“حرب الجبل”…. وقصص العودة: 30 عاماً لم يسرقوا مني جذوري

يوم الزفاف في منزل العودة

نيسان 1975. هل هو تاريح اندلاع #الحرب_اللبنانية ام انه واحد من التواريخ الدامية اللاحقة التي اعقبت شرارة الحرب.

ليس الحديث عن الذكرى الـ44 لاندلاع الحرب اللبنانية، هي ذكرى عابرة في الزمن او الشكل، هي تحفر عميقا جدا، واحيانا تنزف. كيف لا، وهذه التجارب المماثلة هي التي تترك اثارا وندوبا وارتدادات: من شهداء، الى ضحايا، الى جرحى، وصولا الى مهجرين ومفقودين ومعتقلين….

كل ذلك، هي مفردات من لغة الحرب. وكلّها مقاييس، نادرا، ما تحمل مفاعيل ايجابية اذا نظرنا اليها بشكل هامشي وسطحي.

ايضا الحرب تعلّمنا… وايضا الحرب قد تولّد عندنا تجارب، ليست دائما سوداوية…. لانه حين تفقد الشيء، تعرف قيمته اكثر. حين تنتزع من جذورك، تصبح اكثر تعلّقا بها. وهذا ما حدث معي. ربما لست من محبذّي الحديث عن تجاربي الذاتية، ولكن حين تكون تلك التجارب واقعا قد يعمم على اخرين، يصبح الحديث مبررا، وان كان الصمت احيانا هو الاكثر صدقا.

لست من هواة جلد الذات، وفي لبنان، اكثر ما نحتاج اليه، لاسيما نحن جيل الشباب، هو بصيص من نور خافت، وسط الانهيارات المتلاحقة…. ولعلّ ابلغ انهيار واعمقه هو هذا الانهيار الاخلاقي – المجتمعي الذي يجعل كل شيء من حولك يتداعى دفعة واحدة، كأحجار حائط مشقوق… عندها لا تعد السياسة سياسة، ولا الاعلام اعلام ولا الاخلاق اخلاق…

في المقابل، تبقى موجات من الصمود او الرفض، كأنها حالات استثنائية لا يواكبها المجتمع، ولا ترقى اصلا من حالة افراد الى حالة مجتمع، لكنها تبقى حالات موجودة، ولا يمكن لاحد الغاءها او انكارها.

البيت القرميدي

لست من الذين عايشوا الحرب اللبنانية، ولا حرب الجبل. في عام 1982، قصدت عائلتي بيروت، وانا كنت بعمر السنتين. كانت المعارك اشتدت في الشحار الغربي… لم اعرف ضيعتي دقون (عاليه- الشحار الغربي). كنت صغيرة لدرجة لم تحفظ ذاكرتي اي صورة او مشهد او قصة… كبرت في بيروت، من دون ان اشعر يوما انني من المدينة، او بالاحرى، هكذا ترّبيت. وبسبب التهجير، لم تكن عائلتي تملك صورا كثيرة عن بيتنا وحتى عن طفولتنا. هنا، في بيروت كبرت…. وهنا، بدأت أرسم بيت الضيعة على ورقة وألوّنه… أخذت معي هذه الورقة اعواما…. حتى رأيت امام اعيني ذاك البيت القرميدي الأحمر.

كان ذلك في بداية الالفين… يومها، لم يكن ملف المصالحة قد انجز… انما أردت ان اصعد الى قريتي… على الطريق، لا حواجز… وفي قلب دقون، كان الكثير من الدمار والهشيم يلّف كل شيء. وعلى الرغم من ذلك، دخلت بيتنا وفيه عائلة اخرى. رحبت بنا. هي الاخرى، كانت تنتظر ان تعود الى قريتها الاصلية. لا تزال تلك اللحظة محفورة في داخلي. يومها، اذكر ما سمعته جيدا من العائلة: ” نريد ان نذهب الى بيتنا، الى قريتنا، ننتظر اموال الاخلاءات…”.

انا… لم اتكلّم، لكن في قرارة نفسي، لم تكن سوى جملة واحدة أشعر بها …. ” وانا ايضا، اريد ان اسكن في منزلنا…”.

لم اشعر سوى بحرقة كبيرة تقطع نفسي. لم احقد، حتى انني لم اوجه اي كلمة تجاه العائلة، لا بل دفعني القدر الى شكرهم لانهم سمحوا لي بالدخول… الى بيتنا…

لم يكن ثمة حقد بل كانت هناك حرقة كبيرة تضغط على صدري. حرقة وغضب وألم. بدا كل شيء حولي صغيرا، على الرغم من كبر المساحات. هذه هي الحرب… يصنعها الكبار ويدفع أثمانها الصغار… يعتقدونهم صغارا، لكنهم يصبحون كبارا بتلك الارادة والتصميم والتنفيذ…

اذكر انني قرأت عن “حرب الجبل”، وقرأت ايضا كتبا حزبية، ليست بموضوعية، تصوّر البعض الضحية، لكني فهمت اننا في الحرب “كلنا ضحايا…”، وليس صحيحا ان فئة ربحت ولم تخسر بيتها ورزقها … واحباءها…

اعترف ان لتربيتي فضلا كبيرا، لا شيء يأتي من عبث. حين بدأت في مهنة الصحافة، كان اول تحقيق صحافي اجريته عام 2002 مخصصا عن المهجرين… في البيت، كما في جريدة “النهار” لم احقد ولم اتكلّم لغة مسيحي – درزي، كنت اقول “مقيم وعائد”… وكنت من بين العائدين الذين وضعوا على لائحة الانتظار.

دقون

لم أملك سوى الانتظار…

اعواما، وأنا انتظر ان اسكن البيت، والعائلة الاخرى تنتظر ان تخرج منه…. هي لعبة الانتظار القاتل… اخذ معي هذا ” الحلم” اكثر من 20 عاما… لا بل 30 عاما…

خرجت من البيت في الـ1982 وأنا طفلة، وعدت اليه في الـ2012 لاقيم حفل زفافي فيه…

كان هذا خيارا شخصيا – ذاتيا… اما الذين لم يعودوا بعد ليسكنوا بشكل دائم في الجبل فقد يملكون ايضا خيارا ذاتيا مخالفا، لان المصالحة الوحيدة التي لم تنجز بعد “على الورقة والقلم” هي مصالحة كفرسلوان… ربما هو ليس الخوف الذي يمنعهم، بل عدم التصالح مع الماضي عند البعض او ايمانا بنغمة انعدام مقوّمات العيش في الجبل. هذه النغمة الخاطئة، لان كل لبنان يحتاج الى انماء، والا كيف نبرّر لانفسنا الحديث عن ازمة كهرباء ونحن على ابواب سنة 2020؟!. وللمناسبة، فان الكهرباء في دقون مؤمنة 24 / 24 منذ اقفال مطمر الناعمة.

صحيح ان لبعض غير العائدين اسبابهم، فلا نحاول ان نرمي الموضوع عند الطرف الاخر. هؤلاء اتخذوا قرارهم ، او عدم ارادتهم وايمانهم بفكرة العودة اساسا، او لاسباب اخرى، انما ليس الطرف الاخر هو من يمنعهم. وفي كل الاحوال، ليس الحديث عن الخوف هو علاج هؤلاء، لاسيما اذا اتى من مسؤول.

منذ الـ2012 وانا اقيم وزوجي في دقون. لم اغيّر مهنتي. لم ابدّل حياتي. في البدء، قالوا لي “ستبقين بضعة اشهر، وتغادرين”… وبقيت… حين رزقنا بابني غدي، قالوا لي “حين سيدخل المدرسة، ستغادرين”… وبقيت…. مرّت الاعوام السبعة، وانا في دقون، لا لانني اريد ان اثبّت اي شيء لاي كان، بل لاني اريد ان اعيش حلمي…

اليوم، بات غدي يدرك انه يسكن في بيت منفرد… في بيت قرميدي… في دقون… يتعلّم في مدرسة كرمل القديس يوسف في المشرف، وسط محيط تعدّدي رائع…

لا احد سيسرق مني هذه التجربة. لقد كرّستها فعلا يوميا – اراديا… لان لا احد سيشعر بما شعرت به وانا أشرب نبيذ عرسي في كأس جدّي الخوري الماروني، في قلب قريتي دقون، على مقربة أمتار من قرية بعورته.. يوم كلّلنا الاب الارثوذكسي الراحل جورج مسّوح… كل ذلك لن يفهمه سوى من عاش التهجير ومرارته، ومن ترّبى على مبادىء الجبل، ومن بقي متجذرا بجذور لا يمكن لاحد ان ينتشلها منك….

اليوم، بات لغدي اكثر من قصة رائعة يمكن ان ارويها له…. لاعوام واعوام…

manal.chaaya@annahar.com.lb

Twitter:@Mchaaya

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*