حروب صغيرة .. للنهايات !


نبيل أبومنصف
النهار
15102018

لا تحتمل “الساحة المسيحية “ واقعيا مزيدا من الاستقطاب السياسي والاعلامي والشد العصبي واستنفار الغرائز . فكل هذا بات مع الظروف المتبدلة في معادلات السياسة الداخلية ( على افتراض ان التسمية صحيحة في بلد مجوف من السياسات والاستراتيجيات الجادة والحقيقية لدى كل مجموعاته) اشبه بمهرجانات فولكلورية مضحكة حين تقارن فصول الاحتدامات المتلاحقة منذ انطلاق مخاض تأليف الحكومة بمعادلات الحرب والسلم وحقبات تقرير المصائر سابقا . لذا يصعب على باحث موضوعي مثلا ان يجد توصيفا متجردا لحروب صغيرة تجري حاليا ويخوضها افرقاء مسيحيون في ما بينهم او يفتعلها بعضهم بلا أي افق واضح باستثناء الصراع على السلطة والهيمنة عليها في وقت يذوي لبنان برمته ويتهدده انهيار اقتصادي بما سيحمل هؤلاء تبعة ضخمة لا يتحملونها وحدهم واقعيا عما قد يزلزل لبنان. يملي العودة الى واقع الحروب الصغيرة المسيحية ما يتجاوز موضوع عرقلة تأليف الحكومة. قد لا نبالغ اطلاقا ان قلنا ان الرهانات على الحكومة ستكون أضخم بكثير مما تحتمله تركيبتها الجاري استكمالها وسط تعقيدات المكونات المتناقضة والبعيدة في معظمها عن معايير مختلفة واستثنائية كانت وحدها تشكل حاجة لبنان الى حكومة انقاذية بكل lما تحمله الكلمة من معنى . ومع ذلك فان ما بدأ يرتسم من مواقف وآفاق دولية تعكس رصد المجتمع الدولي للقصور اللبناني الداخلي الفاضح عن مجرد تأليف حكومة يحتاج اليها هذا المجتمع منعا لنشوء بؤرة مضطربة جديدة في المنطقة ، يؤكد ان إنضواء القوى اللبنانية في تسوية حكومية لن يبقى خيارا مترفا والا ذهب البلد الى الجحيم . وسط هذا المنقلب الذي لم يعرف اللبنانيون ما يماثله من منقلبات خطيرة تنذر باوخم العواقب الاقتصادية والمالية والاجتماعية ، أي تفسير منطقي نقدمه لذاك الشيء الذي لا يزال يحفز ادمان افرقاء مسيحيين حصرا على توفير الخدمات القاتلة التي من شأنها هذه المرة ان تجهز نهائيا على صورة التعددية المسيحية وديموقراطيتها ودورها المؤثر في اعادة صياغة الدولة تحت ظل “الرئيس القوي “ ؟ اقله كان ثمة اجماع مسيحي قبل التسوية الرئاسية وبعدها على مواصفات ولو متناقضة لمفهوم الانسجام الحتمي بين التعددية الديموقراطية المسيحية والنهوض بالدولة على يد رافعة العهد بعدما أبدت كل القوى المسيحية وعيا كافيا لإنهاء صفحات حروب دفع الاثمان الباهظة سواء في الاحتراب الداخلي او في تصفيات الحروب الاوسع ولا سيما منها الصراعات الاقليمية التي احرقت اللبنانيين بكل طوائفهم والمسيحيين في مقدمهم . لكن التراجعات الواسعة التي ضربت هذا التطور تبدو اقرب الى كابوس مستعاد يهدد بانهاء كل أثر فعلي لمنظومة القوة المسيحية المزعومة التي تتحول تدريجا الى صراع سقيم على السلطة . ليست صورة ما جرى بالامس في ذكرى 13 تشرين الا هذه العينة المريضة . هل يعقل ان تبدو هذه الذكرى اقرب الى اعلان حرب الغاء مسيحية مستعادة منها الى إظهار نقطة التوحد الحقيقية الوحيدة في النظرة الى الاحتلال السوري وتغييب ممارساته ولو تاريخيا ؟ وماذا حين تنتقل الحروب الصغيرة المقبلة الى محراب السلطة بكل مؤسساتها ؟

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*