حرب “الجنوب” تُعطي الشرعيّة والحوثيّين فرصاً للتوسُّع!

في أقلّ من أسبوعين شهدت دولة اليمن طرد قوّات رئيسها الشرعي عبد ربّه منصور هادي من العاصمة الموقّتة عدن على يد مجموعة جنوبيّة انفصاليّة ثمّ عودة سريعة وغير متوقّعة للقوّات الشرعيّة إليها. واعتبر مُحلِّلون وباحثون أميركيّون جديّون أن على صانعي السياسة في المنطقة استخلاص العبر والدروس، وذلك من أجل معرفة القوّة الحقيقيّة والعسكريّة لهادي، ودور كلّ من المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة في الصراع الناشب، وأخطاء استعادة “تنظيم القاعدة” عافيته في اليمن.

بدأ عدد من هؤلاء درس الوضع اليمني بكلِّ تشعّباته القبليّة والعشائريّة والمذهبيّة والسياسيّة والإقليميّة والدوليّة في محاولة للتوصُّل إلى وصف دقيق لحاله الراهنة ولمستقبله يمكن أن يستفيد منها صُنّاع السياسة في بلادهم. وتوصّلوا في النهاية إلى اقتناع بأنّ في اليمن “دزّينات” من الفصائل المُسلّحة ذات الأجندات السريّة أو المخفيّة أو غير المُعلنة، لكن الأطراف الأساسيّين المُسلّحين على مستوى الوطن ثلاثة: حكومة الحوثيّين في صنعاء التي تُسيطر على شمال اليمن ووسطه، وحكومة هادي في عدن المدعومة من الأمم المتّحدة بقرار مجلس الأمن الرقم 2216 التي ينتشر أعضاؤها والعاملون معها في مدن عدّة وفي العاصمة السعوديّة الرياض أيضاً، والانفصاليّون الجنوبيّون ويتجمّع أكثرهم تحت راية المجلس الانتقالي الجنوبي. علماً أنّ فصائل قبليّة أخرى في الجنوب والشرق تتعاون معهم، وكانت شاركت سابقاً في القتال ضدّ الحوثيّين. كما توصّل هؤلاء إلى نوع من “خريطة” للتطوّرات العسكريّة التي بدأت بين 7 و10 شهر آب الماضي باستيلاء الانفصاليّين على عدن بعد تشتيت قوّات هادي الرئاسيّة. وفي الـ 20 منه تحرّكوا في اتجاه أبْيَن وشبوة. وبين 22 و25 منه أيضاً نفّذ هادي هجوماً مضاداً بقوّاته التي أظهرت قوّة وتماسكاً بعد تلقيها ضمانات سعوديّة بالتأييد والدعم، وحقّق انتصاراً بفضل وحدات جديدة قويّة من جيش الشرعيّة وقوّات تابعة لميليشيات إسلاميّة موالية للسعوديّة. ولم يكتفِ عسكر هادي بذلك بل خاض معركة ملاحقة هؤلاء. طبعاً ادّعت قوّات هادي أنّ طيران الإمارات الحربي تدخَّل ضدّها.

ما هي الدروس أو العِبَر التي يجب أن تأخذها الإدارة الأميركيّة وغيرها في واشنطن من حرب التقلّبات العسكريّة المشروحة أعلاه؟

الدرس الأوّل، استناداً إلى المُحلِّلين والباحثين الأميركيّين أنفسهم، هو القدرة على تغيير ميزان القوى العسكريّة في سرعة. فعدد الانفصاليّين وحلفائهم كان أكبر من عدد القوّات الشرعيّة لكنّهم انهاروا في سرعة بعد انتصارهم الأوّل، كما بعد سحب الإمارات دعمها المحلّي لهم في 21 آب ووقفها إمدادهم بالذخائر. يُضاف إلى ذلك الضغط السياسي الذي مارسته أبو ظبي عليهم. أمّا الشرعيّون فربحوا المعارك التالية لأنّهم صمدوا، ولأنّ الانفصاليّين تركوهم أحراراً في بعض المدن بعد إلحاق الهزيمة بهم في البداية، وأيضاً لأنّ السعوديّة دعمتهم بقوّة بالسياسة والسلاح والميليشيات والآليّات الثقيلة. والدرس الثاني هو إمكان تغيُّر الميزان العسكري في سرعة. والدرس الثالث هو المرونة التي تمتّع بها عسكر الرئيس الشرعي هادي.

طبعاً لم تنتهِ الأزمة في جنوب اليمن بعد، وعلى صُنّاع السياسة في أميركا أن يبقوا مُتيقّظين لأي تطوّرات بل “انتقالات” في الصراع وخصوصاً الآتية منها:

1 – توسيع الفرص للرئيس هادي وللحوثيّين في الوقت نفسه أو توفيرها. فهادي يمكن أن يعتبر أن ما حصل حتّى الآن يسمح له بمحاولة مدّ سيطرته جنوباً وتحديداً في اتجاه حضرموت الغنيّة بالنفط. والحوثيّون قد يرون هشاشة في بنية الميليشيات التي أسّستها الإمارات وتالياً قد يُقرِّرون الانطلاق جنوباً في اتجاه مضيق باب المندب. وقد يُحمِّسهم على ذلك الإيرانيّون حلفاؤهم ومن يعمل معهم مباشرة من اليمنيّين. وعلى أميركا انطلاقاً من ذلك وقف الاستيلاء المتبادل على الأراضي، والإفادة من المفاوضات معهم لإبلاغهم أن مغامرة كهذه ستزيد من تدخّلها الديبلوماسي والاستخباري ودعمها غير العسكري طبعاً للحكومة الشرعيّة.

2 – ممارسة السعوديّة دوراً أكثر قوّة ووضوحاً، وبدا من الأحداث المذكورة أعلاه أن وليّ عهدها ضمن مساعدة الإمارات لإنهاء أي انتفاضة ضدّ هادي وشرعيّته، فالرياض تحرّكت بحزم ووفّرت لقوّاته الدعم السياسي والمال وذخائر الأسلحة الصغيرة والنقل الجوّي رغم إبقائها عدد قوّاتها في المنطقة على حاله أي مئات قليلة. وما تحتاج إليه واشنطن هو اعترافها بأنّ الرياض هي الآن عنوان الائتلافات التي تؤثّر في جنوب اليمن.

3 – ازدياد قوّة معسكر الشرعيّة والرئيس هادي. طبعاً لا يتوقّع أحد استعادته صنعاء قريباً لكنّه حافظ على دعم سعودي وأدخل قوّاته إلى عدن وأمسك بـ”كوريدور” الطاقة بين مأرب وشبوة ومَركَزَ قوّاته على نحو يمكّنها من التوسُّع في الجنوب عند اتخاذ قرار بذلك. علماً أن الزيادة المذكورة أعطت قوّاتها العسكريّة المرونة اللازمة وقد أظهرت ذلك بدفاعها كما بهجومها الشهر الماضي. وأسباب ذلك عوامل أربعة: الدعم المتين سياسيّاً وماليّاً، القيادة العسكريّة القديرة التي وفّرها عسكريّون محترفون من أبرزهم علي محسن الأحمر، إشراك ميليشيات إسلاميّة مموّلة سعوديّاً في الهجوم المضاد جيء بها من “اصلاح” مأرب، الوصول إلى أسلحة ثقيلة مثل الدبابات والمدفعيّة غير المُتوافرة عند انفصاليّي الجنوب بكثرة.

ما هي مضاعفات الحرب؟

فرص توسُّع أمام الشرعيّة والحوثيّين في الوقت نفسه، وتعاظم دور السعوديّة، وتقوية معسكر الرئيس هادي، وحصول “تنظيم القاعدة” على مجال للتنفّس أو فسحة تنفُّس لم تكن متوافرة. ولمواجهة سلبيّات ذلك وحسناته لا بُدّ من حوار مستمرّ وتعاون وثيق بين أميركا والأمم المتّحدة والسعوديّة، وأيضاً مع الإمارات التي يؤدي إخراجها من الجنوب أو إقصاؤها منه إلى خسارة الجميع باستثناء الحوثيّين وإيران.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*