الرئيسية / home slide / حروب العرب ضد الغزو الأجنبي في عصر المماليك

حروب العرب ضد الغزو الأجنبي في عصر المماليك

استحدثوا نظاماً للحشد والتعبئة… وانتصروا على التتار والصليبيين

القاهرة: رشا أحمد
الخميس – 21 شعبان 1443 هـ – 24 مارس 2022 مـ رقم العدد [ 15822]
https://aawsat.com/home/article/3549726

في كتابه الصادر حديثا عن الهيئة المصرية للكتاب بعنوان «مجالس المشورة في مصر عصر سلاطين المماليك – من 1250 حتى 1517م» يكشف الدكتور عثمان علي عطا، كيف كانت تدار حروب العرب ضد الغزو الأجنبي في تلك الفترة، مؤكدا أن مجالس المشورة لعبت دورا بارزا على مدار التاريخ العربي الإسلامي. ويذكر أن الدولة الأيوبية قدمت أشهر الأمثلة في هذا السياق، حيث كون صلاح الدين الأيوبي مجلسا للمشورة ينعقد عند الضرورة، خصوصا في الأمور الحربية. وكان هذا المجلس يتكون من صلاح الدين رئيسا وعضوية إخوته وأولاده وأولاد أخيه وابن عمه والقاضي الفاضل والعماد الكاتب وابن شداد ورفاقه القدامى وأمراء جيشه. ونظرا لطبيعة الدولة الأيوبية الحربية كثرت المجالس التي عقدت في عهد صلاح الدين لمناقشة أمور الحرب مثلما حدث عام 1187م عندما حاصر صلاح الدين مدينة صور واستعصت عليه فعقد مجلس المشورة الذي قرر فيه رفع الحصار عن المدينة لكثرة القتلى والجرحى ولدخول فصل الشتاء، وكان هذا الرأي مخالفا لرأي صلاح الدين، ولكنه وافق على ذلك خضوعا لرأي الأغلبية من أعضاء المجلس.
ويلفت المؤلف إلى أن صلاح الدين كثيرا ما تنازل عن رأي أغلبية المجلس، فعندما عقد مجلس المشورة في عام 1189 م لمناقشة كيفية التصدي للقوات الصليبية بعد خروجها من صور للاستيلاء على عكا وكان رأي صلاح الدين مهاجمة الصليبيين قبل اقترابهم من عكا، ولكن أعضاء المجلس رفضوا وفضلوا مهاجمتهم تحت أسوار عكا، واتضح خطأ هذا الرأي بعد أن ضاعت عكا واستولى عليها الصليبيون. ومثل ذلك حدث مع مدينة عسقلان التي قرر مجلس المشورة تدميرها في رمضان عام 1191 خوفا من استيلاء الصليبيين عليها مع أن صلاح الدين كان يرى دخولها وحفظها والدفاع عنها ولكنه اضطر لتدميرها رضوخا لرأي أمرائه.
ارتبطت المشورة بالدولة المملوكية منذ نشأتها. فبعد وفاة الصالح نجم الدين أيوب آخر ملوك الدولة الأيوبية أصبح الأمراء المماليك متحكمين في مقاليد الأمور في مصر، وكان لهم دور كبير في مواجهة الحملة الصليبية السابعة على مصر وتحقيق النصر في معركة المنصورة التي ظهرت فيها بسالة المماليك، بخاصة قطز وبيبرس، ومن ثم أدركوا مكانتهم السياسية.
ويذكر الكتاب أن عدة عوامل جعلت الأمراء المماليك يلتزمون بالمشورة فيما بينهم التزاما صارما في بداية نشأة الدولة المملوكية مما ساعد على نمو المجالس واتساعها ومن أهم هذه العوامل: وجود فراغ سياسي في البلاد، فبعد موقعة المنصورة لم يحسن توران شاه تقدير الأمور جيدا فقد تجاهل الأمراء المماليك. وبعد أن قتلوه فوجئوا بخلو منصب السلطنة فأخذوا يتشاورون فيمن ينصبونه سلطانا، ولم يكن من اليسير تعيين أحدهم في هذا المنصب حينئذ فبحثوا عن شخصية يرضى بها الجميع فعينوا شجرة الدر باعتبارها زوجة الملك الصالح ووالدة ابنه خليل. وأيضا من أبرز عوامل نشأة مجالس المشورة في هذا السياق محاولة البيت الأيوبي في الشام استعادة السلطة في مصر، وهذه المحاولات جعلت الأمراء المماليك يشعرون بخطر القضاء على دولتهم الوليدة لذا كانوا يحرصون على التماسك والتشاور فيما بينهم لمواجهة ذلك الخطر الداهم وحاولوا تفادي ذلك بشتى الطرق السياسية والحربية. كما شكل هجوم التتار على البلاد عاملا مهما في هذا السياق. فبعد أن استقرت الأمور قليلا ظهر عامل آخر قوى مبدأ المشورة ألا وهو هجوم التتار وإدراك المماليك أنهم لن يستطيعوا التصدي لهم بمفردهم فعملوا على إشراك الشعب المصري في الأمور وأدخلوا في مجلس المشورة القضاة وعلماء الدين بعد أن كانت عضوية مجلس المشورة مقتصرة على الأمراء المماليك فقط، ويتضح ذلك عندما علم سيف الدين قطز بهجوم التتار على البلاد الشامية عام 1258م فجمع الأمراء والقضاة والعلماء وتشاوروا في كيفية مواجهة التتار خاصة مع عدم وجود الأموال اللازمة في خزانة الدولة للإنفاق على الجيش فأجاز الشيخ عز الدين بن عبد السلام فرض ضريبة على الشعب بشرط أن يتجرد الأمراء المماليك من أموالهم أولا، وقاد قطز الجيش وانتصر على التتار عام 1260م في معركة «عين جالوت» الشهيرة. كما طهر المدن الشامية من الجاليات التتارية. ويذكر الكتاب أنه بعد وفاة قطز مقتولا عمل الظاهر بيبرس أحد قادته العسكريين على إضفاء شرعية على حكم المماليك بإحياء الخلافة العباسية في القاهرة بعد سقوطها في بغداد وبالفعل نجح بيبرس في ذلك عندما أحضر شخصا من بني العباس هو أبو القاسم أحمد في عام 1260م وبعد أن عقد مجلسا أثبت فيه صحة نسب هذا الشخص إلى بني العباس بويع له بالخلافة ولقب بالمستنصر. وحاول الخليفة الجديد المستنصر استعادة العراق من التتار ولكنه قتل فاستقدم الظاهر شخصا آخر من بني العباس وعقد مجلسا للتثبت من نسبه كما عقد للمستنصر قبله وتمت مبايعته بالخلافة ولقب بالحاكم بأمر الله، وهذا يدل على تصميم بيبرس على استمرار الخلافة في القاهرة، ومنذ ذلك اليوم أصبحت القاهرة مقرا للخلافة العباسية، وأصبح حكم السلاطين المماليك حكما شرعيا بعد تفويضهم بالسلطنة من الخلفاء العباسيين.
وبإقامة الخلافة في القاهرة أصبح للخليفة العباسي مكانة عظيمة لدى الشعب المصري وصار السلاطين المماليك يحرصون على الحصول على تفويض منه عند توليهم السلطنة وموافقته، وأصبح حضور الخليفة مجالس تولية السلاطين وولاية العهد قاعدة متبعة منذ عهد بيبرس وحتى آخر سلاطين الدولة المملوكية طومان باي 1516م.
وأدى استحداث بعض الوظائف الجديدة في الدولة إلى زيادة أعضاء مجالس المشورة، ومن ذلك ما قام به بيبرس عام 1265م من تطوير النظام القضائي حين عين أربعة من القضاة يمثلون المذاهب الأربعة بعد أن كان الوضع منذ أيام صلاح الدين أن يقتصر ذلك المنصب على قاض واحد على المذهب الشافعي وأصبح القضاة الأربعة منذ ذلك القرار يحضرون مجالس المشورة وأصبح لهم دور مؤثر في قرارات المجالس، خاصة تولية السلاطين أو عزلهم أو فرض ضريبة جديدة أو التصرف في أموال الأوقاف.
كان لكل عضو مكانه المعروف وجلوسه حسب رتبته في المجلس، كما كان مجلس الجيش أو مجلس الحرب من نظم الدولة المملوكية أيضا، وكان يجتمع برئاسة السلطان وأتابك (قادة) العسكر ويحضره الخليفة وقضاة المذاهب الأربعة والأمراء، وكان سلاطين المماليك يحرصون على عقد هذا المجلس للتشاور فيما بين كبار رجال الدولة من الأمراء والساسة وعلماء الدين في مسائل مصيرية، بخاصة قبل الإقدام على الحرب لجعل إعلان الحرب أمرا مشروعا أو عند سماعهم بتحرك الأعداء نحو بلادهم لاتخاذ إجراءات وقائية قوية تعوق العدو قبل أن يتمكن من الاقتراب من بلادهم.
ويذكر المؤلف أن الدولة المملوكية واجهت العديد من الأزمات الاقتصادية مما أدى إلى التدهور المالي في خزانة الدولة وحاجتها إلى الأموال. وكان الحكام يلجأون إلى اختراع طرق للاستيلاء على بعض أموال الناس وحاولوا إشراك القضاة في تقريرها حتى تكتسب صفة الشرعية، ومن هذه الطرق محاولة فرض ضرائب على الشعب بطريقة استثنائية، فضلا عن الضرائب الثابتة مما أدى إلى إرهاق الشعب بهذه الضرائب. وكانوا أيضا يلجأون إلى الاستيلاء على أموال الأوقاف أو للمصادرات، وكان مجلس المشورة له مواقف مختلفة تجاه هذه الطرق الملتوية وغير الشرعية، حيث كان يتصدى لهذه المحاولات التي كانت ترهق الشعب، ففي بعض الأوقات كان يرفض إفتاء السلطان بالاستيلاء على الأوقاف رفضا مطلقا، وكان الحكام يلتزمون بآرائهم ولا يتعرضون للأوقاف مثلما حدث عام 1387 م عندما دعا السلطان برقوق المجلس للاجتماع وحضر القضاة الأربعة والأمراء ودار النقاش حول كيفية تدبير المال اللازم لمواجهة خطر تيمورلنك بهجومه على البلاد واقترح السلطان الاستيلاء على الأوقاف وهي الأراضي الخراجية (الزراعية) وإعادتها للدولة وفك وقفها، لكن المجلس لم يوافق وبعد مناقشات ومنازعات وافق المجلس على أن يأخذ المحصول لمدة عام فقط، فالتزم برقوق ويبدو أن المجلس وافق نظرا لما يحيط الدولة من أخطار خارجية مع عدم وجود أموال في خزائنها.