الرئيسية / home slide / حريم شرقيات في شيكاغو 1893: هنا كوراني والفكر النسوي في سوريا العثمانية

حريم شرقيات في شيكاغو 1893: هنا كوراني والفكر النسوي في سوريا العثمانية

 محمد تركي الربيعو 
https://www.alquds.co.uk/
20062020

في عام 2012، كان عدد من المؤرخين وتلامذة ألبرت حوراني يحتفلونَ في جامعة برنستن الأمريكية بمرور 50 عاما على صدور كتاب شيخهم «الفكر العربي في العصر الليبرالي». يومها، حاول المساهمون في هذا اللقاء إعادة تفحص أفكار حوراني، خاصة أن هذا الكتاب أثّر، وما يزال، بشكلٍ عميقٍ في كتابة تاريخ الأفكار في الشرق الأوسط. ومن بين الدراسات التي ضمها هذا الاحتفاء، دراسة للباحثة مارلين بوث أستاذة دراسات النساء والجنوسة في جامعة ايلينوى، التي وجدت أن حوراني لم يركز في دراسته سوى على تتبع أفكار أبطال الفكر العربي من الذكور، كما فضل التعامل بشكلٍ مركزٍ مع كتابات القليل منهم، بدلا من مراجعة فئات المفكرين والكاتبات، أو حتى الذكور الأقل شهرة، الذين ملأوا أعمدةَ الصحافة اليومية القومية الجديدة في تسعينيات القرن التاسع عشر، وما بعد، وأسسوا صحفا ومجلات خاصة بهم، منتجين قدرا كبيرا من التعليقات على قضايا العصر.
كما بينت بوث في هذا السياق أن كتابات قاسم أمين، التي غالبا ما نظر إليها بوصفها أولى الكتابات الرائدة والمدافعة عن حقوق النساء، لم تأت من فراغٍ، بل جاءت كاستكمالٍ لعشرات النقاشات التي عرفتها المدن العربية، منذ أواسط القرن التاسع عشر مع بطرس البستاني في سوريا العثمانية، ومع زينب فواز ومريم مكاريوس وغيرهم من الأسماء. ومع هذه القراءة وغيرها من القراءات الموازية، كان الباب يفتَح من جديدٍ، لإعادة النظر في بعض المسلمات، والحفر في عوالم نهاية القرن التاسع عشر، للتعرف أكثر على بعض الأفكار والمفكرين الذين همشوا لصالح مفكرين آخرين، على الرغم من غنى النقاشات التي قدموها في تلك الفترة. وكمثالٍ عن إحدى هذه الشخصيات المهمشة، وعن الجهود الجديدة للكشف عنها، يمكن الإشارة إلى كتاب الباحث والمؤرخ السوري تيسير خلف «الحركة النسائية المبكرة في سوريا العثمانية»، الذي خصصه للحديث عن (هنا كسباني كوراني)، أو بالأحرى لإعادة الكشف عن صورة وحياة مفكرة نسوية، ظهرت في نهايات القرن التاسع عشر، بيد أن الظروفَ لم تتح لها الاستمرار والشهرة، بسبب مرض السل، لتتوفى في عمرٍ صغيرٍ، تاركة لنا عشرات المقالات والمقابلات التي أجرتها في عددٍ من الصحف الغربية.

خلف وكوراني.. لقاء الصدفة

قبل سنتين من الآن تقريبا، كان تيسير خلف قد نشر كتابه «من دمشق إلى شيكاغو»، الذي تطرقَ فيه لرحلة أبو خليل القباني إلى معرض شيكاغو عام 1893، استطاع خلف أن يتتبع مسارات هذه الرحلة التي بقيت مجهولة تقريبا للقارئ العربي، والأهم من ذلك أن يرصدَ لنا من خلال ما كتب عنها في الصحف الأمريكية، الأجواء التي قوبلت فيها عروض فرقة القباني، وكيف أن العثمانيين أو الأتراك آنذاك، والممثلين في هذه الفرقة، كان يبدون أكثرَ انفتاحا على الفنون من الشارع الأمريكي، الذي يظهر لنا، من خلال ردود فعله حيال هذه العروض، مجتمعا محافظا، وبالأخص على صعيد الطبقة الوسطى، وهي خلاصة قد تتوافق مع عددٍ من الدراسات والروايات التي رصدت واقعَ المجتمع الأمريكي في بدايات القرن العشرين، كما في مثال رواية «بابت» للروائي الأمريكي سنكلير لويس،
الحاصلة على جائزة نوبل، التي وصف من خلالها قيمَ وأعرافَ الطبقة الوسطى في المجتمع الأمريكي في تلك الفترة، وهي طبقة كانت تؤمن بتكديس الثروة والخضوع للتقاليد، ونبذ أي محاولة لتجاوز أعرافها، كما في حال بطل الرواية جورج بابت، الذي حاولَ الفرارَ من قيم مجتمعه آنذاك لصالح أفكارٍ جديدةٍ، قبل أن ينقض عليه المجتمع التقليدي، مع ذلك لم يفقد الأمل.
وبالعودة لرحلة القباني، وكما ذكرنا، استطاع خلف أن يصطحبنا في جولةٍ ممتعةٍ داخلَ المعرض، وأجوائه، وللتعرف أيضا على أزياء المشاركين والزوار. وفي الوقت الذي كان فيه خلف يتابع جولته في باقي أقسام المعرض، وما تركه لنا من أرشيفٍ، إذ به يعثر على فتاةٍ من ولاية سوريا، لكنها لم تكن قادمة لعرض فنونها، بل للحديث عن حياة النساء الشرقيات للجمهور والنساء الأمريكيات. سيدفعه هذا اللقاء، الذي جرى بالصدفة، إلى تتبع رحلتها، وجولاتها، ومحاضراتها التي ألقتها في أمريكا، قبل أن يعودَ للبحث في طفولة هذه الفتاة وأفكارها، والفضاء الفكري والاجتماعي، الذي كانت تعيش فيه، وهذا ما مكّنه، كما فعل في رحلة القباني، من الكشف عن رحلةٍ منسيةٍ، أو حتى مجهولةٍ ليومنا هذا، لقسمٍ كبير من المهتمين بالتاريخ النسوي السوري، أو المشرقي عموما.

ما يلفت النظرَ أيضا في كتاباتها في تلكَ الفترة، أن موقفَها المحافظ لم يقتصر على النساء، بل نجدها تكتب في عام 1839 قبل أشهرٍ من رحلتها لأمريكا مقالا بعنوان «إنهاض الغيرة الوطنية لترقية البضائع الشرقية».

من هي هناء كوراني؟

يرى خلف أن من المفارقات في سيرة هذه الفتاة، أنه في الوقت الذي تتوفر فيه معلومات وأخبار كثيرة عنها في المصادر الأمريكية، في المقابل لا نكاد نجد في الأدبيات العربية، إلا سيرة موجزة غير محققة، منشورة في أكثر من كتاب تراجم. إذ يخبرنا أدهم الجندي في كتابه «أعلام الأدب والفن ـ 1958» أن تاريخَ ولادة كسباني يعود لعام 1870، في قرية كفر شيما المشرفة على بحر بيروت، ويقول الجندي كذلك أنها «نشأت في بيت علمٍ وأدب، وظهرت عليها علائم النجابة، وبرهنت في طفولتها على استعدادٍ يرجى منه خير». وقد تلقت كسباني دراستها في مدرسةٍ حكوميةٍ، ولاحقا في مدرسةٍ للمبشرين الأمريكيين في قريتها، ثم في مدرسة البنات الأمريكية الكبرى في بيروت، وبقيت هناك لأربع سنوات تعلمت خلالها قواعدَ اللغتين العربية والإنكليزية. وتزوجت في سن السادسة عشرة بأمين كوراني (ولذلك حملت لقبَ كوراني)، وكان كحال عائلتها قد تحولَ إلى العقيدة الإنجيلية، أو العقيدة البروتستانتية المشيخية. وهي عقيدة تبدي تقيدا كبيرا بالمعنى الحرفي للنص المقدس، خلافا للبروتستانتية الليبرالية. ومما يذكر حولها أيضا، أنها ألفت كتابا في عمرٍ مبكرٍ بعنوان «رسالة في الأخلاق والعادات»، وهو عنوان يعكسَ تأثرا بالمناخ البروتستانتي، الذي عاشت فيه، ويقال أيضا إن السلطان عبد الحميد الثاني، كافأها بمنحها وسامَ الشفقة (وهو وسام كان يمنح للخيرات من النساء)، لكن تيسير خلف يعتقد أنها رواية غير دقيقة، فالأرشيف العثماني، كما يذكر، خلا من هذا الخبر، ولو كان صحيحا لوثقته محفوظات يلدز الأساسية، التي كانت تدون اسمَ كل شخصٍ حصل على وسامٍ من السلطان.
قبل ولادة كسباني بعقدين، كان بطرس البستاني وأحمد فارس شدياق، قد أطلقا نقاشا واسعا بشأن المرأة وحقوقها ودورها في المجتمع، وقد وجدَ البستاني أن من حق المرأة التعلم، ولكن دورها الأساسي يكمن في البيت وفي تعليم أولادها، في حين ذهب الشدياق إلى الدفاع عن حقها في العمل، ودعم حقها المتساوي في الطلاق. كما عرفت الفترة ذاتها تقريبا، ظهورَ أفكار مريانا مراش الحلبية (1848/1919) التي دعت بناتَ جنسها إلى المساهمة في الآداب والمعارف، كما تأسست بعض الجمعيات النسوية لاحقا مثل «باكورة سورية» وهدفت لتحسين ظروف النساء علميا وأدبيا، وظهرت أيضا أفكار شبلي شميل 1850/1917، التي بدا أن لها أثرا عميقا في نساء عصره، كما يرى باحثنا خلف، خصوصا اللواتي تلقين علمهن في المدارس الإنجيلية. وقد اعتمد شميل على النظرية الداروينية التطورية، فناقشَ بإسهابٍ الفروق الجسمانية والفيزيولوجية بين الذكور والإناث، محاولا أن يجدَ حلا وسطا بين الأفكار التي تمجد المرأةَ، وتلك التي تقلل من مكانتها وعقلها.
وفي هذه الأجواء، نشأت السيدة كوراني، ويبدو أنها تأثرت بها كثيرا، فقد نشرت في جريدة «لبنان» في عام 1892 مقالا بعنوان «المرأة والسياسة» أكدت فيه «أن المرأةَ لا تقدر على عملٍ خارجي مع أداء واجبات ما يلزم لخدمة الزوج والأولاد»، وأن «الواجبات المنزلية طبيعة للنساء، ولا يجوز لهن أن يتخطينها». وفي سياق تفسيره لهذا الموقف المحافظ، أو قد يحلو للبعض وصفه بما بعد حداثوي، يرى خلف أن هذه القناعة قد تبدو ناجمة عن فكرة «الأنوثوية المثالية» التي كانت سائدة آنذاك في بريطانيا والعالم الأنكلوسكسوني؛ فقد تميز العصر الفيكتوري من عام 1837 إلى عام 1901 بأنه عصر القيم المنزلية، ويبدو أن هذه القناعة ستبقى سائدة كذلك في ظل بروز الدول القومية، إذ تبين مثلا ميديا أوغلو في سياق دراستها للعلاقة بين النزعة القومية ومسألة الجنوسة في تركيا الكمالية، أنه على الرغم من التغيرات التي أجراها الأتراك الجدد على صعيد حقوق المرأة ولباسها، مع ذلك، بقوا ينظرون للمرأة بوصفها تمثل الخصالَ الروحيةَ للأمة، التي يجب حمايتها، وهذا ما كان يعني ضرورةَ كبح المرأة الجديدة عن «الخروج من الحدود الفيزيائية للبيت»، وحتى في حال خروجها، فهي ليست في النهاية سوى الأم التي تمثل روحَ الأرض (الوطن).
وبالعودة لكوراني، فإن ما يلفت النظرَ أيضا في كتاباتها في تلكَ الفترة، أن موقفَها المحافظ لم يقتصر على النساء، بل نجدها تكتب في عام 1839 قبل أشهرٍ من رحلتها لأمريكا مقالا بعنوان «إنهاض الغيرة الوطنية لترقية البضائع الشرقية»، ويحسب للمؤلف هنا جمع هذه المقالات ونشرها في خاتمة الكتاب، وقد حاولت فيه الدعوةَ للدفاع عن الصناعات السورية، والاستغناء عن السلع الأوروبية، ومما تذكره هنا «لقد أخذنا نتشبه بالغربيين، بالزي، والعادات، ونحن متأخرين عنهم بالعرف والمال بما لا يقاس…فقد كنا قبل أن امتزجنا معهم عائشين بالراحة.. فكانت المرأة تغزل بيديها لباسَ عائلتها، وتكسي رجلها وأولادها من تعب نهارها وليلها.. بخلاف ما نحن عليه الآن، فإن الرجلَ يصل الليلَ بالنهار سعيا وراء تحصيل حاجات عائلته». وقد يذكرنا هذا الموقف المدافع والمهموم بغياب الصناعات المحلية بالهموم ذاتها في الفترة ذاتها تقريبا، التي عبّر عنها كل من الشيخ محمد القاسمي وولده الإصلاحي الكبير محمد جمال مع إصدارهم لكتابهم الإثنوغرافي المهم «قاموس الصناعات الشامية»، الذي جمعا فيه ما قيل عن 437 صناعة محلية، بعضها كان ما يزال قائما، وبعضها الآخر كان قد انقرضَ.

رحلة إلى بلاد العام سام

في 24 نيسان/إبريل1893 وصلت كوراني وزوجها إلى نيويورك على متن السفينة «سنتيانا» المبحرة من بيروت. بعد ذلك قصدت شيكاغو للمشاركة في معرضها، وهناك عادت كوراني للتذكير بأن «مجدَ المرأة كامن في تقواها وطهارتها، فإذا افتقرت إلى هاتين الخصلتين، ما عاد لحكمتها وعلمها وفهمها وأناتها من قيمةٍ.. فالمساواة بين الجنسين لا تعني المساواةَ في كمية الإنتاج، بل المساواة في مساهمة كل منهما في خير الجنس البشري». وقد استحوذت هذه الرؤية الطهورية على قلوب سيدات المجتمع الأمريكي، وبالأخص نساء الطبقة الوسطى المحافظة، فانهالت عليها الدعوات لحضور حفلات الاستقبال. وسيطبع هاجس الدفاع عن الشرق موقفَ كوراني في هذه الفترة، ففي إحدى المحاضرات التي قدمتها لاحقا في جمعية الشابات المسيحيات في نيويورك، انتقدت بشدة الكرسي الذي جلست عليه، وقالت إنه غير مريحٍ، على النقيض من المجلس المكسو بالصوف الناعم المستخدم في سوريا، كما تحدثت عن عادات الطعام، وعن بيوت السوريين، التي تتميز ببهجتها بعكس بيوت الأمريكيين المكتظة بالأثاث والتحف التي تعيق الحركةَ، ومن الأمور الطريفة التي ناقشتها أيضا ما يتعلق باستخدام الستائر بشكلٍ مبالغٍ فيه في بيوت الأمريكيين، بعكس بيوت السوريين المشمسة. ويوما بعد يوم غدت كوراني إحدى نجمات الصحافة الأمريكية، قبل أن يداهمها مرض السل، لتضطر إلى مغادرة عالم العم سام إلى أوروبا للعلاج، وهناك نشطت كوراني كذلك، رغم معاناتها الصحية وأثارت اهتمامَ الصحافةَ الأوروبيةَ. وبعد عودتها إلى بيروت، ألقت كوراني في 26 أيار/مايو 1896 واحدة من أهم محاضراتها بعنوان «التمدن الحديث وتأثيره في الشرق»، طرحت فيها أفكارا جديدة، ومواقف أكثر تقديرا وليونة تجاه أفكار الغرب، وهذا ما يراه خلف نابع عن تأثرٍ برحلتها لأمريكا. ومما ستذكره في هذه المحاضرة، أو بالأحرى الوصية (فقد توفيت بعدها بسنتين ولم تكن قد تجاوزت 28 سنة)، بأنه في جميع الأقطار التي زارتها «ربما تتعجبون إذا أخبرتكم بأنه لا يوجد الواسعة يتردد إليها الرجال للتدخين، وقتل الساعات بالألعاب، كما هو الشأن عندنا.. فوقتهم (تقصد الرجالَ في أمريكا مثلا) أثمن من أن يُضاع في الحانات والقهاوي.. ولذلك صارَ من الضرورة إذكارنا بأهمية العمل». وربما لم يخيل لكوراني هنا أنه بعد مئة سنةٍ وأكثر، سنعثر على هؤلاء الرجال الكسالى في عالمنا، أو بعض النسويات، ولكن تحت مسمى مثقفين، وهم يقتلونَ الساعاتَ على وسائل التواصل الاجتماعي في معاركٍ ونكاياتٍ هنا وهناك، بدون أن يكترث إلا القليل منهم بجمع رسائلها، وأفكارها، والنقاش حولها، سواء اتفاقا معها أو نقدا لها.