الرئيسية / أخبار الاقتصاد / حرب السلطة والمصارف: حكمان يتساقطان

حرب السلطة والمصارف: حكمان يتساقطان

عبادة اللدن
https://www.asasmedia.com/
أساس ميديا
08032020

لدى رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل معركة صغيرة للسيطرة على حاكمية مصرف لبنان. لكن في لبنان معركة كبيرة لرسم توازنات جديدة في الاقتصاد وتوزيع الثروة. وليس واضحا أي موقع يختار رئيس الجمهورية ميشال في الحرب على المصارف.

بدأ الأمر برفع شعار “يسقط حكم المصرف” وتوجيه التظاهرات إلى مصرف لبنان منذ تشرين الأول الماضي، ولن ينتهي بقرار المدعي العام المالي القاضي علي إبراهيم وضع إشارة “منع تصرف” على أصول عشرين بنكاً.

مرّت ساعات على قرار القاضي إبراهيم، تدخل بعدها الرئيس حسان دياب  ليجد مخرجا لسحب القرار أو تجميده. وسرعان ما اتخذ المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات قراراً مسبَّباً بتجميد قرار المدعي العام المالي.

قيل إن التحرك الرئاسي جاء بعد أن اتضحت فداحة أثره على تعاملات لبنان مع البنوك الدولية المراسلة، لكن السياق السياسي يفتح الباب أمام افتراضات أخرى.

في المشهد الراهن ما يمكن قراءته رغبة بالانتقام الممنهج من العقوبات الأميركية على “حزب الله”، أو هو استغلال للحظة ضعف البنوك في وجه طوابير المودعين المتذمّرين من حبس أموالهم لإرساء توازنات جديدة في خريطة توزيع الثروة والنفوذ.

غير أن المشهد ينحو إلى شيء من السوريالية: سلطة سياسية، أو بعضها، تضع البنوك في موقع الاتهام، لأنها استفادت من جبل الديون الحكومية البالغ تسعين مليار دولار. وهي نفسها السلطة التي استحوذت على قرار إنفاق تلك المليارات على مدى ثلاثين عاماً، بكل ما فيه من هدر وفساد وسوء تقدير للأولويات.

في الشعارات المرفوعة ضد البنوك، هناك من يغفل الصورة الكاملة لتركيبة النموذج التمويلي للسلطة: اللبنانيون، مقيمين ومغتربين، يودعون أموالهم في البنوك، والبنوك توظف معظم تلك الأموال في سندات الخزينة أو لدى مصرف لبنان، لتمويل السلطة.

حقّق النموذج ربحاً من حساب الدولة المفتوح لأطرافه الثلاثة: المواطنين والسلطة والبنوك. وكلما كانت حاجات السلطة للدولارات تزداد، كانت تضطر لرفع الفوائد ودفع المزيد للبنوك وأصحاب الودائع. وبلغت الذروة في الهندسات المالية التي حققت للمصارف ومودعيها أرباحاً جنونية.

جوهر النموذج إذاً هو حاجة الدولة إلى تمويل إنفاقها المتضخم. ولأنه إنفاق متضخم لا بد أن تكون الفوائد مرتفعة. غير أنه لا يجوز أن تضيع في النقاش حقيقة أن الفوائد الباهظة التي دفعتها الدولة ذهبت بمعظمها إلى المواطنين الذين أودعوا أموالهم لدى البنوك، فيما تأخذ البنوك صافي هامش الفائدة، أي الفارق بين فائدة الودائع وفائدة الإقراض للدولة وسواها. ومن هذا الهامش تنفق البنوك على مصاريفها التشغيلية، وتسجل الأرباح.

في حمأة الصراع بين السلطة والبنوك، يُختزل النقاش في نموذج تمويل السلطة وفسادها بشق واحد هو صافي هامش الفائدة الذي تأخذه البنوك، وبالهندسات المالية التي شابها ما شابها. يُغفل النقاش أن أساس النموذج هو السلطة وقرارات الاقتراض التي تتخذها. وخلف قرار الاقتراض منظومة من الإنفاق الفوضوي، يشمل في ما يشمل جيشاً من الموظفين المدنيين والعسكريين، الذين يشكّل بعضهم ركيزة بنية الولاء لأحزاب السلطة.

بين حكم السلطة وحكم المصارف، يغفل الصراع بين حكمين يتساقطان أن كلاً منهما ضرورة للآخر

في لحظة استنفاد النموذج نفسه، تنقلب السلطة على البنوك التي كانت وسيط انتقال التمويل من مدخرات المواطنين إليها، بمعاونة مصرف لبنان. ففي لحظة غضب الناس يُهيّأ للسلطة أن لا بد لأحد الغريمين أن يُسقِط الآخر. وفي طوابير الناس على أبواب المصارف ما يعين السلطة على توجيه غضب الناس لإسقاط ما يسمى “حكم المصرف”، على افتراض أن السلطة كانت مسلوبة الإرادة حين اقترضت. وتضيع هنا حقيقة أن عجز البنوك عن أداء الودائع ليس إلا نتيجة عجز السلطة عن سداد ديون الدولة.

بين حكم السلطة وحكم المصارف، يغفل الصراع بين حكمين يتساقطان أن كلاً منهما ضرورة للآخر. قد يكون تدخل الرئيس دياب لتجميد قرار القاضي إبراهيم إدراكاً دفيناً لذلك. لا يمكن للسلطة أن تعود إلى انتظام حكمها من دون أن يعود الانتظام إلى آلة تمويلها. لا سبيل لإعادة هيكلة الدين بلا تفاوضٍ مع المصارف، ولا حياة للبنوك من دون حل معضلة الدين الحكومي.

يسقط حكما السلطة والمصرف معا، أو يعيشان معاً.

اضف رد