حروب صغيرة في المنطقة لمنع الحرب الكبيرة

محرر مجلة “تايم”: أعلنت ايران عن تخصيب الأورانيوم الى حد ينتهك بنود الاتفاق النووي الموقع سنة 2015. هل أنت عازم على استخدام الحل العسكري في حال باشرت ايران تطوير برنامجها النووي؟

الرئيس دونالد ترامب: أنا لا أستطيع أن أكشف موقفي، لأن هذا الأمر غير ملائم. وكل ما أستطيع أن أقوله حول هذه النقطة هو ان ايران ترتكب خطأ جسيماً إذا ما باشرت عملية التخصيب.

هذا جزء من الحديث الذي أجرته إدارة تحرير مجلة “تايم” مع الرئيس الاميركي. وكان من المستغرب اعتراضه على عدم التزام ايران شروط الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة سلفه الرئيس باراك اوباما. أي الاتفاق الذي أعلن هو إلغاءه السنة الماضية لأنه يخدم مصالح طهران.

وحول هذه النقطة بالذات، وصف السير كيم داروش، سفير بريطانيا في الولايات المتحدة، الرئيس ترامب بأنه “يستخدم ديبلوماسية التخريب المتعمد بسبب كراهيته للرئيس اوباما”. وبما أن هذا الوصف قدمه السفير الى وزير الخارجية السابق بوريس جونسون، صديق ترامب، فقد نقله اليه حرفياً الوزير السابق والمرشح الدائم لخلافة تيريزا ماي.

ويبدو أن هذه الشكوى لم تكن الوحيدة التي أثارت غضب ترامب ودفعته الى إعلان مقاطعته للسفير البريطاني. والثابت أن جهة مجهولة سربت بعض تقارير السفير، وفيها يصف سياسة الرئيس الاميركي بأنها تعاني من “خلل وظيفي”.

وعلى رغم إسقاط الاتفاق المعقود بين واشنطن وطهران، فقد حافظت بريطانيا على التزامها الى جانب الدول الأخرى الموقعة مثل روسيا وفرنسا والصين والمانيا، لكنها شاركت واشنطن في قرار حظر شراء النفط الايراني أو تسويقه. والدليل على ذلك أنها وافقت على احتجاز ناقلة النفط الايرانية العملاقة (غرايس – 1) التي كانت تبحر عبر ممرات مضللة من أجل نقل شحنة من النفط الى مصفاة بانياس في سوريا.

إثر صدور بيانات رسمية تشير الى استبعاد قرار الحرب من جانب واشنطن وطهران، استغل وزير خارجية بريطانيا جيريمي هانت هذا الموقف لإحداث اختراق سياسي. وقد تحدث على الهاتف الى الوزير الايراني محمد جواد ظريف، معرباً له عن استعداده للتدخل من أجل تحرير ناقلة النفط المحتجزة قرب جبل طارق مقابل التعهد بعدم تسليم النفط الى سوريا.

وفي التفسير الذي قدمته صحيفة “التايمس” لقرائها أن الوزير هانت أوحى باقتراحه عدم مشاطرته الولايات المتحدة قرار الحظر لتسويق النفط الايراني. لكنه في الوقت عينه استبعد موافقته على المصدر الذي تنقل اليه ايران شحنتها النفطية.

بررت لندن هذا التدخل الطارئ بعدما أبلغتها واشنطن أن دونالد ترامب أمر بضرب ايران عقب إسقاط طائرة اميركية مسيّرة قرب مضيق هرمز. وكان ذلك خلال شهر حزيران (يونيو) الماضي. لكن العسكريين في ادارته تدخّلوا معه من أجل إلغاء الغارة الجوية التي كانت ستقوم بها طائرات حربية مُستنفَرة لهذه الغاية. والسبب، كما صدر عن قيادة الأركان، أن ايران قد تردّ على الغارة بضربات موجعة يسددها “حزب الله” من لبنان… أو “حماس” من غزة… أو الحوثيون من اليمن.

وفي حينه عقد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو اجتماعاً طارئاً للمجلس الوزاري المصغر، راجع فيه مختلف الاحتمالات المتوقعة، وأثرها على الوضع الأمني.

المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية كشف الاحتياطات الوقائية التي اتخذها الرئيس السابق باراك اوباما، عقب توقيع ادارته الاتفاق النووي. وكان ذلك بطلب من الكونغرس الذي طالبه بضرورة تسييج الإتفاق بقوة عسكرية رادعة تمنع ايران من تطوير برنامجها النووي.

وقد كتبت مجلة “فورين أفيرز” تحقيقاً عن القوات الرادعة الاميركية، جاء فيه: “إدارة اوباما تقوم منذ حين بتوسيع قدراتها الهجومية في جزيرة دييغو غارسيا الافريقية. كل هذا من أجل تمكين الولايات المتحدة من بناء قاعدة عسكرية ضخمة تستخدمها من أجل الحرب في الشرق الأوسط وآسيا. ووفقاً لصحيفة “صنداي هيرالد”، فإن المعدات العسكرية الأساسية التي طلبها اوباما تتضمن قذائف مدمرة للتحصينات. أي لنسف الهياكل المحصنة تحت الأرض”.

ويؤكد خبراء الذرة أن ايران أخذت العبرة من المفاعل العراقي (تموز) الذي دمرته الطائرات الاسرائيلية في السابع من حزيران (يونيو) سنة 1981. لذلك حرصت طهران على اختيار مواقع داخل الجبال لكي تبني فيها مفاعلاتها. أي مواقع غير مكشوفة يصعب على الطائرات استهدافها.

بين العوامل التي ساهمت في إغضاب الرئيس ترامب من سياسة طهران التأييد العلني الذي توليه وسائل الإعلام الايرانية لمنافسه على منصب الرئاسة جو بايدن. لذلك كلف مكاتب الاستقصاء ضرورة إجراء مسح كامل لمواقع الجالية الايرانية. وقد تبين له أن غالبية أعضاء هذه الجالية سبق لها أن نزحت من ايران الى الولايات المتحدة عقب سقوط الشاه. لكن هذا لا يمنع ترامب من إشعار القيّمين على حملته الانتخابية بأن يهتموا بمضاعفة جهودهم من أجل إسقاط جو بايدن، ممثل باراك اوباما في الجولة المقبلة من الانتخابات الاميركية.

الدول الاوروبية الحليفة للولايات المتحدة – مثل بريطانيا وفرنسا والمانيا – لا ترى في الصورة التي يرسمها الرئيس ترامب عن ايران ذلك البعبع الذي يزعزع استقرار المنطقة. وتشير الصحف الألمانية دائماً الى افتقار ايران الى القوة العسكرية الحقيقية القادرة على نشر هيمنتها على الشرق الأوسط. صحيح أن عدد سكانها وصل الى أكثر من 85 مليون نسمة مع دخل قومي سنوي لا يزيد على أربعمئة بليون دولار… لكن الصحيح أيضاً أن ميزانيتها الدفاعية لا تزيد على 16 بليون دولار، أما عدد قواتها العسكرية – بما فيها الحرس الثوري – فهو 520 ألف جندي. وهم يستخدون ترسانة عسكرية قديمة من عهد الشاه.

مقابل هذه الوقائع، فإن عدد سكان مصر والسعودية والأردن والامارات العربية المتحدة يزيد على مئة مليون نسمة، يرافقه دخل سنوي يصل الى تريليون دولار. وتشكل نفقاتها العسكرية ستة أضعاف النفقات العسكرية لايران، مع آليات حربية لا تقل عن دبابات من نوع “ابرامز” ومقاتلات جوية من طراز “إف – 15”.

السلاح المذهبي والسياسي الذي تستخدمه ايران لتأسيس بدائل تقاتل عنها في اليمن ولبنان وسوريا والعراق وغزة، هو السلاح الأكثر تأثيراً. وقد أطلقت طهران شعاراته مع ثورة الخميني، وظلت تهدد به خصومها، مدعية أنها تمثل حركة التغيير في المنطقة. ولكنها في نظر الغرب لا تمثل أكثر من خطر أمني يزعزع استقرار الشرق الأوسط. والسبب أن الحرب الأهلية في سوريا توشك على الإنتهاء، وأن بشار الأسد سيحتفل قريباً مع الجهات التي آزرته بالنصر.

وتؤكد مصادر قريبة من الأسد أن نجاح “حزب الله” في لبنان وسوريا، قد يتحول الى نموذج يُحتذى به، بحيث إن ايران ترغب في خلق واقع مشابه في سوريا (“حزب الله” – 2) يكون الدعامة الدائمة لحكم الأسد. وتلمّح طهران الى أن هذه القوة ستنتشر أيضاً على طول الحدود مع اسرائيل من جهة الجولان.

ومنعاً للوصول الى هذا المدى، قام رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو بزيارات عدة الى موسكو. وكان الغرض منها، كما لمّحت الصحف، تسليط الأضواء على خطر الوجود الايراني في سوريا.

وتردد في الصحف الاسرائيلية أن الرئيس فلاديمير بوتين طلب من نتنياهو – مقابل تدخله – إقناع واشنطن بضرورة إلغاء العقوبات الاقتصادية، مع الإعتراف بشرعية وجود روسيا في شرق اوكرانيا. كل هذا مقابل العمل على تخفيف التسلط الذي يمارسه الحرس الثوري الايراني في سوريا.

ويتوقع المحللون انفجار الخلاف بين القوات الروسية العاملة في سوريا والقوات الايرانية التابعة للحرس الثوري. كل هذا بهدف تطويع بشار الأسد وإخضاع قراراته لإحدى الجهتين.

والثابت أن المرحلة المقبلة في سوريا ستشهد نزاعاً صامتاً بين موسكو التي سارعت الى نجدة الأسد… وطهران التي ترى في الروس قوة أجنبية لا يجوز أن تتحكم بمسيرة إعمار سوريا التي تقدر تكاليفها بمئة بليون دولار.

والمؤسف، أن الدمار الذي أصاب المدن السورية لا يمكن ترميمه من دون الإستعانة بمشروع “مارشال عربي”… لكن تحقيق هذا الأمر يحتاج الى ضمان استمرار الهدوء في سوريا!

صحافي لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*