حركة الوعي

خمسون عامًا مضت على قيام حركة الوعي في صيف العام 1969. إنّها حركةُ تغييرٍ وطنيّ. لم تكن لا من اليسار، ولا من اليمين، في صيغتَيهما التقليديّتَين والتاريخيّتَين المعروفتَين. ولم تكنْ وليدةَ إيديولوجيا عقائديّة وفكريّة معلّبة، كما لم تكنْ ملحقةً بإقطاعٍ سياسيٍّ، حزبيٍّ، عائليٍّ، أو مناطقيّ، ولا بدينٍ، أو بطائفةٍ، أو بمذهب. ولا تابعةً لسفارة، أو لأحد المحاور الإقليميّة والدوليّة. ولا مهجوسةً بمثالٍ أو بنموذجٍ خارجيٍّ جاهزٍ تسعى إلى إسقاطه على الواقع اللبنانيّ. بل كانت منبثقةً من الوجدان الجمعيّ لأحلام الناس، الشباب خصوصًا، وتوقهم إلى العيش ضمن دولة الحقّ والقانون والمساواة والحرّيّة والديموقراطيّة والمواطنة والأنسنة.

يشرّفني أنّها انتمائي السياسيّ الوحيد في حياتي، مذ كنتُ فردًا من أفرادها الغفيرين الذين غصّت بهم جامعات لبنان، أي مذ كنتُ طالبًا في كلّيّة التربية بالجامعة اللبنانيّة، قبل أربعة أعوامٍ من اندلاع الحرب المشؤومة في العام 1975؛ تلك الحرب التي من أهدافها الموضوعيّة، المنظورة وغير المنظورة، القضاء على كلّ حلمٍ وطنيّ – سياسيّ – مجتمعيّ – فكريّ – ثقافيّ، بترسيخ مفاهيم المجتمع المتنوّر الطليعيّ الخلاّق، الواحد في تنوّعه، تحت سقف الدولة المدنيّة العلمانيّة الديموقراطيّة المنشودة.

يهمّني، بصفتي شاهدًا متواضعًا من شهود تلك الحركة، وبصفتي الدائمة مواطنًا مؤمنًا بقوّة الحلم، أنْ أدعو مواطنيَّ، مواطنيَّ كلّهم بلا استثناء، إلى التفكّر في ماهيّة تلك الحركة الشبابيّة – الفكريّة – السياسيّة – الوطنيّة – الإنسانويّة، العابرة الطوائف والمناطق والاصطفافات الحزبيّة، الفريدة في تفكيرها وخطّها ونهجها واستقلاليّتها، ونظافة عقلها وروحها ويدها، وممارستها النزيهة النقيّة الرافضة كلّ تمويلٍ أو تبعيّةٍ أو مصادرة، إلى ذلك السهم البارق الباهر، المخترق جدران الواقع الحديديّ والإسمنتيّ الصلب، اللبنانيّ والعربيّ، بعلله وأمراضه وديكتاتوريّاته العائليّة والأمنيّة والعسكريّة والدينيّة والماليّة، والمتحرّر من غوايات الموبقات السياسيّة الصغيرة، والمتمرّد على إغراءات الانتماءات الرخيصة والسهلة، بحثًا عن سبل الخلاص الوطنيّ.

يهمّني، بصفتي شاهدًا متواضعًا من شهود تلك الحركة، وزمنها، وبصفتي الدائمة مواطنًا مؤمنًا بقوّة الحلم، أنْ أدعو مواطنيَّ، مواطنيَّ كلّهم بلا استثناء، في هذه اللحظة التاريخيّة الخطيرة من وجودنا، إلى التفكّر في حاضرهم ومستقبلهم، لا كأفرادٍ فحسب، بل كجماعةٍ تعتريها أمراضٌ مريعة من الوهن الإنسانيّ والوطنيّ، والزبائنيّة والفساد والمحسوبيّة والوصوليّة والانتهازيّة والتأجّج الطائفيّ والمذهبيّ والمناطقيّ والتخلّف الفكريّ والثقافيّ، وسوى ذلك ممّا يجعلهم هباءً عبثيًّا منثورًا، موظَّفًا ضدّ وجودهم، وضدّ مصالحهم الحيويّة والجوهريّة، وضدّ ديمومة وطنهم، وممّا يحول دون قيام مؤسّسة الدولة، الوحيدة القادرة على تجسيد مواطنيّتهم، وصون حقوقهم وكراماتهم، واحتضان طموحاتهم، وضمان مستقبلهم.

حركة الوعي، بعد خمسين عامًا على قيامها، قد يكون واجب الوجود، الآن، وهنا، استحضار “وثائقها الأساسيّة”، واستخلاص روح تجربتها الاستثنائيّة، من أجل تحقيق الخلاص الوطنيّ.

¶ يوقّع أنطوان الدويهي كتابه “حركة الوعي” عن “الدار العربيّة للعلوم ناشرون” و”دار المراد”، السبت 14 أيلول، من الخامسة بعد الظهر، مبنى الكبرى الأثريّ، الطابق العلويّ، إهدن.

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*