحيل محمود درويش في رام الله وفي المتحف الذي يحمل اسمه؛ وفي الزيارة التالية، الأسبوع الماضي، سعدت بصحبة الصديقين الشاعر الفلسطيني زهير أبو شايب والناشر الفلسطيني أحمد أبو طوق صاحب «الأهلية». وإذا جاز القول إنّ مشاعر مردم بك تجاه الجولان كانت من طراز مشاعري، مطعوناً فيها؛ فإنّ ما استجمعه الصديقان الفلسطينيان من مشاعر أخوّة وإعجاب وتضامن وانبهار أثلج صدري شخصياً، بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى، وأمدّني بأسباب أخرى إضافية للمضيّ أبعد وأعمق في عشق الهضبة وأهلها.
لقد لمسنا أقصى الدفء والكرم والحنان في بيت أبو زياد، وأفراد أسرته وصحبه الكرام، على إفطار تزاحمت فيه أطايب سوريا التقليدية إلى جانب أطباق الجولان الأثيرة، واكتشفنا (خاصة صديقي أبو شايب، التشكيلي إلى جانب قامته الشعرية الرفيعة) أنّ ربة البيت السيدة أم زياد فنانة مذهلة تمارس طرازاً مبهراً من النحت التعبيري، وتدرس على يد فنان تشكيلي محترف حتى وهي تعبر العقد السادس من عمرها. وكان ياسر خنجر، الشاعر صاحب «طائر الحرية» و«سؤال على حافة القيامة» و«السحابة بظهرها المحني» و«لا ينتصف الطريق»، والناشط/ السجين السابق على خلفية مقاومة الاحتلال؛ قد تولى مهامّ ثقيلة في نقلنا من رام الله إلى المجدل، كما أدار ندوة لي مع أهلنا هناك، ، وقدّمها حسان شمس المحلل السياسي المخضرم وابن الجولان البار، تناولنا فيها الكثير من هموم بلدنا السياسية والإنسانية والثقافية. كما ساعدتنا التشكيلية شذى الصفدي على إماطة اللثام عن «أسرار» وائل طربيه، الذي ينخرط بحماس واحتراف في قضايا حقوق الإنسان في الجولان، لكنه يحتجب عامداً عن جانب لامع ومضيء في شخصيته: أنه فنان تشكيلي كبير، على نطاق فلسطيني وعربي وعالمي؛ غنيّ الموضوعات، جسور الرؤى، متعدد الأساليب، متين الأداء وعالي السيطرة على مادّته (بشهادة أبو شايب، هنا أيضاً).
والحال أنّ المقام ليس ملائماً، مهما طالت السطور وامتدت الكلمات، لإيفاء حقّ عشرات آخرين من الصديقات والأصدقاء، وخاصة كهول المجدل وشيوخها وخميرتها السورية الأصيلة، حرّاس الجولان كما وصفهم النابغة ذات يوم، وصنّاع الصمود والبقاء وقوّة الحياة؛ هناك، حيث «ريحانٌ ومسكٌ وعنبرٌ/ على منتهاه ديمةٌ ثمّ هاطلُ».

اضف رد