الرئيسية / home slide / حروب نابليون ومأساة لوحة الزفاف في قانا

حروب نابليون ومأساة لوحة الزفاف في قانا

لوحة الزفاف في قانا

 زيد خلدون جميل
القدس العربي
31052021

اقتربت السفينة الحربية من ساحل مدينة البندقية في نيسان/إبريل عام 1797 مثيرة الذعر في أوساط المدينة، خاصة داخل حكومة المدينة التي كانت إحدى أهم وأغنى المدن في العالم. وقامت القوات المسلحة للمدينة بإطلاق النار على تلك السفينة، لكن هذه المواجهة الفاشلة التي أودت بحياة جنود من هذه المدينة الشهيرة كانت أيضا نذيرا بكارثة على وشك أن تحل فيها، فلم تكن تلك السفينة قد ضلت طريقها لتجد نفسها قبالة ساحل المدينة، بل مرسلة من قبل أشهر قادة أوروبا العسكريين، وأكثرهم شراسة وطموحا، ألا وهو نابليون بونابارت. ولم يكن الهجوم الفرنسي مفاجأة حقيقية لحكومة البندقية، حيث كان جيش نابليون قد احتل أصلا مناطق تابعة للمدينة، مثيرا فيها الاضطرابات قبل أن يجعل المواجهة بذلك الشكل المباشر، متحججا بأنه يحاول مواجهة تقدم الجيش النمساوي في إيطاليا، وأن النظام السياسي في البندقية غير مناسب، وأنها سبق أن استقبلت وريث عرش فرنسا بعد الإطاحة بالنظام الملكي الفرنسي.
ولم يكن لدى الحكومة المحلية المجال لتجنب المواجهة، فحاولت قواتها الهزيلة الدفاع عن المدينة، لكنها سرعان ما استسلمت أمام تلك القوة العسكرية الفرنسية الهائلة، التي أغارت عليها، وكانت النتيجة احتلال المدينة بعد أن كانت مستقلة لأكثر من ألف وسبعين عاما.
وكرر نابليون ما قام به في مدن إيطالية أخرى مثل روما وميلان، حيث نهب جيشه مدينة البندقية بالكامل، واعتقل أثرياءها مشترطا تنازلهم عن كل أملاكهم مقابل إطلاق سراحهم. أما أسطول المدينة الحربي المكون من مئة وثمان وأربعين سفينة، فقد استولى الفرنسيون على أفضلها ثم أغرقوا الباقي، وأحرقوا مجمع الذخيرة الحربية بالكامل، وبالنسبة لكنوز المدينة الفنية العديدة، فقد أُحرِقَ بعضها لاستخراج الأجزاء الذهبية منها. وكانت أطماع نابليون لا حدود لها، لكنه أضاف إلى الجروح البالغة التي أصابت المدينة إهانة، حيث أنه لم يكن يكتفي بكل الغنائم، بل أراد أن يجعل ذلك شرعيا، ولذلك كتب اتفاقية على مزاجه مجبرا حكومة المدينة، في أيامها ألأخيرة، على تسليمه ثلاثة ملايين فرنكا (مبلغ هائل في معايير تلك ألأيام) وسفنا حربية وخمسمئة مخطوطة قديمة وعشرين لوحة، ولم يشمل ذلك ما نهبه جنوده وضباطه، لكن اختيار اللوحات كان يعود إلى لجنة من الفرنسيين، الذين كانوا يعرفون أهم الكنوز الفنية في المدينة، لاسيما لوحة «حفلة الزفاف في قانا» التي كانت تعتبر أشهر لوحة من القرن السادس عشر، وأفضل مثال على الفن الغربي في تلك الفترة، وبالتالي إحدى أشهر اللوحات في التاريخ العالمي ومازالت. وعلل نابليون عمله هذا بأنه قدم خدمة للبندقية وغيرها من المدن الإيطالية، التي نهبها، حيث أن هذه الكنوز الحضارية موجودة في أماكن بعيدة وغير معروفة، ما يجعلها بعيدة عن الذين يقدرون قيمتها الحقيقية ويستمتعون بالفن الرفيع. ولذلك، يجب نقلها ألى العاصمة الفرنسية باريس، كي يراها العالم المتذوق للفن في المتحف الرئيسي هناك، فيا لطيبة قلب نابليون. ولم يكن ذلك المتحف سوى متحف اللوفر، الذي لم يستطع الإفلات من نزوات نابليون، الذي غير اسمه إلى «متحف نابليون» حيث اعتبر المتحف ومقتنياته ملكا خاصا به لعرض نتائج انتصاراته. وكان ما فعله نابليون عاملا حاسما في جعل متحف اللوفر المتحف الأهم في العالم.
ولم تكن مدينة البندقية سوى وليمة دسمة لقائد عسكري مهووس بطموحاته، ولم يتجاوز سن الثامنة والعشرين بعد. وقد وصفه أحد كبار سياسيي المدينة بعد لقائه به، بأنه رجل نرجسي يظن نفسه فوق البشر، ولم يكن مخطئا في هذا فنابليون كان مغرما بتعظيم نفسه، فمثلا تبينه إحدى اللوحات ممتطيا حصانا أثناء عبوره جبال الألب، بينما في الحقيقة كان على ظهر حمار أثناء اجتيازه لتلك الجبال. وكان بالغ الإعجاب بذكائه وذاكرته، وهو الذي كانت مرتبته في التخرج الثانية والأربعين بين ثمانية وخمسين خريجا. ويعتقد بعض المؤرخين أن أحد أسباب بروز نابليون الصاروخي في الجيش الفرنسي، كان طلب زوجته من السياسي الفرنسي بول باراس، الذي أصبح رئيس الحكومة الفرنسية بعد إعدام روبسبير، بترقية زوجها، حيث أنها كانت عشيقته قبل زواجها من نابليون.

لوحة «حفلة الزفاف في قانا»

قبل احتلال البندقية بقرون، أي عام 1562، أراد رهبان دير جزيرة سان جيورجيو ماغيوري San Giorgio Maggiore، الواقعة أمام ساحل مدينة البندقية، تزيين صالة الطعام الكبيرة في الدير، فاتفقوا مع أحد أشهر رسامي عصرهم باولو فيرونيزي Paolo Veronese، الذي عرف بسرعة تنفيذه لأعماله، وكان في الخامسة والثلاثين من عمره، برسم لوحة تعلق على جدار صالة الطعام الرئيسية للدير. وكان العقد المبرم بين الطرفين ينص على رسم لوحة بأبعاد 6.77 م x 9.94 م، وأن يتكون أجر الرسام من مبلغ 324 دوكات (عملة ذهبية شهيرة كانت تصدرها مدينة البندقية) وبرميل من النبيذ وتكاليفه الشخصية أثناء العمل، وأن يتناول الطعام في مطعم الدير. ولم يخيب الفنان الكبير آمال الرهبان، إذ استطاع، بمشاركة فريق من المساعدين، خلال خمسة عشر شهرا إنجاز لوحة اعتبرت من أروع ما أنجزه الفن العالمي، وأعظم لوحة في ذلك القرن. وسريعا ما انتشرت شهرة اللوحة، ما جعل أعداد الزوار إلى مطعم الدير يتزايد حتى قرر الدير عام 1705 تحديد عدد الزوار.
وتبين اللوحة حدثا ذُكِر في أنجيل «يوحنا» حول حفل زفاف حضره السيد المسيح في مدينة قانا. وكل ما في اللوحة من أزياء وأجواء احتفالية تعود إلى القرن السادس عشر مع بنايات رومانية ويونانية. وبلغ عدد الأشخاص المبينين في اللوحة مئة وعشرين شخصا، وضمت اللوحة شخصيات أوروبية بارزة من ذلك القرن، ومنهم شخصيات إسلامية بارزة. ومن الممكن القول إن فيرونيزي نفسه ربما لم يتوقع أن تكون اللوحة بهذه الروعة، حيث بدا كل ما فيه حيا وحقيقيا وكأنها صورة فوتوغرافية. وقد وصفها الرسام ماركو بوسكيني Marco Boscini بأنها ليست لوحة، بل سحر. ومع ذلك فإن الكلمات تعجز عن وصف ذلك العمل الفني، الذي يكاد أن يكون غير معقول.

نابوليون بونابارت

مأساة لوحة

بعد أن بقيت اللوحة في مطعم الدير لمئتين وخمسة وثلاثين عاما، دخل ذلك المطعم الجنود الفرنسيين في يوم الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عام 1797 لأخذها بالقوة. لكن حجمها الكبير (مساحتها 67.29 متر مربع) ووزنها البالغ طنا ونصف الطن حالا دون نقلها إلى خارج الدير. ولذلك لجأ الفرنسيون إلى حل قد يعتبره كل مثقف أو خبير في فن الرسم مريعا، ألا وهو خلع اللوحة من على الحائط بكل عنف ثم تقطيعها إلى عدة أجزاء أفقيا، ولف كل جزء كالسجاد لنقلها إلى باريس بحرا. ووضعت الأعجوبة الفنية على متن سفينة وكأنها سجادة عادية متجهة نحو ميناء «تولون» ثم ميناء «آرلينز» الفرنسيين. وهناك وضعت على متن سفينة كانت محملة بغنائم تم نهبها من «روما» لتصل «باريس» في أواخر شهر تموز / يوليوعام 1798. وكانت عملية وصول الكنوز الفنية الإيطالية إلى باريس تتضمن استعراضها أمام سكان المدينة في موكب ضخم. وتمت خياطة الأجزاء وتجميعها عند وصولها عام 1798 لتستقر في الصالة الكبيرة في الطابق الأول من متحف «اللوفر» الذي لم يتأسس سوى قبل خمس سنوات من تاريخه.
لكن نزوات نابليون الكارثية لم تتوقف، ففي عام 1810، وبعد أن أصبح أمبراطور فرنسا وعين نفسه ملكا على إيطاليا أيضا، قرر إضفاء بعض الشرعية على منصبه كامبراطور عن طريق الزواج من ابنة إحدى أعرق العوائل المالكة الأوروبية. وحاول في البداية التقرب من العائلة المالكة الروسية، التي أبدت ترددا واضحا إزاء هذه المبادرة، فاقترح النمساويون عليه أن يتزوج ابنة امبراطور النمسا، لأنهم خشوا من أن التقارب الروسي ـ الفرنسي قد يحصرهم بين اثنتين من أقوى دول العالم. ورحب نابليون بالفكرة، وقرر أن يتم الزواج بأبنة أمبراطور النمسا في الصالة الكبيرة لمتحف اللوفر المليئة باللوحات والتحف الفنية، بالإضافة إلى لوحة «حفلة زواج في قانا». ولتمكين القاعة من أن تتسع لستة آلاف مدعو. وتمت إعادة ترتيب محتويات القاعة باستثناء لوحة «حفلة زفاف في قانا» التي كانت مشكلة حقيقية بسبب حجمها، فاستشاط نابليون غضبا وأمر بأحراقها، ولحسن الحظ نجح مدير المتحف فيفانت دينون Vivant Denon ، في عدم تنفيذ ذلك الأمر. ولم يكن مدير المتحف هذا شخصا بتلك الطيبة والاستقامة، إذ كان أحد المسؤولين عن نهب الكنوز الفنية من قبل فرنسا في إيطاليا ودول أخرى. وكان أحد الذين ساعدوه في هذه المهمة الرسام الإسباني غويا.
تمت الإطاحة بنابليون عام 1815 في معركة «ووترلو» وسارعت الدول التي تحررت من طغيانه، ومنها البندقية، إلى المطالبة بكنوزها المنهوبة، لكن لسبب ما لم يعد سوى حوالي نصف الغنائم. وبالنسبة للوحة «حفلة الزفاف في قانا» ادعى مدير المتحف كذبا أن حالة اللوحة السيئة لن تسمح لها بتحمل مشاق الرحلة للعودة إلى مكانها الأصلي في الدير الإيطالي، وقد تكون هناك أسباب أخرى حالت دون عودة اللوحة. لكن الاتفاق النهائي حول إعادة ما نهب من البندقية لم تكن المدينة طرفا فيه، بل النمسا حيث كانت البندقية، تحت احتلالها. ولأرضاء مدينة البندقية، قدم المتحف للمدينة لوحة للرسام الفرنسي شارل لبرون Charles Le Brun كتعويض. وقد ذكر الناقد البريطاني جون رسكن John Ruskin أن لوحة الرسام الفرنسي لم تكن تنفع سوى كورق تغليف للوحة «حفلة زفاف في قانا». وتعرضت اللوحة بعد ذلك لمخاطر الحروب التي اشتركت فيها فرنسا، حيث وضعت في صندوق لإخفائها عن الألمان أثناء الحرب الفرنسية ـ البروسية عام 1870 – 1871، وتم لفها ووضعها على شاحنة لإخفائها عن الألمان أيضا في الحرب العالمية الثانية. لكن متاعب اللوحة لم تنتهِ بنهاية تلك الحروب، إذ قرر متحف اللوفر ترميم اللوحة عام 1989 ما سبب ضجة كبيرة في أوساط الفنانين الذي خشوا أن يؤدي الترميم إلى الإضرار باللوحة. وقد حصل جدال بشكل خاص حول بعض التفاصيل، فهل كان الرسام الأصلي من رسمها؟ أم أحد الذين حاولوا ترميم اللوحة في ما بعد؟ وبعد كل هذه النزاعات تعرضت اللوحة إلى مصائب غير متوقعة، حيث انهال عليها وابل من مياه الأمطار كان قد دخل القاعة من خلال فتحة تهوية عام 1992. وبعد ذلك بيومين سقطت اللوحة بأكملها على الأرض مسببة خمسة شقوق كان أطولها أكثر من مئة وعشرين سنتمترا.
لم يكن سكان المدينة مقتنعين أبدا بالتسوية التي تم التوصل إليها مع متحف اللوفر بعد سقوط نظام نابليون، واستمروا في المطالبة بلوحتهم. وكنوع من التعويض تم عمل نسخة طبق الأصل عن طريق استعمال تكنولوجيا إلكترونية خاصة، استغرق العمل عليها ثمانية عشر شهرا، وعلقت عام 2007 على الجدار نفسه الذي كانت اللوحة الأصلية معلقة عليه. وتذكر المصادر أن هذه النسخة دقيقة إلى درجة أنه بالإمكان تحسس لمسات فرشاة الرسام الأصلي على اللوحة. وعلى الرغم من الإعجاب الكبير الذي أبداه الكثيرون بالنسخة الإلكترونية، شتان ما بين اللوحة الأصلية والتقليد. لكن هذه المحاولة لم تشفِ جروح سكان البندقية، التي ما تزال تنزف حنقا على الإهانة التي تعرضوا لها والخسارة المادية التي عانوا منها. وما زالوا يطالبون باللوحة الأصلية، وتقام بين الحين والآخر محاكمات رمزية لنابليون بتهمة سرقة اللوحة، ويهدد البعض أحيانا بإقامة دعوى ضد متحف اللوفر لإعادتها، مع العلم أن الاتفاق بين متحف «اللوفر» والنمسا كان نهائيا ما يجعل إقامة دعوى صعبا جدا. لكن ماذا تقول إدارة متحف اللوفر عن هذه اللوحة في موقع المتحف في الإنترنت؟ كل ما تقوله، إن المتحف استلم اللوحة عام 1798 ملتزما الصمت حول الظروف المأساوية التي جعلت اللوحة ينتهي بها المطاف في هذا المتحف.
ما تزال اللوحة في متحف اللوفر معلقة على الجدار المواجه للوحة أخرى لم تكن شهيرة حتى بداية القرن العشرين تدعى «الموناليزا» التي يزورها ستة ملايين شخص كل سنة. ويهمل أغلب هؤلاء الزوار تلك اللوحة الرائعة والعملاقة المواجهة لـ»الموناليزا» التي ليست عملا فنيا خارقا فحسب، بل إنها الأغنى تاريخا وإثارة.

باحث ومؤرخ من العراق

زيد خلدون جميل