الرئيسية / home slide / حرب تموز 2006: أبو الغيط يروي أسرارها وكأنها للمرة الأولى (1)

حرب تموز 2006: أبو الغيط يروي أسرارها وكأنها للمرة الأولى (1)

05-07-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

أحمد عياش

أحمد عياش

دمار الضاحية في حرب تموز 2006 (أرشيفية، “أ ف ب”).

الأربعاء الماضي دخلنا الى عالم الاسرار تحت عنوان “أبو الغيط في شهادة فريدة: السوريون تنصّلوا من اغتيال الحريري”. كان ذلك غيضاً من فيض ما خطّه الأمين العام لجامعة الدول العربية احمد أبو الغيط في كتابه “شهادتي” وضمّنه كل ما لديه حول السياسة الخارجية المصرية 2004-2011، أي الفترة التي أمضاها وزيراً لخارجية بلاده. كانت حصة لبنان وافرة في الكتاب الذي فيه الكثير عن #حرب تموز عام 2006 والتي تتصاعد روائحها مجددا سنة 2022، مع اقتراب ذكراها السنوية، وسط مشهد مسيّرات “حزب الله” الأخيرة وتهديدات إسرائيل. وتنشر “النهار” في ما يأتي ما كتبه أبو الغيط عن بداية هذه الحرب قبل 16 عاما: “كنا نضع تحت المتابعة اللصيقة، علاقات إيران بكل من منظمة حماس على المسرح الفلسطيني، وبخاصة في غزة، وتنظيم حزب الله اللبناني ذي الصلات الوثيقة بالايرانيين والسوريين. كنت اشارك في اجتماع مجلس الوزراء المصري يوم 12 تموز، وإذ بوزير الاعلام يطلعني على رسالة وصلت اليه على تليفونه المحمول، بأن إسرائيل أعلنت عن وقوع عملية عسكرية ضد قواتها داخل الأراضي الإسرائيلية، أدت الى مصرع البعض وفقدان البعض الآخر، وأنها تتهم عناصر من حزب الله بالقيام بعملية الهجوم ضد هذه الدورية الإسرائيلية. ولم تمرّ دقيقة أو اثنتان، وأتلقى من مكتبي رسالة تحوي المعلومات نفسها. ثم تتصل السفيرة مساعدة وزير الخارجية لشؤون مكتبي لنناقش عواقب هذه العملية، وطلبت إليها تشكيل مجموعة عمل فورية للبحث في الموقف وكيفية معالجته ومنع تفجّره بشكل يؤدي الى الاضرار بمصالحنا. ولم أنتهِ من الحديث التليفوني إلا ويأتي احد موظفي مجلس الوزراء قائلا إن الرئاسة تقول ان الرئيس (حسني مبارك) يرغب في التحدث معك. وأذهب الى مكتب رئيس الوزراء لكي أستخدم التليفون المؤمَّن مع الرئاسة. ويقول الرئيس: “شفت ما حصل، الموقف سيتكهرب، وستقوم إسرائيل بالضرب بقوة، وأخشى أن تتأثر سوريا من تصرفات إسرائيل الموتورة”. وأعبّر عن اتفاقي معه. ويقول، وبمبادرة منه، أريدك أن تسافر فورا الى دمشق للقاء الرئيس بشار وتتحدث معه وتحذّره من الوقوع في فخ تنصبه له إسرائيل، ولم يكثر من حديثه معي. وطلبت وليد المعلم (وزير الخارجية السوري) على تليفونه المحمول، طالبا زيارة سوريا الان، ووعد بأن يعود للاتصال بي بعد دقائق. وعاد وقال: “الرئيس (الأسد) سيستقبلك فور الوصول”. وأجبت: “ساغادر القاهرة بعد اقل من 30 دقيقة”. كنت تحدثت مع وزير الدفاع المصري الذي كان يشارك في اجتماع مجلس الوزراء، وطلبت طائرة للمغادرة فورا، مشيرا الى ان الفاتورة ستدفعها رئاسة الجمهورية، حيث إنها تعليمات الرئيس وليس بمبادرة من وزير الخارجية.

واستقبلني الرئيس السوري فور الوصول حوالى الساعة الثانية بعد الظهر، وأبلغته تحيات الرئيس، وأنه لم يرغب في التحدث معه تليفونيا، حتى لا يتيح لأي طرف التلصّص والاستماع الى التشاور المصري – السوري. وذكرت ان الرئيس يشعر بالقلق العميق من جراء هذه العملية التي اعترف حزب الله بقيامه بها للحصول على أسرى يبادلهم بمجاهدين لبنانيين من أعضاء الحزب، وأننا نخشى أن رد الفعل الإسرائيلي سيكون حادا، بحسب متابعتنا لتصرفاتهم على مدى عقود. وأضفت أنني أستشعر شخصيا أن رئيس الوزراء الحالي (أولمرت)، ووزير دفاعه (بيريتس)، عليهما شكوك كثيرة تناولتها الصحف والاعلام الإسرائيلي، بأنه لا خبرة لهما معا في الشؤون العسكرية، ما يفرض استبدال احدهما، وانهما بالتالي خاضعان لضغوط قوية. من هنا، فإن أكثر ما أخشاه، هو أن يبالغا في ردود فعلهما العسكرية لدرء التهمة عنهما. وأضفت اننا نخشى أن تُسحب سوريا لمواجهة مع إسرائيل، واننا نتصور أن تقوم سوريا، وبسرعة للتدخل في حثّ حزب الله على إظهار ضبط النفس، وأن تعلن دمشق أنها ستسعى للافراج عن الجنديين المفقودين اللذين أعلنت إسرائيل إسميهما.

وضح اهتمام الرئيس الأسد بوجهات النظر التي نقلتها اليه. بل، وأقول إنه بدا عليه القلق والخشية من احتمال تطور المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، ونصحت بالتالي أن تتبنى سوريا خطّا إعلاميا هادئا وبعيدا عن التشدد، ووعد بذلك وأنهم سيتصلون بحسن نصرالله الذي من المؤكد أنه اختفى الان، وسيحتاجون معه الى بعض الوقت لتحقيق الاتصال به، ويبلغونه بضرورة التهدئة وضبط النفس. وعقّبت بقولي إننا سنتصل بالاسرائيليين لضبط رد فعلهم، كما سأتصل بسكرتير عام الأمم المتحدة لكي يضع ثقله الى جانب عدم التصعيد، وأخيرا سأتحدث مع كوندوليزا رايس (وزيرة الخارجية الأميركية) لكي تتدخل الولايات المتحدة للسيطرة على التصرفات الإسرائيلية. وغادرت مقر الرئيس (الأسد)، وقال وليد المعلم إنه يرغب في دعوتي للغداء في احد المطاعم السورية الفاخرة، لكن صممت على المغادرة الفورية لكي نقوم بتنفيذ ما اتفقنا عليه. وأخذت أفكر في ما دار مع الرئيس السوري، إذ ظهر وكأن الامر جاء له هو الآخر بمثابة مفاجأة غير مريحة. كما أن جملة قصيرة باح بها وليد المعلم أمام الرئيس السوري قبل مغادرتي المكتب، دفعتني للمزيد من التفكير. إذ قال المعلم إنه لا يستبعد ان يكون لإيران يد في هذا الهجوم. وأخذ هذا القول يلحّ على تقييمي للموقف، إذ انه ليس من المستبعد أن تكون إيران قد دفعت بالحزب لمثل هذه العملية باعتبارها تمثل رسالة لإسرائيل بعدم التعرّض لإيران، وإلا فإن حزب الله موجود وسيُستخدم ضد الأراضي الإسرائيلية، كما أنها تعتبر رسالة للاميركيين والقوى الغربية التي تسعى لتضييق الخناق على إيران في ملفها النووي، وأن طهران تستطيع أن تستخدم كروتاً (أوراقاً) للرد. ووصلت الى القاهرة في المساء لكي أبلغ الرئيس (مبارك) بما دار، واعتقادي أن سوريا لم تكن على إطلاع بما هو قادم، وإنني سأتصل بالاسرائيليين والأميركيين والأمم المتحدة.

قمت فورا، بالاتصال بوزيرة خارجية إسرائيل (تسيبي ليفني) التي قيل لمكتبي إنها في اجتماع مع رئيس الحكومة (أولمرت)، وتتصل بنا فور انتهائه. وأجريت حديثا مطولا مع سكرتير عام الأمم المتحدة الذي كانت لديه خشية حقيقية من تدهور الموقف، ووعد بأن يتحدث الى الإسرائيليين وأعضاء مجلس الامن من دائمي العضوية. ثم انتقلت للاتصال بوزيرة خارجية الولايات المتحدة، لكن جاءني على خط الربط بين منزلي ووزارة الخارجية إتصال من سكرتيرتي تقول إن تسيبي ليفني على الخط التليفوني. تحدثت معها بنتائج زيارتي لدمشق والهدف منها، واننا نبتغي السيطرة على الموقف وعدم تفجّره، وان السوريين سيسعون للمساعدة مع حزب الله. وترد ليفني بقولها إنهم لا يستطيعون السكوت عن هذا الاستفزاز الذي يثقون بأن وراءه إيران وربما سوريا أيضا. وأكدتُ لها ان السوريين ليس لهم دخل بالامر. وتضيف: “لقد سبق السيف العذل، وستتحرّك إسرائيل عسكريا هذه الليلة ضد حزب الله بضربات موجعة”. وأبلغت الرئيس والمشير وزير الدفاع واللواء عمر سليمان بما يجري، وأن نعدّ أنفسنا لتدهور الموقف.

ثم تابعت الاتصال مع رايس التي ظهر أنها متفهمة لرد الفعل الإسرائيلي، ولا ترغب في وقفه بشكل من الاشكال.

والى حلقة قادمة من “شهادتي” لأحمد أبو الغيط وتطورات حرب تموز 2006.

ahmad.ayash@annahar.com.lb