الرئيسية / أبحاث / حروب التاريخ وتصحيح الرواية الثقافية

حروب التاريخ وتصحيح الرواية الثقافية

 محمد سامي الكيال
القدس العربي
17072020

تصاعدت في الفترة الأخيرة النزاعات الثقافية – السياسية حول التعامل مع الرموز التاريخية وتقييمها، أو بالأصح طريقة عرضها في الفضاء العام. فمن نزوع المحتجين في الولايات المتحدة وأوروبا لتحطيم التماثيل، التي ترمز من وجهة نظرهم للعبودية والعنصرية، وصولاً إلى القرار التركي بإعادة آيا صوفيا مسجداً، يبدو أن هنالك حساباً ثقيلاً مع التاريخ، باتت تصفيته في قلب السياسات العامة المعاصرة.
النزاع حول الرواية التاريخية والثقافية العامة، عامل أساسي في نموذج الدولة القومية الحديثة، فالعمل على تأسيس أساطير قومية متسقة، وعرضها في الفضاء العام عن طريق أوابد معينة، تشرف الدولة على تشييدها، أو إظهارها ضمن إطار معيّن، كان دائماً فعلاً تأسيسياً للسلطة القائمة، وفرض هيمنتها الأيديولوجية، وأساساً في تماسك الجماعة القومية أو الشعب. وعلى الرغم من أن النزاعات على الأوابد الدينية والأثرية لم تتوقف عبر التاريخ، إلا أن السياسة في العصر الحديث أدخلتها إلى قلب «رواياتها الكبرى»، المبنية على مفاهيم تاريخانية بامتياز، تقوم على سرد سيرة الجماعة السياسية، انطلاقاً من أصل ما، وصولاً إلى غاية كبرى يتجسد فيها معنى محدد: انتصار الجماعة وتحققها، أو حتى قدرتها على تحقيق العدل أو السعادة للبشرية بأكملها. هذا التصور الخلاصي المُعلمن، الذي نظّر كثيرون إلى انتهائه في «الحداثة المتأخرة»، يبدو أنه مازال فاعلاً ومؤثراً بشدة، ويتخذ شكلاً مادياً، في الصراع الذي نشهده اليوم على الصروح والتجسيدات المادية للرواية التاريخية.
يتخذ هذا الصراع شكلين في أيامنا: أولهما الشكل الكلاسيكي للصراع التاريخاني الديني- القومي، كما في حالة آيا صوفيا، الذي يبدو أشبه باستمرار للنزاعات التي شهدتها الدولة العثمانية في فترتها المتأخرة. وثانيهما أشد تعقيداً، في حالة إسقاط التماثيل في الدول الغربية، حيث يحاول الناشطون إجراء عملية تطهير للفضاء العام من التاريخ، الذي حُدد بوصفه مظلمة مستمرة باتجاه واحد: الرجل الأبيض استعبد كل الكائنات الأخرى، ليس فقط السود والنساء وسكان المستعمرات، بل حتى الأشجار والنباتات والحيوانات، والعالم الذي شيّده، وهو عالم تمييزي بالعمق، يجب تصحيحه باستمرار.
المنظور التاريخاني في هذه الحالة يجري بأثر رجعي، يتمّ التطهّر من خطيئة الرجل الأبيض، بوصفها العقدة الأساسية في التاريخ، مع محاولة تقديم رواية جديدة، تُبرز هذه الخطيئة بشكل واضح، فإلى أي مدى يمكن للصراعات التاريخانية المعاصرة تغيير الوقائع السياسية والاجتماعية؟ وما تأثيرها على الخطاب الثقافي عموماً؟

مفهوم الإرث الثقافي

واجهت حركة طالبان الأفغانية، عند قيامها بتدمير تماثيل بوذية، احتجاجاً عالمياً كبيراً، جاء بعضه من مؤسسات إسلامية. كان من الواضح آنذاك أن هنالك إجماعاً ضد نظرة التطرف الإسلامي للتاريخ: ما يعتبره المتطرفون كفراً يجب التطهّر منه، وعلامة على الجهل بالدين القويم، هو تراث ثقافي تعود ملكيته للبشرية بأكملها، بغض النظر عن مواقفها العقائدية والسياسية والأيديولوجية. لا يُقيّم التراث الثقافي من ناحية اتفاقه مع قيم معاصرة، ومن غير المقبول تعديله أو تحويره بشكل جذري، فالمهم هو الحفاظ عليه، كي تُترك للأجيال الجديدة إمكانية التواصل مع الماضي، والتفاعل الثقافي الإيجابي معه.

بهذا المعنى فلا يمكن التعامل مع الإرث من وجهة نظر أخلاقية، سواء كان يشير إلى ممارسات استعبادية أو جاهلة أو قمعية، فهو أثر للفعل الإنساني بكل تعقيده وتركيبه وتعدديته، خاصة أنه قابل للقراءة والتأويل من زوايا متعددة. هذه النظرة التي ترسّخت في المنظمات الدولية، وبالتحديد اليونسكو، لم تعد تملك القوة والحضور ذاتهما بفعل عاملين: السيادة وأيديولوجيا التظلّم.
في حالة آيا صوفيا تحاول الدولة التركية تقديم خطابين متعارضين، أولها موجه للخارج، يقدم عملية تحويل الصرح الأثري إلى مسجد، بوصفها عملاً سيادياً لدولة يحقّ لها إدارة كل المنشآت الموجودة في نطاق سلطتها، وتقديمها للعالم حسب روايتها الخاصة للتاريخ: مسجد «الحجية صوفيا» صرح أكثر أصالة من متحف ذي طابع متعدد دينياً، وبذلك تحدد الدولة معيار الصدق التاريخي، وتعتبره من صميم صلاحياتها السيادية.

الميل لخطاب تظلّم أحادي لا يضيّق الإطار الثقافي العام وحسب، بل يعجز أيضاً عن التعامل مع تعقيد القضايا الاجتماعية، ويغرق في صراعات ذات محصلة صفرية، لن تساهم في تغيير الأوضاع التمييزية، بقدر ترسيخها مؤسساتياً، عن طريق تصليب هويات ظالمة ومظلومة، فتصبح محاربة التمييز هي نفسها التمييز المعاصر.

الخطاب الثاني موجه للمؤيدين من الجمهور الإسلامي والقومي التركي، يُظهر الفعل بوصفه مرحلة ضمن نهوض أمة تعرّضت لاضطهاد طويل، فعودة آيا صوفيا مسجداً تحيي الأمل بعودة بقية الصروح الإسلامية المغتصبة، بأيدٍ تركية. وهذا قالب كلاسيكي لرواية قومية إحيائية، يبدو ظهورها في الشرق الأوسط حالياً جانباً من المعركة السياسية والاجتماعية بين تيار تحرري وآخر محافظ، يحاول بعث الصيغ القومية التقليدية، ذات الطابع الإسلامي. لن تعدم السلطة التركية بعض المنظرين، ممن يملكون «أدوات معرفية»، تعرّف السياسي بوصفه إنتاجاً لقضايا تحشد المؤيدين ضد عدو ما، بدون اهتمام كبير بنوعية هذه القضايا، فالسياسي ضمن التنظير الشعبوي اليميني يبدو مطلوباً لذاته، أو لضرورة حفظ الجماعة، التي تصبح فوق الجميع.
وبهذا المعنى يمكن إدارج تركيا ضمن الدول الديمقراطية غير الليبرالية، ذات الأنظمة الشعبوية، إلى جانب روسيا والمجر وبولندا. يزعزع صعود هذا النوع من الشعبويات كثيراً من المفاهيم التي ترسخت في المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ومنها إنسانية وكونية الإرث الثقافي، ولكن ليست الشعبويات وحدها من يقوم بهذا، فلأيديولوجيا التظلّم دورٌ ربما يكون أكثر أهمية.

ضخامة الروايات الصغرى

رغم أن كثيرين من النقّاد ينسبون مطالب ما يسمى «يساراً ليبرالياً» في الغرب إلى تيار ما بعد حداثي أو بعد بنيوي، إلا أن هذه المطالب تظهر سمات حداثية تقليدية أكثر مما هو متوقع، خاصة في مجال التعامل مع التاريخ.
تقوم أيديولوجيا التظلّم، وهو اسم أطلقه بعض الباحثين والكتّاب المعارضين لهذه الأيديولوجيا، على إنتاج حقول بحثية معينة (الجندر، بعد الكولونيالية، النظرية العرقية النقدية، إلخ)، تكون نتيجتها مقررة سلفاً: كل مظاهر العالم الحديث تشير بشكل مباشر إلى عملية اضطهاد منظّم للفئات الضعيفة، وبما أن هذه العملية هي دائماً أحادية ومن طرف واحد، والضحية محددة بشكل شديد الوضوح منذ البداية، فإن إنتاج أيديولوجيا التظلّم بالغ السهولة، ويمكن محاكاتها واستنساخها ببساطة، سواء بشكل جدّي أو ساخر. وعلى الرغم من أن هذا النقد متحامل بعض الشيء، ويبسّط كثيراً من الدراسات التي يسمها بـ»التظلم»، إلا أن تعامل أنصار هذه الأيديولوجيا مع التراث الإنساني يبدو متطابقاً بشدة مع ذلك الوصف الساخر.
يسعى ناشطو هذا التيار، في كثير من الأحيان، إلى طرح التاريخ ضمن رواية تعليمية محددة مؤسساتياً بشكل واضح، ولعل مثال الآثار العائدة لحقبة الكولونيالية الألمانية، في قلعة شبانداو غرب برلين، شديد الدلالة: لا يطالب منتقدو عرض هذه التماثيل بـ»رميها بالبحر»، حسب تعبيرهم، بل بعرضها ضمن إطار توضيحي، لا يسقط وقائع الاضطهاد الاستعماري، وإظهارها إلى جانب آثار من المستعمرات، تعود للحقبة قبل الكولونيالية.
مطالبة المؤسسات الرسمية بتقديم رواية جديدة، تعليمية ومصححة وثابتة للتاريخ، عودة واضحة للمفهوم التاريخاني للدولة الحديثة، التي تملك حق تأويل وتحديد مسار الحركة التاريخي. ويبدو أن ما اعتُبر لوقت طويل نضالات جزئية لفئات مهمشة، على أساس روايات صغرى، يتجمع الآن برواية أحادية شديدة الضخامة، مدعومة بسلطة مؤسساتية- أيديولوجية صلبة.

تعددية الدلالة

ربما كان أهم ما تسقطه صراعات التاريخانية المعاصرة هو الغنى الثقافي الذي يتيحه المنظور المركب للدلالات الاجتماعية والتاريخية. لسنوات طويلة عملت الحركات الثقافية، التي اعتبرت نفسها طليعية، على تنويع إمكانيات التأويل، وإنتاج صياغات مركّبة عن مختلف المسائل. لم تسع هذه الحركات إلى الإلغاء والحظر، وتقديم الروايات الثابتة، بل إلى تكثير الخطابات والتشكيلات الرمزية. فضلاً عن هذا، فإن الفعل الإنساني، الذي تعبّر عنه الرموز التاريخية، لا يمكن أن يكون قصة اضطهاد بسيطة، فالظلم والاستغلال قد يحوي، بشكل جدلي، إمكانيات تحرر وتطور، ولعل أبسط مثال على ذلك أن الرجال البيض، الذين أسسوا للثورة الدستورية الأمريكية، ساهموا بانطلاق ثورات الحداثة، بقيمها التي استلهمتها حركات الحقوق المدنية، المعادية للعنصرية والذكورية.
الميل لخطاب تظلّم أحادي لا يضيّق الإطار الثقافي العام وحسب، بل يعجز أيضاً عن التعامل مع تعقيد القضايا الاجتماعية، ويغرق في صراعات ذات محصلة صفرية، لن تساهم في تغيير الأوضاع التمييزية، بقدر ترسيخها مؤسساتياً، عن طريق تصليب هويات ظالمة ومظلومة، فتصبح محاربة التمييز هي نفسها التمييز المعاصر.
في الوقت نفسه فإن الصراع لتقديم رواية أحادية للتاريخ، سواء من جانب الشعبويين أو «محاربي العنصرية»، يعيق بالضرورة الجهد التحرري الذي يبذله آلاف ممن يتعرضون لاضطهاد فعلي، فهم سيصبحون مستلبين بشكل مضاعف: من المنظومات القائمة على التمييز من جهة، ومن التحديدات الصلبة للهويات الصحيحة، التي يجب أن ينتموا إليها، من جهة أخرى. وهي هويات قد تكون القدرة على التعامل معها بمرونة، أو التخلص منها، شرطاً أساسياً لانعتاقهم.
٭ كاتب من سوريا