الرئيسية / مقالات / حرب إسرائيل على إيران في لبنان وسوريا

حرب إسرائيل على إيران في لبنان وسوريا

في إسرائيل لا يحصل الكثير هذه الأيّام لأن شعبها ينتظر ولادة قيصريّة لحكومة بعد تعذُّر حصول “ليكود” نتنياهو وحلفائه و”كحول لفان” بني غانتز وحلفائه على غالبيّة نيابيّة واضحة في انتخابَيْن عامّيْن فصلت بينهما بضعة أشهر. فالأوّل كلّفه رئيس الجمهوريّة فور انتهاء الانتخابات الأولى والثانية تأليفها لكنّه فشل في المدّة المُحدّدة كما بعد تمديدها. فآثر الذهاب إلى انتخابات عامّة ثانية. أمّا الثاني فقد أسند إليه رئيس الجمهوريّة مهمّة التأليف بعد فشل نتنياهو في ذلك بعد الانتخابات الثانية. ولم يبدُ حتّى الآن وهو في نهاية المهلة الرسميّة التي يُحدِّدها له القانون أنّه نجح حيث فشل غريمه أو منافسه. ويُستبعد أن ينجح في مهمّته خلال المهلة الإضافيّة القانونيّة لأنّه لا يمتلك مع حلفائه اليهود في الكنيست الغالبيّة فيه، ولأنّ امتلاكها يفرض عليه إلى التحالف مع شركائه التعاون مع الإسرائيليّين العرب أي الفلسطينيّين من النوّاب. وهذا أمر لا يتجرّأ بني غانتز على الإقدام عليه لرفض حلفائه في الكتل النيابيّة الصغيرة ذلك، ولرفض نوّاب أفيغدور ليبرمان الثمانية ذلك، الأمر الذي يجعله عاجزاً عن تأليف الحكومة. ومن شأن ذلك فتح الباب أمام خطوة من اثنتين: الأولى الذهاب إلى انتخابات عامّة مرّة ثالثة رغم استهجان الشارع الإسرائيلي ذلك ورفضه إيّاه، ورغم أنّ أحداً من الفريقين المنافسين على الحكومة لا يضمن عدم تكرار النتائج غير الحاسمة مرّة ثالثة. كما لا يضمن عدم معاقبة الناخبين الإسرائيليّين زعيميهما نتنياهو وبني غانتز على تصلّبهما وتمسّكهما بمواقفهما. أمّا الخطوة الثانية فهي عودة الاثنين إلى خيار حكومة الوحدة الوطنيّة التي أختلفا عليها لأسباب عدّة معظمها شخصي وغير عام.

في كلّ الأحوال يعتقد المُتابع الأميركي الجدّي جدّاً نفسه أن “عصر” نتنياهو قد انتهى، وأن يمين الوسط بلا قيادة وتحديداً ليس عنده صاحب “قامة” سياسيّة مُهمّة بالمقارنة مع بني غانتز والقادة العسكريّين الذين تشاركوا معه في تأليف حزبهم “كحول لفان”. إلى ذلك لا بُدّ من أخذ جولة العنف الأخيرة بين إسرائيل والفلسطينيّين في قطاع غزّة في الاعتبار رغم أنّها ليست رئيسيّة وكبيرة في حجمها. فهي حصلت بعد استهداف إسرائيل قائداً في “الجهاد الإسلامي” وليس في “حركة حماس”، وهي انتهت أو تكاد تنتهي جرّاء بعض الذيول المُستمرّة. علماً أنّ ذلك هو عقاب تُنفِّذه إسرائيل من زمان للّذين كان لهم دور أساسي في قتل إسرائيليّين يهود وأحياناً يهود غير إسرائيليّين.

ما هي خيارات إسرائيل في ظلّ التطوّرات الأخيرة في المنطقة والمستمرّ منها؟

يُجيب المُتابع نفسه بالقول أوّلاً أنّ الحرب بين أميركا وإيران لم تقع وليس مُحتملاً أن تقع بسبب تردُّد دونالد ترامب في دخول مغامرة عسكريّة مباشرة معها. وبالقول ثانياً أنّ الإيرانيّين نجحوا حتّى الآن في “البقاء” (Survive) رغم العقوبات الشديدة القساوة المفروضة عليهم. ولا يبدو أنّهم يريدون الجلوس على طاولة المفاوضات مع أميركا كما أمل رئيسها. وبالقول ثالثاً أن الإيرانيّين يُتابعون بناء ترسانتهم الصاروخيّة وتخصيب الأورانيوم خاصّتهم مع رفع نسبة نقائه. وبالقول رابعاً أنّ الإيرانيّين لن يُنتجوا الآن سلاحاً نوويّاً، لكنّهم يعملون كي يصلو إلى مرحلة يستطيعون فيها إنتاجه في مدّة قصيرة إذا إشعرتهم أخطار إقليميّة داهمة أو تطوّرات بالغة السلبيّة بالحاجة إلى ذلك. وبالقول خامساً أنّ الإيرانيّين باقون في سوريا، ويبدو أنّ الروس لم ينجحوا في إخراجهم منها أو لم يُقرِّروا إخراجهم منها، رغم أنّهم لن يدافعو عن منشآتهم وقواعدهم العسكريّة المقامة في سوريا عندما تتعرّض إلى اعتداءات إسرائيليّة. وبالقول سادساً أنّ “حزب الله” يبقى تهديداً بترسانته الصاروخيّة الضخمة، ويبدو أنّ العقوبات الأميركيّة قد ألحقت به الأذى عسكريّاً. وبالقول سابعاً وأخيراً أنّ تركيا أصبحت الآن لاعباً في سوريا وأن دعمها لـ”حماس” وللإسلاميّين الأصوليّين (المُتطرّفين) لم يتوقَّف بل لا يزال في أوجه. في ضوء ذلك كلّه ما هي خيارات إسرائيل؟ المُتابع الأميركي نفسه يُلخِّصها بالآتي: هل هجوم إسرائيل على المنشآت النوويّة الإيرانيّة خيار قابل للتطبيق؟ والجواب هو كلّا إذا امتنعت إيران عن إنتاج أسلحة نوويّة. وفي حال حصول الهجوم بعد انتاجها فإنّ ضرب المنشآت المذكورة ستشارك فيه أميركا وربّما المملكة العربيّة السعوديّة. وعدم إشتراكهما في ذلك يمكن أن يؤدّي إلى صراع إقليمي لا يُريده الرئيس ترامب ولا القيادة السعوديّة ولا الأوروبيّون، فضلاً عن بقيّة العالم. علماً أنّ السعوديّة لا يحتمل أن تمنح إسرائيل إذناً باستعمال مجالها الجوّي لإقتناعها بأن إيران ستعرف ذلك وتردّ عليه بعمليّة انتقاميّة. وحتّى لو أُعطيت إسرائيل ضوءاً أخضر متوهّجاً من أميركا والسعوديّة لتنفيذ هجوم كالمذكور أعلاه بقوّتها وحدها وبأسلحة تقليديّة فإنّ الأذى الناجم عن ذلك سيكون محدوداً جدّاً بسبب الدفاعات والتحصينات الإيرانيّة. ورغم ذلك فإنّ الهجوم قد يقود إلى صراع مُحتدم مع إيران و”حزب الله”، وقد يؤذي إسرائيل جديّاً، ولهذا فإنّ هجوماً تقليديّاً كالمُشار إليه لا يستحقّ المغامرة. علماً أن ردّ إيران قد يشمل أيضاً منشآت أميركية إقليميّة والبنية التحتيّة النفطيّة السعوديّة.

انطلاقاً من ذلك ما هو الخيار الإسرائيلي القابل للحياة؟ شعوري، يُجيب المُتابع الأميركي نفسه، أنّ على إسرائيل أن تنتظر مفاوضات نوويّة جديدة بين إيران وأميركا وربّما شركائها في اتفاق الـ 2015 تتناول أيضاً البرنامج الصاروخي لإيران ونشاطاتها الإقليميّة المخرّبة ونزع سلاح “حزب الله”. وإلى أن يتمّ الاتفاق على ذلك ستُتابع إسرائيل استراتيجيّتها الحاليّة وهي استهداف قواعد إيران ومنشآتها في سوريا بموافقة روسيا وأميركا. في أي حال إذا شعرت إسرائيل أن إيران تُشكِّل لها تهديداً وجوديّاً فإنّها ستضع كل خياراتها المُمكنة على الطاولة لاستعمال ما تحتاج إليه منها.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد